حول الاتفاق الأمني الروسي-الصيني
رهام الساجر رهام الساجر

حول الاتفاق الأمني الروسي-الصيني

نعيش اليوم مرحلة تاريخيّة من التغيّير في ميزان القوى الدولي، فوجود العديد من التغيّرات التي تراكمت خلال العقدين الماضيين، جعل هذه المرحلة حاسمة؛ كونها تُعدّ نقطة علاّم في التحول النوعي الجاري نحو النظام العالمي الجديد.

أدى الاجتماع بين الرئيسين الصيني والروسي على هامش قِمّة مُنظّمة شنغهاي للتعاون في أوزبكستان إلى تجديد التدقيق في نطاق وعمق الشراكة الاستراتيجيّة الصينيّة الروسيّة، فبعد القمة مباشرة، في 19 أيلول الجاري، التقى رئيس مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف مع يانغ جيتشي كبير الدبلوماسيين الصينيين في بكين، لمناقشة تنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الرئيسان في اجتماعهما، إذ تمّ الاتفاق على مزيد من التعاون العسكري بالإضافة إلى التركيز على التدريبات المشتركة والدوريّات، وكذلك على تعزيز الاتصالات بين هيئة الأركان العامّة المعنية في البلدين وفقًا لهيئة الأمن الروسيّة، في حين أكّد باتروشيف «تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي مع بكين كأولوية غير مشروطة لسياسة روسيا الخارجية».

 

قناعة راسخة

إنّ التركيز على البُعد العسكريّ-التكنولوجيّ للشراكة الصينيّة الروسيّة يشير إلى أنّ تنامي العلاقات الكبير بين الجانبين قد تجاوز «المفهوم الاعتيادي» حولها، إذ تنظر كلّ من بكين وموسكو إلى شراكتهما باعتبارها مفتاحًا لمواجهة عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة، في الوقت الذي تتشاركان فيه الموارد والتكنولوجيا، وذلك انطلاقًا من القناعة الراسخة بكونهما تشكلان معًا تحديًا أكبر بكثير من قدرة واشنطن على مواجهته، مقارنة بمواجهتهما بشكلٍ منفصل، والتي تم العمل عليها بشكل منتظم خلال الأعوام الماضية من خلال زيادة عمليات نقل التكنولوجيا والمشاريع المشتركة، بما في ذلك في مجال الملاحة عبر الأقمار الصناعية والفضاء والدفاع الصاروخي المتقدم. على سبيل المثال، بينما أصبحت روسيا تعتمد على المكونات الرئيسيّة والاستثمارات من الصناعة الصينيّة لتطوير الأسلحة المتقدمة، فإن صناعتها الدفاعية تحتفظ بالقدرات المتخصصة التي تحتاجها الصين، مثل تحسين الوظائف القتاليّة للأسلحة الصينية، كما أن للصين وروسيا أيضًا مصلحة بالتطوير المشترك للتقنيات الحيويّة والتمكينيّة، والتي يمكن أن تساعد كلا الجانبين على تخطي جيل من قدرات الأسلحة، ويشمل ذلك التطوير للتقنيات الحيويّة المتقدمة. وكما ذكرت ASPI، أنّ الصين وروسيا تتعاونان في اتصالات الجيل التالي، بما في ذلك عملاق الاتصالات الصيني Huawei الذي افتتح مراكز بيانات في روسيا، كما زادوا من تعاونهم في الفضاء، فضلًا عن صناعة الطيران الصينيّة التي استبدلت المكونات الإلكترونية المقاومة للإشعاع بتكنولوجيا المحرّكات الروسيّة التي تعمل بالوقود السائل.

 

عن أي أمن سيتحدثون

خلال الأعوام الماضية، ركّزت واشنطن جهودها ضمن سياسة «حشد التحالفات وإعادة تشكيلها» تجاه منطقة جنوب المحيط الهادئ والمحيط الهندي، والتي تنتهجها الإدارة الأمريكيّة في ضوء مواجهتها مع الصين وروسيا لاحتوائهما، ليتم التصعيد بمستوى أعلى عن طريق إطلاق العنان لصراع مع روسيا على أيدي وكلائها في أوكرانيا ثم إنهاء موسكو بالعقوبات، التي لم تنهك سوى أوروبا وقطاع طاقتها، أما في المرحلة التاليّة من مواجهتهم مع موسكو وبكين، بدأت تحريض وكلاءها في تايوان ضد الصين على غرار النموذج الأوكراني متوقعين هزيمة الخصم الصيني أيضًا، وذلك لتصحيح فشل واشنطن في أوكرانيا -وفقًا للمحلل العسكري سيث كروبسي في مقال له على موقع آسيا تايمز- من خلال زيادة المواجهة مع البحريّة الروسية في الشرق الأقصى، على أمل أن يحدث شيء ما!

هذه الآمال وغيرها الكثير سيجري تضمينها في استراتيجية واشنطن للأمن القومي التي ستصدرها إدارة بايدن قريباً، هذه الوثيقة التي ستتحدث عن كيفية استعداد الولايات المتحدة لحرب باردة جديدة ضد روسيا والصين معًا، وذلك بعد اختبارها جديّة وعمق الشراكة الاستراتيجية بين الحليفين، حتى لو وصل بها الأمر لشن حرب على جبهتين والانغماس بحرب عالمية ثالثة في مواجهة موارد ما يقرب من نصف مساحة اليابسة في أوراسيا، ودون الاكتراث لوعودها بوضع «سياسة خارجية للطبقة الوسطى» وإلقاء نظرة على أكثر الأمور التي تشغل بال الأمريكيين. مما لا شك فيه أن الهوة العميقة بين طموحات أمريكا في العالم وقدرتها على تحقيق تلك الطموحات قد تعدتها إلى هوة بمستوى أعلى بين نخبة السياسة الخارجيّة في واشنطن التي تركّز على تعزيز تفوق الولايات المتحدة والأمريكيّون العاديّون التواقون لمزيد من الأمن والاستقرار في وطنهم.

 

مفترق طرق

مع استكمال ترجمة موازين القوى الدوليّة الجديدة، في غير مصلحة المراكز الإمبرياليّة الغربيّة، قد يبدو للبعض أنّها تُسهم في إطالة أمد الأزمات ورفع الكُلف، كبروز إمكانيّة ظهور تطورات ذات طابع عسكري على المستوى العالمي مؤخراً، إلا أنَّها ما زالت إمكانيّةً من ضمن مجموعة إمكانيّات ضمن الواقع كون أنّ الحضارة البشرية تقف فعلاً على مفترق طرق، الأمر الذي يفتح المجال لكي تأخذ -تلك الموازين- مسارها التاريخيّ الموضوعيّ، أيّ انفكاك الأطراف عن تلك المراكز، ومع أنّ إدراك حجم الضرر الذي أصاب المراكز الإمبريالية والغرب عموماً بشكل مباشر خلال العقدين السابقين لم يكن سابقًا من السهولة بمكان، إلا أنّ هذا الضرر قد تعمّق أكثر فأكثر بفضل خيار الصراع بالنقاط وتنظيم تراجع الخصم الذي انتهجته القوى الصاعدة وخصوصاً روسيا والصين، هذه الاستراتيجيّة التي تمثلت بتوجيه أعمق الضربات وأكثرها إيلاماً لأسس الهيمنة الغربيّة حتى الإجهاز عليها، وإن كان اهتزازها العنيف يحدث في الظلمة إلا أنّ الصرير بدأ يعلو، والشروخ قد أضحت فوالق.

آخر تعديل على الثلاثاء, 27 أيلول/سبتمبر 2022 20:26