الحرب الأمريكية الهجينة على إثيوبيا ودور صندوق النقد الدولي
أندرو كوريبكو أندرو كوريبكو

الحرب الأمريكية الهجينة على إثيوبيا ودور صندوق النقد الدولي

لا تنفك تتزايد عبر العالم الأمثلة على استعمال واشنطن لصندوق النقد الدولي أداةً لغايات الحرب الهجينة المتعلقة بالأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية، ومنها الحملة غير التقليدية ضد إثيوبيا. قام صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له حول توقعات النمو الاقتصادي لبلدان العالم، باستبعاد أربعة بلدان فقط لم يصدر لها أي توقعات نمو، وهي: إثيوبيا، وأفغانستان، وليبيا وسورية. الأمر الذي ينطق بالكثير حول النوايا الأمريكية التخريبية تجاه هذه البلدان وسعي واشنطن لإطالة معاناة شعوبها.

ترجمة: قاسيون

الحرب الأمريكية الهجينة على إثيوبيا متعددة الأوجه، لكن أحد أكثر مكوناتها أهمية هو البعد الاقتصادي. وتتمثل باستخدام الوسائل الاقتصادية لتحقيق غايات سياسية، ولا سيّما السيناريو البوسني المتمثل في التقسيم الفعلي للبلاد داخليًا من خلال فرض «حل» شبيه باتفاق دايتون لعملية «مكافحة الإرهاب» المستمرة في منطقة تيغراي الشمالية.
وتعتمد طريقة العمل الأمريكية على العقوبات الحالية، والتهديدات الأخيرة بإصدار المزيد منها، ومساعي حرمان إثيوبيا من الوصول إلى السوق الأمريكية من خلال استبعادها من قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA)، ومن أحدث استفزازات صندوق النقد الدولي رفض الإعلان عن توقعات النمو لإثيوبيا على مدى السنوات الأربع المقبلة بقصد ضمني لردع الاستثمار الأجنبي في اقتصادها لسنوات قادمة.

ضغوط اقتصادية متشابهة على أفغانستان وإثيوبيا

كل هذا يهدف إلى ممارسة ضغوط هائلة على الشعب الإثيوبي مع توقع إثارة انقلابهم على حكومتهم من ذلك النوع الذي قد يكون فوضوياً وغير ناضج بتحريض من دافع اليأس، وبالتالي بطريقة أو بأخرى الضغط لكي تستسلم البلاد للمطالب الخارجية التي تُفرض عليها، ربما من خلال أعمال شغب عنيفة أو حتى انضمام بعض السكان إلى الجماعات الإرهابية في أجزاء أخرى من البلاد خارج تيغراي.
قدمت حكومة إثيوبيا طلباً إلى صندوق النقد الدولي للحصول على صفقة جديدة في أيلول لإعادة هيكلة ما يقرب من 30 مليار دولار من الديون الخارجية، وتنتظر موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على المدفوعات من التسهيل الائتماني الممدد والصندوق الممدد. ومن المفروغ منه أنه حتى لو حصلت على هذا القرض لا ينبغي اعتبار ذلك «السيناريو الأفضل»، وذلك لأن تاريخ صندوق النقد الدولي قد أثبت مراراً وتكراراً أنه عرضة للتأثير الأمريكي ولا سيّما عندما يتعلق الأمر باستخدام «مساعداته» المالية لدول أخرى كأداة ضغط. يتضح هذا من خلال القرار الأمريكي في أواخر آب بتعليق وصول أفغانستان إلى أموال شعبها بعد استيلاء طالبان على السلطة، حيث تريد واشنطن استخدام نفوذها على صندوق النقد الدولي للضغط على طالبان لإجراء «إصلاحات» مختلفة تناسب الولايات المتحدة، مدركة تمامًا أن البلاد ستكافح لدرء أزمتها الإنسانية الوشيكة دون الوصول إلى موارد المؤسسة المالية، وأن ذلك سيفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان بغض النظر عن وجهات النظر حول قادة ذلك البلد الفعليين.
هذا الاستغلال الأمريكي لمعاناة الشعوب لأغراضها الجيوسياسية، أمر وثيق الصلة بإثيوبيا أيضاً لأن الولايات المتحدة قد تسعى قريبًا إلى تكرار سيناريو مشابه في ذلك البلد الواقع في القرن الأفريقي مثل السيناريو الذي تحاول الدفع به قدماً حاليًا بشأن أفغانستان.

 sadasd

المعايير المزدوجة لصندوق النقد الدولي

لتوضيح ذلك، لا بد من الانتباه إلى أنّ رفض صندوق النقد الدولي المحتمل للتوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا يمكن أن يكون مبنيًا بشكل خاطئ على ذرائع «إنسانية» مصطنعة إذا تكثفت حملة الحرب الإعلامية الأمريكية ضد هذا البلد في المستقبل القريب. وتشير حقيقة رفض صندوق النقد الدولي نشر توقعات النمو إلى أنه يتدخل بالفعل في إثيوبيا، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر.
وفي مقال مهم كتبه توم كولينز حول هذا الأمر لنافذة الأعمال الأفريقية عبر الإنترنت، يستشهد بخبير لاحظ أنه وبخلاف حجب الصندوق لتوقعات النمو للبلدان الأربعة (إثيوبيا، وأفغانستان، وليبيا، وسورية) فإنه حتى بالنسبة للبلدان التي تمزقها النزاعات مثل الصومال أو جنوب السودان، فإن توقعات الصندوق متوفرة وقد أصدرها الصندوق بالفعل.
ما يعنيه هذا هو أن صندوق النقد الدولي طبق عن عمد معايير مزدوجة على إثيوبيا من خلال معاملتها على أنها «أكثر نزاعًا» من هاتين الدولتين غير المستقرتين نسبيًا، وبالتالي مساواتها بأفغانستان وليبيا وسورية. هذا تقييم غير دقيق ويتعارض مع الحقائق. إن منطقة تيغراي وأجزاء من منطقتي عفار وأمهرة هي التي غزتها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» خلال الصيف هي المنطقة التي تشهد نزاعًا مسلحًا، في حين بقية إثيوبيا مستقرة (من الناحية العسكرية على الأقل). إن مقارنة إثيوبيا بتلك الدول الثلاث التي مزقتها الصراعات فقط على أساس الصراع المسلح الدائر في شمالها، وبالتالي رفض إصدار توقعات النمو للبلد بأكمله على مدى السنوات الأربع المقبلة، هو أمر غير نزيه، ويظهر أن صندوق النقد الدولي قد تم استغلاله بالفعل من قبل الولايات المتحدة لغايات الحرب الهجينة المتعلقة بالبعد الاقتصادي لهذه الحملة غير التقليدية ضد إثيوبيا.
أما إحدى الطرق من وجهة نظر واشنطن لزيادة احتمالات السماح لإثيوبيا بإبرام صفقة مع صندوق النقد الدولي هي اشتراط الاستسلام سياسيًا للسيناريو البوسني وإلا فسيكون اقتصادها بلا رحمة.

واشنطن تستهدف المصالح الصينية في إثيوبيا وإفريقيا

بتوسيع زاوية الرؤية الجيوستراتيجية، لا تخفى نوايا واشنطن ورغبتها بتوجيه ضربة قوية للمصالح الصينية ليس فقط في إثيوبيا بل وكذلك في جميع أنحاء إفريقيا. وتجدر الملاحظة بأنّ إثيوبيا تعتبر واحدة من أكبر شركاء الصين في مبادرة الحزام والطريق (BRI) في إفريقيا. فالبلدان شريكان استراتيجيان شاملان، وكانت الاستثمارات الصينية حاسمة في صعود إثيوبيا في السنوات الأخيرة. إنّ ما يسمى بـ «القرن الآسيوي» الذي تقوده الصين لا ينفصم عن «القرن الأفريقي» بسبب الترابط الاقتصادي المعقد والمتبادل المنفعة بينهما. لا يمكن للصين أن تستمر في النمو دون إفريقيا والعكس صحيح، ولهذا السبب يمكن تصور الحرب الأمريكية الهجينة على إثيوبيا كجزء محوري من حربها الهجينة الأكبر بكثير على الصين في سياق «الحرب الباردة الجديدة». إن سحق إثيوبيا اقتصاديًا من خلال الوسائل التي تم التحذير منها في هذا التحليل من شأنه أن يؤثر بشكل مباشر على المصالح الصينية أيضاً، خاصةً إذا تم لاحقًا تكرار الحرب الأمريكية الهجينة على إثيوبيا وشنها ضد شركاء أفارقة آخرين لمبادرة الحزام والطريق.
لن تتخلى جمهورية الصين الشعبية أبدًا عن حليفها في القرن الأفريقي، لكنها قد لا تستطيع دعم اقتصادها بالكامل خلال هذه الفترة المقبلة التي تنذر بأزمة غير مسبوقة، وقد لا ترغب إثيوبيا في أن تصبح معتمدة بشكل كامل على أيّ شريك منفرد سواء الصين أو غيرها. تأمل الولايات المتحدة في وضع هؤلاء الشركاء الاستراتيجيين الشاملين في معضلة، بحيث يتم الضغط في الوقت نفسه على الصين لدعم الاقتصاد الإثيوبي بشكل غير واقعي بدافع الضرورة الاستراتيجية بالتوازي مع ضغوط مماثلة تُمارَس على إثيوبيا لتجنب الاعتماد غير المتناسب المحتمل على الصين بشكل استباقي. يمكن بعد ذلك أن يُتوقع من مديري التصورات في أمريكا أن يعملوا على التلاعب بالرواية من أجل إثارة انعدام الثقة بين البلدين بقصد إضافة بُعد معادٍ للصين إلى أعمال الشغب المناهضة للحكومة. وبالتالي فإنّ الحرب الأمريكية الهجينة (المركّبة) على إثيوبيا تبدو جزءاً من حربها الهجينة الأوسع ضد الصين.
تتطلب هذه الإستراتيجية الخبيثة من أجل التصدي لها تنسيقًا وتخطيطًا متقدمًا بين الصين وإثيوبيا من أجل تجنب مثل هذا السيناريو الأسوأ، وسيكون من الحكمة أن تبدأ مثل هذه المناقشات في أقرب وقت ممكن.

بتصرّف عن: EThe conomic Dimension Of The American Hybrid War On Ethiopia

آخر تعديل على السبت, 06 تشرين2/نوفمبر 2021 19:11