مبعوث إبستين يحاول توريط السوريين من بوابة هرمز
في مشهد يحمل من المفارقات ما يكفي لفضح زيف السياسة الأمريكية، وقف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية، توم براك، في 26 آذار الماضي، ليقدم للعالم «اكتشافاً» جيو سياسياً من العيار الثقيل. وأمام حشد من الحضور في ندوة «الطاقة الأمريكية السورية» التي نظمها «المجلس الأطلسي The Atlantic Council» بالتعاون مع مجلس الأعمال السوري- الأمريكي، لم يكتف براك بدوره الدبلوماسي المفترض، بل ارتدى عباءة المستثمر والمخطط الاستراتيجي، ليعلن أن سورية، في خضم العدوان الذي يشنه تحالف إبستين الأمريكي- «الإسرائيلي» على إيران، تمتلك «القدرة الجغرافية والجيوسياسية الوحيدة لتكون بديلاً لمضيق هرمز».
براك، هو ذاته الذي كشفت المراسلات المسربة علاقته الوثيقة بالمجرم جيفري إبستين، المدان قضائياً بإدارة شبكة دولية واسعة للاتجار بالقاصرات، والذي وصفه براك في إحدى الرسائل بينهما عام 2012 (أي بعد سنوات من أول إدانة قضائية لإبستين بتهمة التحرش بفتيات قاصرات في 2008) بأنه قدوته. يقف اليوم، ليعلن أن إغلاق مضيق هرمز يمثّل «لحظة لا تصدق» بالنسبة لسورية، معتبراً أنها لا تعاني من «المشاكل المتأصلة لدى جيرانها»، وتجسّد «باباً خلفياً» لتأمين تدفق الطاقة من منطقة الخليج.
وبينما انقض قلة من السوريين على هذه التصريحات بلهفة، ظانين أنها تمثل منقذاً اقتصادياً، أو اعترافاً بأهمية بلادهم، فإن قراءة متأنية لهذه الأقوال تكشف عن وجهها القبيح، وعن أنها محاولة مقصودة لتوريط سورية في لعبة إقليمية لا تصب في مصلحتها، يقودها رجل ذو سجل استثماري مشبوه وعلاقات وثيقة مع مجرمين دوليين.
اصطدام الوهم بالواقع والأرقام
الادعاء بأن سورية يمكن أن تكون بديلاً لمضيق هرمز عبر شبكة أنابيب برية تمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، هو هراء جيوسياسي واقتصادي بامتياز. فمضيق هرمز يتجاوز كونه مجرد ممر مائي، إنما هو شريان الطاقة العالمي الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً. والسؤال الجوهري هنا: ما هي الأسواق التي يمكن أن تكون سورية ممراً بديلاً لإيصال الطاقة إليها؟
تكشف البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) ووكالة الطاقة الدولية (IEA) حجم التضليل الذي يمارسه براك. فوفقاً لهذه البيانات، فإن ما يزيد على 84% من صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال التي تغادر مضيق هرمز تتجه مباشرة إلى الأسواق الآسيوية، وخاصة، الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. في المقابل، لا تتجاوز الحصة المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة مجتمعة نسبة تتراوح بين 12 و14% فقط.
توجه هذه الأرقام صفعة واضحة للفكرة التي يحاول براك ترويجها. فسورية، بحكم موقعها الجغرافي، تقع في الاتجاه المعاكس تماماً لهذه الأسواق، ولا يمكنها أن تقدم أي بديل ذي معنى للدول الآسيوية المستوردة الرئيسية للنفط والغاز.
والأكثر إحراجاً لادعاءات براك، هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها، بكل ما يملكونه من قوة عسكرية، غير قادرين على فرض فتح مضيق هرمز بالقوة، فكيف لهم أن يزعموا قدرتهم على حماية خط أنابيب بري طويل، يمر من دول الخليج إلى الوجهات الغربية، مروراً بسورية، وبدول الجوار غير المستقرة سياسياً ولا أمنياً؟
لماذا يكذب براك وهو يعلم أنه يكذب؟
الأكيد، أن براك ليس جاهلاً بهذه الحقائق. فهو رجل خبير في صناعة النفط والغاز، ويمتلك مسيرة مهنية طويلة، ابتدأت كمحامٍ مالي لمشاريع كبرى، بما في ذلك العمل مع شركة أرامكو السعودية في سبعينيات القرن الماضي. وصولاً إلى كونه مستثمراً رئيسياً في قطاع الطاقة، حيث اشترى أصولاً متعثرة في قطاع النفط والغاز الأمريكي، وتفاوض على حقوق الحفر والتنقيب في منطقة الخليج، وبشكل خاص في الإمارات.
لم يكن هذا السجل الاستثماري الطويل بعيداً عن تصرفاته خلال الندوة ذاتها. فبراك لم يتحدث كمبعوث دبلوماسي يحلل السياسات، بل خرج عن دوره المفترض ليقدم عرضاً تقديمياً Presentation مفصلاً، أشبه بعرض ترويجي للمستثمرين، يشرح فيه واقع البنى التحتية للنفط والغاز في سورية، ويصفها بأنها «فرصة موعودة» من المفترض أن تُثير لعاب الشركات الأمريكية الكبرى.
يضاف إلى ذلك، أن براك كان قد ظهر بصورة العراب لاتفاقيات ومذكرات التفاهم حول النفط والغاز في سورية، بما في ذلك الاتفاقية التي تم توقيعها مؤخراً مع شركتي شيفرون وباور إنترناشونال (والتي يجري الحديث في بعض الأوساط عن استفادة شخصية لبراك منها). في هذا السياق، يمكن اعتبار طرحه الزائف حول تحويل سورية إلى بديل عن مضيق هرمز، مجرد محاولة لرفع القيمة السوقية للأصول التي يعمل على تسويقها، تحت غطاء منصب رسمي، وهو تضارب مصالح فاضح.
الأهم هو اللعبة القذرة وتأجيج التوتر
الأخطر من الأكاذيب الاقتصادية، ومن تضارب المصالح، هو البعد السياسي- الأمني لهذه التصريحات. فبراك لم يأت إلى سورية ليحقق استقراراً، بل ليؤجج التوتر. منذ اليوم الأول لتوليه منصبه، اتسمت تصريحاته بالتضارب والغموض المقصود، حيث يطلق أقوالاً نارية حول قضايا حساسة للغاية داخل سورية، وفي علاقاتها مع الدول الأخرى، لتفعل فعلها في تأجيج بعض الأطراف، وإثارة المخاوف وزرع الفتن، ثم يسارع بعد أيام أو أسابيع إلى سحبها، أو التراجع عنها بتكتم، تاركاً الفوضى التي صنعها تفعل فعلها.
ما يفعله اليوم هو تكرار للسيناريو نفسه، لكن بعتبة إقليمية. فترويجه لفكرة أن سورية يمكن أن تكون بديلاً استراتيجياً لمضيق هرمز، هو بمثابة وضع سورية في موقع المواجهة المباشرة مع الوضع المتوتر في الإقليم كله. وهذا التوظيف الخبيث لسورية وموقعها، يهدف إلى خدمة هدف أمريكي عام أكبر: زيادة وتيرة التوتر في المنطقة، وإبقائها مشتعلة في أكثر صورة فوضوية ممكنة، ليس كاستراتيجية محسوبة، بل كسياسة حرق متعمدة قبل الانسحاب الأمريكي المحتمل من المنطقة، إثر الضربات الكبيرة التي تلقتها القواعد والمصالح الأمريكية بفعل الضربات الإيرانية. إذْ أن الهدف هو إقليم مدمَّر، تتصارع دوله على أوهام بدائل جغرافية، وترتهن شعوبه لمشاريع فاسدة يقودها براك وأمثاله.
دروس التاريخ: الأنابيب والاستقرار السياسي
هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيه سورية كورقة في لعبة خطوط أنابيب الطاقة. يكفي أن نتذكر مشروع خط التابلاين الذي كان مقرراً أن ينقل النفط السعودي عبر الأراضي السورية إلى المتوسط في أربعينيات القرن الماضي. وقد كان ذلك المشروع أداة للضغط السياسي والتدخل في الشأن السوري الداخلي. وساهم الصراع عليه، والضغوط المرتبطة به، في خلق حالة طويلة من عدم الاستقرار السياسي، التي شكلت أحد العوامل الممهدة لأول انقلاب عسكري في سورية بقيادة حسني الزعيم عام 1949 والذي توالت من بعده الانقلابات العسكرية.
اليوم، يحاول براك، وتلاميذ مدرسة إبستين إعادة إنتاج السيناريو نفسه، لكن بصيغة أكثر خطورة، حيث يحاولون وضع سورية بالضد من مصلحتها الوطنية، وبالضد من مصلحة دول الإقليم التي يتطلب استقرارها الحقيقي إنهاء الوجود العسكري الأمريكي المزعزع، لا تعزيزه عبر مشاريع وهمية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271