أمريكا-«إسرائيل»... و«تسوغ تسفانغ» الإيراني!
كان بطل العالم في الشطرنج، إيمانويل لاسكر، هو أول من أدخل الكلمة الألمانية Zugzwang (تسوغ تسفانغ) إلى اللغة الإنكليزية عام 1905، ومعناها الحرفي هو «حركة إجبارية»؛ وهي تصف أوضاعاً محددة في لعبة الشطرنج، حين لا يكون أمام اللاعب سوى مجموعة من الخيارات، جميعها سيئة، بحيث إن أي نقلة يقوم بها تجعل وضعه أسوأ مما كان عليه قبل القيام بالنقلة، وتجعله يتمنى لو أن قواعد اللعبة تسمح له بأن يقول: «pass» (مرر)، متخلياً عن دوره لخصمه؛ الخصم بدوره، ينتظر مبتسماً، وهو يعلم أن قوانين اللعبة ثابتة، وأن على اللاعب أن يحرك حتماً حين يأتي دوره، ولذلك على خصمه أن ينتقل بيده وبقراره إلى وضع أسوأ، ولكن له حرية الاختيار بين مجموعة من الأوضاع، السيئة جميعها... كذلك الأمر اليوم بما يخص الحرب الأمريكية/«الإسرائيلية» ضد إيران.
الأهداف؟
بات الفشل الأمريكي/ «الإسرائيلي» في تحقيق أي من الأهداف المعلنة لحربهما (إسقاط النظام، إنهاء البرنامج النووي، إنهاء البرنامج الصاروخي، إنهاء الارتباط والدعم بين إيران والقوى والمجموعات الإقليمية المتحالفة معها) فشلاً معلناً حتى ضمن الخطابات البهلوانية لترامب ونتنياهو. كلاهما باتا يقولان: إن إسقاط النظام في إيران ليس هدفاً مستعجلاً، وليس هدفاً مطلوباً من الحرب الحالية، بل وظيفة الحرب الحالية هي التمهيد له... وذلك بعد أن كرروا في الأيام الأولى كذبة سقوط النظام، وطالبوا بالاستسلام الكامل.
بالنسبة للمشروعين النووي والصاروخي، لم يعد الحديث يدور عن ضرورة إنهائهما، بل عن أنه «قد تم إنهاؤهما بالفعل»، أو على الأقل «تم إضعافهما إلى درجة هائلة، بحيث يحتاج الترميم إلى سنوات طويلة». ولما كان هذا الكلام هراءً واضحاً بالنسبة لأي صاحب عقل، خاصة وأن الصواريخ الإيرانية ما زالت تتساقط على القواعد الأمريكية المختلفة في المنطقة، وعلى الكيان، فإن المقصود منه هو القول على لسان المعتدين: «لم ولن نتمكن من إنهاء البرنامجين، ونحن مكتفون بما ألحقناه بهما من ضرر»، ويمكن أن نضيف: «ولكن دعونا نوقف الحرب هنا ونخرج...».
بالنسبة لإيقاف الترابط والتعاون عبر الإقليم، بين إيران والقوى والجماعات المتحالفة معها... فالوقائع تقول: إن الترابط بات أعلى وأقوى، من العراق إلى لبنان إلى اليمن...
الطريف في مناقشة أهداف أمريكا و«إسرائيل» من الحرب التي أشعلاها، ليس أن كل الأهداف التي حدداها لم ولن تتحقق فحسب، بل وأن الهدف الأساسي لها قد بات شيئاً آخر مختلفاً تماماً: فتح مضيق هرمز! المضيق الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، وكان مجانياً/دولياً، وبات الآن مغلقاً بشكل انتقائي، ويخضع عملياً للسيطرة الإيرانية، وبات العبور فيه مأجوراً ومتحكماً به من قبل الإيرانيين...
لماذا تسوغ تسفانغ؟
أمام الأمريكان الآن مجموعة من الخيارات، (ليس بينها ألا يقوموا بشيء، أو أن يقولوا pass):
الخيار الأول:
(الحركة الأمريكية/«الإسرائيلية»): أن يوقفوا الحرب من جهة واحدة ويعلنوا أنهم انتصروا.
(الحركة الإيرانية): سيتابع الإيرانيون إغلاق مضيق هرمز، وبالتالي رفع أسعار النفط، وربما يواصلون ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة و«إسرائيل»، حتى تحقيق كل الشروط التي وضعوها لوقف الحرب، وعلى رأسها خروج الأمريكان من المنطقة، ونظام أمن جماعي جديد مع دول المنطقة دون الأجانب... أي سيدمرون البترودولار بشكل كامل، ما سيقود نحو دمار الدولار نفسه، وتحول تراجع الهيمنة الأمريكية إلى انحسار وانهيار كامل. وبالنسبة للكيان الصهيوني، فإنه سيكون قد دخل نقطة اللاعودة باتجاه انتهائه ككيان عنصري، ناهيك طبعاً عن تبخر مشروع «إسرائيل الكبرى» و«الناتو العربي» ومهزلة «الاتفاقات الأبراهيمية».
النتيجة: لا يمكن للأمريكان و«الإسرائيليين» أن يوقفوا الحرب من طرف واحد.
الخيار الثاني:
(الحركة الأمريكية/«الإسرائيلية»): استمرار الحرب وإطالتها دون تصعيدها بشكل كبير، على أمل انهيار طهران.
الحركة الإيرانية: سيتابع الإيرانيون الحرب بوصفها حرب استنزاف طويلة الأمد، ستزداد بسرعة كبيرة درجات الإجهاد والتعب لدى الأمريكان و«الإسرائيليين» ابتداء بالدفاعات الصاروخية التي سيتم استنزافها أكثر فأكثر، بالتوازي مع استمرار إغلاق هرمز، والذهاب بالعالم بأسره نحو أزمات اقتصادية كبرى، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ودولارها، ما سيحوّل احتمال الانسحاب مع الإعلان الشكلي عن انتصار، إلى احتمالٍ أقل سوءاً من انسحاب لاحق، دون حتى أن تكون هنالك إمكانية لإعلان الانتصار الشكلي.
النتيجة: لا يمكن للولايات المتحدة ولـ«إسرائيل» أن تنسحبا من طرف واحد، ولا يمكنهما أن تتابعا حرب الاستنزاف ضمن الرتم نفسه، أي دون تصعيد كبير.
الخيار الثالث:
الحركة الأمريكية/«الإسرائيلية»: مواصلة الحرب، ولكن مع تصعيد يشمل ضرباً لمحطات الطاقة، ولكن دون إنزال جنود على الأرض.
الحركة الإيرانية: سيواصل الإيرانيون الحرب، وسيضربون محطات الطاقة في كل المنطقة، وستكون الأزمة الاقتصادية الكبرى أعمق وأسرع وأضخم، وسيكون الأمريكان وبترودولارهم المتضرر الأول منها. ولن يكون بمقدور دول الخليج العربي أن تقوم بشيء تجاه هذا التصعيد، أي لن يكون بمقدورها الانضمام العلني للحرب إلى جانب واشنطن، وإن انضمت فلن يؤثر انضمامها بشيء على مسار المعركة... والاحتمال الأكبر في هذه الحالة (وخاصة السعودية) أن تذهب في اتجاه معاكس تماماً، أي أن تطالب الأمريكيين علناً بإنهاء الحرب، وربما تضطر لمطالبتهم بمغادرة الأراضي السعودية، لتجنب نفسها خسائر استراتيجية كبرى.
النتيجة: لا يمكن لأمريكا والكيان، لا الانسحاب من طرف واحد من الحرب، ولا مواصلتها ضمن الرتم الحالي، ولا تصعيدها نحو ضرب محطات الطاقة.
الخيار الرابع:
الحركة الأمريكية/«الإسرائيلية»: مواصلة الحرب وتصعيدها عبر إنزال جنود أمريكان على الأرض، في إحدى الجزر، أو على البر الرئيسي في إيران.
الحركة الإيرانية: ستواصل إيران الحرب، وستتمكن من تكبيد الأمريكي خسائر بشرية كبيرة في حال أنزل جنوداً على الأرض، مما قد يفتح الباب لتكرار سيناريو فيتنام، الذي بدأ بـ3000 جندي، وانتهى بنصف مليون، بعد 8 سنوات من إرسال أول دفعة جنود... وستواصل إيران بطبيعة الحال إغلاق مضيق هرمز والتحكم به، ولن يتم فتحه حتى لو تم احتلال كل الجزر الموجودة في المضيق، لأن طيارة مسيرة انتحارية واحدة، برأس متفجر من 100 كغ، كما هو الحال مع طائرات شاهد، يمكنها أن تغلق المضيق...
النتيجة: لا يمكن لأمريكا والكيان، لا الانسحاب، ولا الاستمرار، ولا التصعيد بضرب محطات الطاقة، ولا التصعيد بإنزال جنود على الأرض.
الخيار الخامس:
الحركة الأمريكية/«الإسرائيلية»: نووي!
الحركة الإيرانية: سيتم إنهاء «إسرائيل» عبر تدمير ديمونا. ولا يمكن لأحد أن يحسب كامل النتائج المترتبة على الخيار النووي، ولكن المعروف أن الكل سيخرج خاسراً، إن خرج!
المحصلة؟
أياً يكن الخيار الذي ستعتمده كل من الولايات المتحدة و«إسرائيل»، أو إحداهما دون الأخرى (لأن بين الاحتمالات الكثيرة أن يمضي كل منهما في خط منفصل في المراحل اللاحقة من الحرب)، فإن الوضع الذي يقعان الآن ضمنه، هو وضع (تسوغ تسفانغ)؛ أي حركة إلى الأمام هي خسارة إضافية، ولكنها خسارة إجبارية لا يمكن الهروب منها.
الحل الأمثل بالنسبة للكوكب، هو أن يتم وقف الحرب بأسرع وقت ممكن، ويتم الوصول إلى توافقات جوهرها هو هزيمة الأمريكي و«الإسرائيلي» بغض النظر عن شكلها، الذي ربما سيكون من الصعب «تلطيفه»، والذي سيصبح تلطيفه أصعب فأصعب، مع كل يوم وكل ساعة إضافية ضمن الحرب...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271