الأزمة البنيوية العالمية للرأسمالية
جون بيلامي فوستر جون بيلامي فوستر

الأزمة البنيوية العالمية للرأسمالية

بتصرف عن مجلة «المراجعة الشهرية»

 

في زمن تتلاحق فيه الأزمات وتتشابك، يبرز سؤال جوهري: هل ما نشهده مجرد أزمات متفرقة، أم إنه مظهر من مظاهر أزمة بنيوية شاملة للرأسمالية كنظام؟ هذا هو السؤال الذي طرحه المفكر الماركسي إستفان ميسزاروس منذ سبعينيات القرن الماضي، وما زال يكتسب راهنية متزايدة مع تصاعد الاضطرابات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية في عالمنا المعاصر.

مفهوم الأزمة البنيويّة للرأسمالية

 عرّف ميسزاروس الأزمة البنيويّة للرأسمالية بأنها تختلف جوهرياً عن الأزمات الدورية والمتلاحقة التي تمثل «نمط الوجود الطبيعي»للرأسمالية. وتمتاز هذه الأزمة بأربع خصائص أساسية:

 

أولاً: شموليتها، فهي لا تقتصر على مجال معين كالمجال المالي أو التجاري أو الإنتاجي، بل تمتد لتشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية.

ثانياً: نطاقها العالمي، فهي ليست مقتصرة على مجموعة معينة من الدول كما كانت الأزمات الكبرى في الماضي، بل تطال كل بقاع الأرض.

ثالثاً: امتدادها الزمني، فهي أزمة مستمرة ودائمة، وليست محددة بفترة زمنية معينة كالأزمات الدورية السابقة.

رابعاً: أسلوب تطورها «الزحفيّ»، إذ تتقدم ببطء وتراكمية، مع إمكانية حدوث انفجارات عنيفة مستقبلاً عندما تستنفد آليات «إدارة الأزمات»قدرتها على احتواء التناقضات المتنامية.

هذا يعني أن نمط الإنتاج الحالي يقترب من الحدود المطلقة لقدرته على إعادة الإنتاج الاجتماعي الاستقلابي، ليس في تناقضاته الاقتصادية فقط، بل في كل جانب من جوانب الواقع المادي. وتتضح هذه الأزمة بوضوح في المجال البيئي، حيث تعامل الرأسمالية الطبيعة كمجرد حواجز يجب تجاوزها أو مكبات للنفايات، بدلاً من الالتزام بالحدود الكوكبية والقوانين الطبيعية.

 

ظاهرة التوفيقية السطحية

 في مواجهة هذه الأزمة البنيوية، يلجأ الفكر الاجتماعي السائد إلى مفاهيم تمويهية تُخفي جوهر المشكلة. ومن أبرز هذه المفاهيم اليوم «الأزمة المتعددة» أو Polycrisis، التي يروِّج لها مفكِّرون مثل آدم توزي ومؤسسات كالمنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الدولي.

تقوم هذه النظرة على فكرة أن الأزمات المتعددة التي نواجهها (اقتصادية، بيئية، جيوسياسية، اجتماعية، تكنولوجية) ليست مرتبطة ببعضها عضوياً، ولا يمكن ردها إلى نظام اقتصادي-اجتماعي معين. إنها مجرد أزمات متداخلة تعكس تعقيد العالم وعدم يقينه.

واللافت أن هذه المقاربات تتجنب بشكل منهجي ذكر الرأسمالية كسبب جذري لهذه الأزمات. فهي تتحدث عن «التحديات العالمية»و«الهشاشة» و«المرونة» المطلوبة، لكنها لا تتطرق إلى علاقات الإنتاج والاستغلال والتراكم اللا متناهي التي تقود العالم نحو الهاوية.

وهذا إنْ دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن هذه المفاهيم هي بالأساس استجابات أيديولوجية للأزمة البنيوية للرأسمالية، تحاول إنكار وجود أزمة بنيوية للنظام نفسه أو أي صلة بين الأزمة المتعددة والرأسمالية.

 

الساحر الذي خرجت تعاويذه عن السيطرة

 استعار ماركس وإنجلس في بيانهما الشيوعي صورة الساحر الذي لا يستطيع السيطرة على قوى العالم السفلي التي استدعاها بتعاويذه، لوصف تناقضات الرأسمالية. فبينما أشادا بالإنجازات الثورية للبرجوازية في تجاوز الإقطاعية وتحويل العالم، أشارا إلى أن هذه البرجوازية نفسها أصبحت عاجزة عن السيطرة على قوى الإنتاج الهائلة التي أوجدتها.

تعمل الرأسمالية وفق معادلة بسيطة: نقود ← سلعة ← نقود + فائضقيمة. والغاية الوحيدة هي تراكم رأس المال بلا نهاية. وهذا التراكم يعتمد على استغلال العمال، الذين يعملون أكثر من الوقت اللازم لإعادة إنتاج قيمة قوة عملهم، مما يولد فائض قيمة للمستثمرين.

لكن التراكم الرأسمالي يصاحبه دائماً نزعة تدميرية تجاه الطبيعة والمجتمع. فكلما تقدمت القدرات الإنتاجية، ازدادت قابلية المجتمع للكوارث التي «تتكرر باستمرار على نطاق متزايد باستمرار مع نمو مهاراتنا ومعرفتنا»، كما يقول المؤرخ ويليام ماكنيل.

اليوم، وصلت الرأسمالية إلى حدودها المطلقة كنظام قابل للحياة. فقد تجاوزت البشرية سبعة من الحدود الكوكبية التسعة التي تحدد بيئة آمنة للعيش، ويتسبب تغير المناخ بتهديد حياة ومصادر رعي مليارات البشر.

 

مراحل تطور الرأسمالية والأزمة الراهنة

 يميز الماركسيون بين ثلاث مراحل أساسية في تطور الرأسمالية:

المرحلة الأولى: المذهب التجاري، التي نشأت في أواخر القرن الخامس عشر وامتدت حتى القرن الثامن عشر، وتميزت بهيمنة التجارة والزراعة والتعدين، ومصاحبتها لعملية تطويق الأراضي المشتركة والفتح الاستعماري للعالم.

المرحلة الثانية: الرأسمالية التنافسية، المرتبطة بالثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر، وتميزت ببناء وسائل الإنتاج في قلب الرأسمالية وبروز بريطانيا كقوة هيمنية بفضل ريادتها الصناعية.

المرحلة الثالثة: الرأسمالية الاحتكارية، التي نشأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتميزت بتركيز وتمركز رأس المال وظهور الشركات العملاقة وهيمنة المال. وفي هذه المرحلة، أصبح التوسع في إنتاج وسائل الإنتاج يعتمد على إنتاج وسائل الاستهلاك، وواجه النظام نزعة نحو فائض التراكم وركود الاستثمار.

مع هيمنة رأس المال الاحتكاري، تراجعت أهمية المنافسة السعرية التي كانت تمثل قوة التوازن الرئيسية في النظام خلال المرحلة التنافسية. وأصبحت الشركات الكبرى قادرة على خفض الإنتاج في مواجهة ضعف الطلب الفعال، مع الحفاظ على هوامش ربحها، مما أدى إلى تراجع معدل النمو الاقتصادي.

 

من الرأسمالية الاحتكارية إلى الإمبريالية المتأخرة

 مع نهاية الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة كقوة مهيمنة بلا منازع على النظام الرأسمالي. وأعادت بناء القوى الإمبريالية الأخرى كشركاء صغار في هيمنتها، ليشكلوا معاً مجموعة السبع التي تمثل قلب النظام الإمبريالي العالمي.

في ستينيات القرن الماضي، طور بول باران وبول سويتزي تحليلهما للرأسمالية الاحتكارية، مشيرين إلى نزعة الركود نتيجة فائض التراكم وعدم قدرة فائض القيمة على إيجاد منافذ استثمارية مربحة. وأشارا إلى أن الاقتصاد كان يُدعم بالإنفاق العسكري، وموجة ثانية من التوسع في صناعة السيارات، وجهود المبيعات الضخمة، والتوسع الائتماني. لكن مع تراجع هذه العوامل التاريخية الداعمة للتراكم، عاد شبح الأزمة الاقتصادية والركود العميق ليخيم على النظام.

في سبعينيات القرن الماضي، أدى تراجع الإنفاق العسكري الأمريكي بعد حرب فيتنام، إلى جانب أزمة الطاقة، إلى ركود عميق. ونتيجة لذلك، تحول رأس المال نحو المضاربة المالية، مما أدى إلى نمو القطاع المالي بصورة غير مسبوقة، مع ما صاحبه من زيادة في الهشاشة وعدم الاستقرار. وسياسياً، أدى ذلك إلى ظهور النيوليبرالية التي تمثل انتصار رأس المال الاحتكاري المالي.

واليوم، يعاني العمال في الاقتصادات الرأسمالية المتطورة من «أزمة القدرة على الشراء»، حيث يسعى رأس المال الاحتكاري المالي إلى استخدام كل الوسائل الممكنة للأخذ من الفقراء وإعطاء الأغنياء. وتستثمر شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة مبالغ طائلة في مراكز البيانات التي تهدد بإزالة عشرات الملايين من الوظائف واستبدالها بالآلات الذكية.

 

الحرب الباردة الجديدة

 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، شهد العالم لحظة قطبية أحادية استخدمتها الولايات المتحدة لشن حروب إمبريالية مكشوفة في غرب آسيا والبلقان وشمال إفريقيا. ثم جاءت الأزمة المالية الكبرى 2007-2009 لتكشف هشاشة الاقتصاد المالي في قلب الرأسمالية، مع ما رافقها من آثار سياسية هائلة.

داخلياً، أدت هذه الأزمة إلى الانتقال من النيوليبرالية إلى الفاشية الجديدة، التي تجلت في حركة «تي بارتي» ثم حركة «ماجا» بقيادة دونالد ترامب. وخارجياً، أظهرت الأزمة مناعة الاقتصاد الصيني النسبية، مما دفع واشنطن إلى إطلاق حرب باردة جديدة تركز على الصين.

وتتميز هذه الحرب الباردة الجديدة بعدوانية عسكرية واقتصادية متصاعدة، تدعم «إسرائيل» في إبادة جماعية في فلسطين، وتهدد فنزويلا وإيران وكوبا، وتزيد الإنفاق العسكري إلى 1.5 تريليون دولار، وتحدّث عن حرب نووية محدودة مع الصين حول تايوان.

 

الطريق إلى الأمام

 يقف العالم اليوم أمام أزمة وجودية تهدد البشرية جمعاء. فالرأسمالية، في سعيها غير العقلاني للتراكم كغاية في حد ذاته، تدمر شروط إنتاجها وشروط الحياة على الكوكب. لكن الرأسمالية، كما أشار ماركس وإنجلس، تستدعي عن غير قصد من «العالم السفلي» قوى المقاومة: بروليتاريا ثورية.

اليوم، تتسع القاعدة الموضوعية للثورة في القرن الحادي والعشرين، لتشمل مجتمعات الطبقة العاملة الواسعة وبيئاتها، بما لا يستثني الفقراء والفلاحين والعمال المعيشيين والمضطهدين عرقياً وجنسياً والسكان الأصليين، الذين تدفعهم جميعاً النزعات التدميرية للنظام نحو التضامن.

تتجلى المقاومة بقوة في الجنوب العالمي، لكنها تتسع في كل مكان، وتظهر في نضالات مئات الملايين من البشر حول العالم من أجل الكرامة الإنسانية والعمل ذي المعنى والمجتمع الحيوي. وتتشكل اليوم بروليتاريا بيئية ناشئة، تدفع نحو إنشاء حضارة بيئية جديدة، قائمة على المساواة الجوهرية والاستدامة البيئية، مما يطرح شبح الاشتراكية الكاملة.