هل من المفيد «الشماتة» بأوروبا؟
عماد طحان عماد طحان

هل من المفيد «الشماتة» بأوروبا؟

لن تقف أزمة أوروبا عند حدود الشتاء الذي بدأ فعلياً فيها، بل ستمتد أبعد وأعمق من ذلك؛ إذ لا تقف الأزمة عند حدود الارتفاع الجنوني لأسعار الغاز والنفط، ناهيك عن عدم توفرهما نتيجة للسياسات الأوروبية التي تواصل السير نحو الهاوية وراء القيادة الأمريكية، بل تتجاوز ذلك إلى كل نواحي الحياة الاقتصادية، وتالياً الاجتماعية والسياسية، ووصولاً إلى التهديد الحقيقي بتفكك الاتحاد الأوروبي ناهيك عن احتمال «ربيع أوروبي» باتت ملامحه الأولى واضحةً لكل ذي نظر.

ضمن هذه الظروف، تدور سجالات بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي حول جدوى «الشماتة» بالأوروبيين ومعناها، خاصة وأنّنا كسوريين في أوضاعٍ هي من السوء بما يجعل من وضع أوروبا المتدهور جنةً مقارنة بما نعيشه.


لا بد قبل الدخول في هذا السجال من القول إنّ «الشماتة» فعلٌ سلبيٍ عادة ما يلجأ إليه المهزومون للتسرية عن هزيمتهم، على مبدأ أنّ «من يرى هموم الناس تهون عليه همومه»! ولذا فليس من الحصافة في شيءٍ الشماتة بالأوروبيين، وخاصة إذا كانت شماتة عمياء تضع الحكومات والشعوب في سلةٍ واحدة.

مفهومة ولكن غير مبررة

الشماتة العمياء التي تشمل الأوروبيين حكوماتٍ وشعوبٍ يمكن فهمها، وفي كل بقاع العالم «الثالث»؛ فأوروبا لم تدخر فرصة طوال العقود الماضية إلا واغتنمتها للتعالي والتعجرف اتجاه شعوب «الأطراف»، ناهيك عن التاريخ الاستعماري الطويل الذي ما يزال حاضراً. ولكن ربما أهم من ذلك هو أنّ هذا الاستعمار ما يزال مستمراً عبر الأدوات الاقتصادية بدل العسكرية.
لكي تكون الأمور أكثر وضوحاً، فإنّ أوروبا منذ أواسط الستينيات تقريباً، ومعها الولايات المتحدة بطبيعة الحال، قد دخلت طوراً عميقاً من التحول الداخلي والخارجي بالمعنى الاقتصادي والسياسي، والذي عبّر عن نفسه في نهاية المطاف بما سمي النيوليبرالية. جوهر ذلك التحول هو أنّ اقتصادات الغرب «المتقدمة» قد فقدت بشكل مطرد صفتها الإنتاجية، وباتت اقتصادات يغلب فيها الطابع المالي والريعي لا الإنتاج الحقيقي. وهذه المسألة ليست سراً؛ إذ يمكن النظر في الأرقام الرسمية الغربية لتبين هذه المسألة، فدولة مثل بريطانيا، تدخل قطاعات الخدمات والتمويل، وعملياً كل القطاعات عدا الإنتاج الحقيقي، بنسبة تفوق 87% من تركيب الناتج المحلي الإجمالي. النسبة مقاربة في الولايات المتحدة، وربما الاستثناء الوحيد في هذه المعادلة هي ألمانيا التي يشكل الناتج الحقيقي من إجمالي ناتجها حوالي 30%.
إذا قارنا هذه النسب بتلك التي في الصين وروسيا والهند مثلاً، لوجدنا حصة الإنتاج الحقيقي (صناعة، زراعة، نقل، بناء، تجارة داخلية) في هذه الدول على التوالي: 63%، 38%، 46%.

ما الذي تعنيه هذه الأرقام؟

التحول الذي أشرنا إليه آنفاً، كان سببه الأساسي هو ميل معدل الربح نحو الانخفاض في كلٍ من أوروبا والولايات المتحدة، وبدأت رؤوس الأموال تهاجر نحو أماكن أخرى تحقق فيها ربحاً أعلى، وخاصة نحو شرق آسيا. أي أنّ عمليات الإنتاج الحقيقي بدأت بالانتقال تدريجياً نحو الشرق، ولكن مع بقاء مراكزها الأساسية في الغرب، ومع بقاء الأرباح متدفقة من مختلف أطراف العالم نحو المركز.
ما سمح باستمرار هذه المعادلة هي المنظومة التي بات متعارفاً على تسميتها بمنظومة التبادل اللامتكافئ؛ حيث تقوم دول العالم الفقيرة ببيع مواردها الخام بأسعار بخسة وتشتري المواد المصنعة بأسعار باهظة، والحاكم في التجارة الدولية هو الدولار ومن ثم الدولار واليورو اللذان يطبعان عملياً دون تغطية حقيقية... المستجد بدءاً من الستينات هو أنّ هذه الدول المفقرة استمرت ببيع مواردها الخام، واستهلاك البضائع المنتجة بأسعار عالية، ولكن مع فارق أنّ عملية الإنتاج قد انتقلت بجزء كبيرٍ منها إلى تلك الدول بالذات، وخاصة دول شرق آسيا. أي أنّ الغرب لم يعد له دور في العملية بأسرها سوى دور النهب عبر التبادل اللامتكافئ.
ما يجري حالياً من ارتفاع هائل بأسعار الطاقة والغذاء، وعلى العموم كل المواد الأولية، ورغم آلامه الكبرى، إلا أنّه عملية تصحيحٍ طبيعية إلى حد كبير للتضخم المهول في العملات الغربية التي باتت وظيفتها الأساسية هي أن تعمل كأدوات نهب.
وبالتوازي، فإنّ هذا الارتفاع بالأسعار، أفقد وسيفقد بشكل أكبر، أي إمكانيات إنتاج حقيقي في أوروبا والولايات المتحدة. أضف إلى ذلك عملية تحطيم النظام المالي العالمي المرتكز إلى الدولار، والحصيلة أنّ الغرب سيفقد موقعه المهيمن عالمياً، بل وربما تذهب الأمور أبعد من ذلك بكثيرٍ؛ إذ سيكون عليه البحث عن سبلٍ لتأمين المعيشة عبر أشكالٍ جديدة من الإنتاج ومن العلاقات السياسية الخارجية، وربما أهم من كل ذلك، عبر أشكالٍ جديدة من توزيع الثروة داخلياً ضمن محدد لم يعد هنالك منه مفرٌ، وهو أنّ النهب سينخفض بسرعة وسرعان ما سيتبخر خلال السنوات القادمة... إعادة توزيع الثروة داخلياً تعني شيئاً واحداً: الثورة.

هل نشمت؟

نعم نشمت بالحكومات ورؤوس الأموال العالمية التي نهبت شعوب الأرض بما فيهم الشعوب الأوروبية طوال 4 قرون مضت، وإنْ كانت الشعوب الأوروبية قد تمت رشوتها خلال القرن الأخير فقط، وتحديداً بين أواسط الخمسينيات حتى أواسط الثمانينيات، أي لمدة لا تزيد فعلياً عن 30 إلى 40 عاماً، تمت رشوتها بجزء من فائض النهب في إطار الحرب الباردة وفي إطار منع انتشار النموذج السوفياتي في حينه في توزيع الثروة.
مع تراجع الاتحاد السوفياتي، وحتى قبل انهياره، بدأت عملية استرجاع مكتسبات الشعوب والطبقة العاملة الأوروبية، ابتداءً بالمرأة الحديدية تاتشر وقمعها الوحشي لإضرابات العمال في بريطانيا مطلع الثمانينيات.
الآن نحن أمام حقبةٍ جديدة بالكامل، يتم من خلالها كسر معادلة التبادل اللامتكافئ حول العالم بأسره، وتالياً يتم كسر نهب شعوبنا وثروات شعوبنا باتجاه المركز الغربي... ويتم بالتوازي اكتمال شروط الثورات الجديدة في أوروبا وفي الغرب ككل، وفي الشرق أيضاً، وفي منطقتنا وحول العالم بأسره... وإنْ كانت الثورة ستأخذ شكلها الملموس الخاص في كل بقعة من بقاع الأرض، ولكنها آتية ولاشك... وإذاً فهو تفاؤل وتطلع نحو مستقبل أكثر إنسانية، أكثر منه شماتة سلبية مهزومة...

آخر تعديل على الخميس, 08 أيلول/سبتمبر 2022 17:02

تابعونا على الشبكات التالية!

نظراً لتضييق فيسبوك انتشار صفحة قاسيون عقاباً لها على منشوراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ندعوكم لمتابعة قنواتنا وصفحاتنا الاخرى على تلغرام وتويتر وVK ويوتيوب وصفحتنا الاحتياطية على فيسبوك