غلازييف: «العدوان على إيران: ما الذي يحدث وما الذي سيحدث؟»
يعد سيرجي غلازييف واحداً من أهم المنظرين الاقتصاديين لمجموعة بريكس، وشغل مناصب عديدة سياسية واقتصادية في روسيا وبيلاروسيا، بينها عضوية مجلس الدوما الروسي، ومستشار رئاسي لشؤون التكامل الاقتصادي الإقليمي. ويشغل حالياً منصب سكرتير دولة لدولة الاتحاد، والمقصود بالاتحاد هو الاتحاد بين روسيا وبيلاروسيا، حيث جرى تعيين غلازييف من قبل رئيسي الدولتين ليكون مشرفاً على البرنامج الاتحادي المشترك للدولتين.
(تم نشر هذه المادة في صحيفة زافترا الروسية يوم 13 آذار الجاري، ويمكن الوصول لها عبر الرابط المرفق)
سيرجي غلازييف
ترجمة قاسيون
نص المادة:
بعد مرور نصف عام، نواصل شرح الأحداث الدرامية التي تجري في العالم. وحتى الآن، تطورت هذه الأحداث وفقاً للتوقعات القائمة على نظرية التنمية الاقتصادية طويلة المدى، كعملية لتغيير الأنماط التكنولوجية والاقتصادية العالمية، والتي نُشرت قبل أكثر من عقد من الزمان في كتاب «الحرب العالمية الأخيرة: الولايات المتحدة تبدأها وتخسرها».
ما الذي يحدث؟
إن العدوان الأمريكي على إيران يستكمل عملية تغيير الأنماط المعتادة، والتي نتج عنها انتقال مركز الاقتصاد العالمي إلى شرق وجنوب آسيا، حيث تشكل نظام اقتصادي عالمي متكامل يعتمد على اقتصاد السوق المخطط، وحيث تشجع الدولة المبادرة الريادية في اتجاهات نمو الرفاهية الشعبية، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني، من خلال الجمع بين التخطيط الاستراتيجي والمنافسة السوقية، والرقابة الحكومية على النظام النقدي والنشاط التجاري الخاص.
بعد مرور ثلث قرن على انهيار الاتحاد السوفييتي، يتفكك اليوم «زمن السلام الأمريكيPax Americana»، متمماً العملية الانتقالية من النظام الاقتصادي العالمي الإمبراطوري إلى النظام المتكامل. وكما هو الحال دائماً، تتم هذه العملية من خلال حرب عالمية، تتخذ في الوقت الحاضر طابعاً هجيناً. ووفقاً للنظرية تماماً، تم شنّ هذه الحرب من جانب الدولة التي تشكل مركز «دورة النظام القرنية» (أي الممتدة لمئة عام) المنتهية من أجل مراكمة رأس المال بهدف الحفاظ على هيمنتها العالمية، وتخسر أمام القائد الجديد الذي يصبح مركزاً لتشكل النظام الاقتصادي العالمي الجديد. لقد أشعلت واشنطن حرباً في أوروبا ضد روسيا، مما أدى إلى إضعاف حلفائها وتعزيز مكانة الصين، التي أصبحت رائدة عالمية ليس فقط في المجال الإنتاجي، بل وفي المجال العلمي والتقني أيضاً. وبموازاة ذلك، دمرت الولايات المتحدة عبر عقوباتها قانون التجارة، والعملة الدولي، الذي كان بمثابة منصة لضمان هيمنتها، كما فقد الدولار مصداقيته، ولم يعد عملة عالمية كاملة الأهلية، تلك العملة التي كان إصدارها يسمح للولايات المتحدة بتمويل عجز ميزانيتها وميزانها التجاري.
لقد كان العدوان على إيران متوقعاً ضمن «عقيدة بريجينسكي» المجنونة، التي لا تزال توجه سياسة واشنطن حتى يومنا هذا. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانطلاقاً من عدائه المتأصل لروسيا، اقترح بريجينسكي خطة من خمس مراحل لفرض الهيمنة العالمية للولايات المتحدة:
المرحلة الأولى: شق «العالم الروسي» عبر إيصال «البانديريين» إلى السلطة في أوكرانيا، وتحويلها إلى «عدو لروسيا». (البانديريين، نسبة إلى ستيبان بانديرا، الزعيم الفاشي الأوكراني الذي حارب إلى جانب هتلر ضد الاتحاد السوفييتي).
المرحلة الثانية: فصل أوروبا عن روسيا.
المرحلة الثالثة: تنظيم انقلاب في موسكو بواسطة قوى «الأوليغارشية الكومبرادورية» بهدف إقامة نظام عميل موالٍ لأمريكا.
المرحلة الرابعة: تدمير إيران.
المرحلة النهائية: عزل جمهورية الصين الشعبية من خلال فرض حظر تجاري عليها بهدف التسبب في مجاعة كبرى.
لقد نجحت الاستخبارات الأمريكية في فرض هذه الخطة العبثية على الدمى التابعة لها في أوروبا، مما أدى إلى جر الاتحاد الأوروبي إلى أزمة اجتماعية واقتصادية لا رجعة فيها. أما في روسيا، فقد ساهم التهديد الخارجي- كما هو معتاد- في توحيد الشعب وتعزيز السلطة، التي كبحت جماح الأوليغارشية الكومبرادورية. لكن المستفيد الأكبر من تنفيذ خطة بريجينسكي المغامرة كانت جمهورية الصين الشعبية، حيث تسبب ذلك في إعادة توجيه الروابط الاقتصادية الخارجية لروسيا من الغرب إلى الشرق.
وبعد فشلها في الحملة المناهضة لروسيا، وعدم تحقيق أهداف المرحلة الثالثة، شرعت واشنطن في تنفيذ المرحلة الرابعة من خطة بريجينسكي العقيمة، وهي تدمير إيران. إن الهدف من العدوان الأمريكي الإسرائيلي هو تدمير هذا البلد وتفكيكه، وحرمانه نهائياً من سيادته الوطنية. وفي هذا السياق، يلعب الصهاينة «الإسرائيليون» الدور الأيديولوجي الرائد في تنفيذ هذه المرحلة، تماماً كما لعب النازيون الأوكرانيون الدور الرائد في المرحلة الأولى، والحاقدون الألمان في المرحلة الثانية.
وتسعى الإدارة الأمريكية، خوفاً من فقدان الدعم الشعبي الداخلي، إلى خوض حرب هجينة بأيدي الآخرين، مضحيةً بحلفائها. وهذا يفسر الاستفزازات العديدة التي تدبرها الاستخبارات الأمريكية و»الإسرائيلية» بهدف حشد حلفائها المحتملين، بما في ذلك الغارة الجوية على القاعدة العسكرية البريطانية في قبرص، وضرب البنية التحتية للطاقة، وقصف المنازل السكنية في عواصم دول الخليج، وهجوم الطائرات المسيرة على أراضي أذربيجان. إن جر أذربيجان إلى الحرب هو جزء من الاستراتيجية الأمريكية التي تراهن على تقسيم إيران على أساس عرقي وإقليمي من خلال فصل الأقاليم التي يقطنها الأكراد والآذريون.
تدرك القيادة الإيرانية التهديد الوجودي الذي تشكله الحرب الحالية، وهي مستعدة للمضي قدماً حتى النهاية في الدفاع عن كيان الدولة الحالي. وكما توقعنا، قامت إيران رداً على العدوان بإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في أزمة طاقة عالمية، ويمكن أن يؤدي إلى قفزات كبرى بأسعار النفط، مما سيؤدي إلى سلسلة من الإفلاسات وحالات التوقف عن الدفع في أوروبا، والتي ستنتقل بدورها إلى الولايات المتحدة، مسببة انفجار فقاعات المشتقات المالية التي تقدر بالكوادرليونات (1 كوادرليون = 1000 ترليون)، وانهيار هرم الديون الأمريكية الذي يقدر بالترليونات.
وحتى الآن، وبسبب توقف الإمدادات من قطر، ارتفعت أسعار الغاز بشكل حاد، مما فاقم الأزمة الاقتصادية في أوروبا. وإذا توقفت الإمدادات من روسيا أيضاً، فقد تفقد الدمى الأمريكية السلطة في الاتحاد الأوروبي لصالح البراغماتيين، نتيجة تحول أزمة الطاقة والاقتصاد إلى كارثة اجتماعية. لقد تآكل «زمن السلام الأمريكي» بالفعل، بسبب الحرب التجارية والتصريحات الهجومية من جانب ترامب ضد عدد من دول حلف الناتو، الذي قد يتفكك تماماً إذا نفذ أمينه العام تهديده بتفعيل مادة الدفاع الجماعي ضد إيران. ولهذا السبب تحديداً، شنت الاستخبارات الإسرائيلية غارة على القاعدة البريطانية في قبرص، متهمة إيران بهذا الاستفزاز.
وبغض النظر عن النتائج، فإن الحرب ضد إيران لا تبشر الاتحاد الأوروبي بخير. ومن المستبعد أن تجلب هذه المرحلة من الحرب الهجينة أي فائدة لواشنطن، التي استفادت بشكل كبير خلال المرحلتين الأوليين من خلال تدفق رؤوس الأموال والعقول من أوروبا. ومن الواضح، أن الرهان على انقلاب في إيران لم ينجح، تماماً كما فشلت حتى الآن محاولات تنظيم تمرد الأكراد والآذريين. كما أن محاولات استفزاز دول الخليج للدخول في أعمال عسكرية ضد إيران لم تؤت ثمارها. ومع فقدان واشنطن للمبادرة، ستعمل القيادة الإيرانية على تفعيل نفوذها في الدول الأوروبية، وإحياء التحالف المناهض لإسرائيل في الشرق الأوسط، واللجوء إلى عمليات عسكرية مفاجئة. وبعد التعافي من الصدمة، ستقدم الدول المستوردة للنفط المعتمدة على إيران الدعم لها، بما في ذلك الصين والهند، وكذلك العالم الإسلامي بجالياته الكبيرة في الاتحاد الأوروبي.

إذا صمدت القيادة الإيرانية، فإن الحرب ستخلق مخاطر جسيمة على إسرائيل أيضاً. وستزداد هذه المخاطر سوءاً كلما زادت المحن التي يتعرض لها سكان إيران؛ فإلى جانب القصف الذي يستهدف محطات تحلية المياه، ستحاول إيران تعطيل أنظمة إمدادات المياه في «إسرائيل» ورداً على الهجمات في بوشهر، ستحاول ضرب المنشآت النووية الإسرائيلية، تماماً كما ترد اليوم بشكل متماثل عبر ضرب المنشآت العسكرية والمطارات. ومع إطالة أمد الحرب، وتكشف الكارثة الاجتماعية في إيران في أعقاب الإبادة الجماعية للفلسطينيين، ستتضاعف المشاعر المناهضة للصهيونية في الدول العربية، مما سيدفع حكوماتها نحو التضامن مع إيران.
إن تدهور وضع «إسرائيل» سيفعل الخطة القائمة لنقل جزء من سكانها إلى أوكرانيا، ولهذا السبب يمارس النازيون الأوكرانيون حرب إبادة ضد الروس على الضفة اليمنى لنهر الدنيبر. فمن خلال قتل الرجال في مناطق دنيبروبيتروفسك، ونيكولاييف، وخيرسون، وأوديسا، وإجبارهم فعلياً على النزوح، يعمل نظام زيلينسكي النازي على إخلاء المنطقة للاجئين القادمين من «إسرائيل» ونتيجة للعدوان الأول ضد إيران، غادر هذا البلد بالفعل عدة مئات الآلاف من السكان الهاربين من الحرب، ومع إطالة أمدها وتصاعد التهديدات، قد يصل عددهم إلى 2-3 ملايين نسمة.
لقد خلق العدوان الأمريكي الإسرائيلي دوامة من الفوضى تنجذب إليها كل يوم المزيد من الفئات الاجتماعية والدول. وهناك سيناريوهات متوقعة لتوسع هذه الدوامة، لا يمكن لأي منها أن ينقذ «زمن السلام الأمريكي Pax Americana» من الانهيار. وحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً للإدارة الأمريكية الحالية، والمتمثل في وقوع انقلاب وتقسيم إيران، فإن قاعدتها الاجتماعية والاقتصادية والانتخابية ستستمر في التدهور. فالأولى: تتدهور بسبب العجز عن رفع كفاءة الاقتصاد باستخدام أساليب الحروب التجارية والعقوبات النقدية المتبعة ضمن النظام العالمي الآفل، والثانية: نتيجة إحباط الطبقة الوسطى التي تزداد فقراً من سياسات ترامب المتناقضة، والذي يشبه في سلوكه السياسي غورباتشوف ويلتسين في آن واحد. إن التناقض الداخلي للأول، والقوة التدميرية للثاني قد تجسدا بشكل غريب في الإمبراطور الأخير للولايات المتحدة، الذي يختتم بأفعاله التدميرية عملية الانتقال إلى نظام اقتصادي عالمي جديد بدأت قبل ثلث قرن مع انهيار الاتحاد السوفييتي.
ماذا سيحدث؟
من المعروف أن شن الحروب أمر سهل، لكن إنهاءها غاية في الصعوبة. وللأسف، فإن من يبادرون باستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافهم غالباً ما يجهلون هذا الدرس التاريخي البسيط.
من الغريب أن هذه الحرب تسير وفق خطة بريجينسكي الطوباوية، التي سينتهي تنفيذها بكارثة على الولايات المتحدة. السؤال يكمن في كيفية حدوث ذلك تحديداً، وماذا ستكون التداعيات على روسيا والعالم؟
لقد تم ذكر بعض العواقب الجلية، وهي تحدث بالفعل، وستستمر حتى نهايتها المنطقية، بغض النظر عن المسار المستقبلي للحرب الأمريكية «الإسرائيلية» ضد إيران. ومن بين هذه العواقب:
أولاً: انهيار «زمن السلام الأمريكي Pax Americana»، ويتجلى ذلك بالفعل في غياب التضامن مع الولايات المتحدة في هذه المغامرة من قبل غالبية شركائها في حلف الناتو، بينما كان هذا التضامن كاملاً في مغامرات مماثلة ضد العراق وليبيا. وقد ينفرط عقد الحلف إذا طالب سكرتير الناتو الأعضاء بتحرك جماعي للدفاع عن الولايات المتحدة، وهو ما قد يحدث بعد أن تكبد إيران الولايات المتحدة خسائر لا يمكن تحملها، سواء كان ذلك بضرب حاملة طائرات، أو وقوع خسائر بشرية جماعية في صفوف العسكريين، أو هجمات داخل الولايات المتحدة نفسها، وغير ذلك.
ثانياً: انفجار فقاعات الدولار المالية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز. وعلى الرغم من تراجع الأسعار بعد قفزتها الأولى، إلا أن التكتل المالي الأمريكي الأكبر «بلاك روك» وجد نفسه بالفعل في حالة تعثر فني عن السداد.
ثالثاً: انهيار النظام المالي القائم على الدولار، وانتقال عدد من الدول الرائدة إلى التسويات بعملات أخرى. وحتى الآن، لم يقم بذلك بشكل كامل سوى إيران وروسيا، رغم أن البنك المركزي الروسي لا يزال يصر على التسعير بالدولار بدلاً من الروبل. لكن الصين أطلقت بالفعل «اليوان الرقمي» للتسويات الدولية، وأجرت أولى صفقاتها مع دول الخليج تحديداً. كما تقترح الهند على دول «بريكس» مناقشة إدخال التسويات بالعملات الرقمية للبنوك المركزية. وحده بنكنا المركزي (أي البنك المركزي الروسي) لا يزال يوجه نظره نحو واشنطن، ولهذا السبب لم يتم إنجاز ذلك في عام 2024 خلال قمة رؤساء دول «بريكس» في كازان.
لنتأمل العواقب المحتملة الأخرى التي تعتمد على سيناريوهات مسار الحرب المستقبلي:
السيناريو الأول: وقوع انقلاب وتفكك إيران، وهو ما كانت تراهن عليه الولايات المتحدة و»إسرائيل» ويبدو أنه أصبح مستبعداً الآن. وحتى لو حدث ذلك، فلن ينقذ الولايات المتحدة من العواقب المذكورة أعلاه؛ فابتعاد الدول المستقلة عن الدولار، وانفجار الفقاعات المالية، والأزمة الاقتصادية، وقفز الدول التابعة من مركب القرصان الأمريكي، كلها أمور ستستمر جنباً إلى جنب مع انهيار نظام القانون التجاري والمالي الدولي، الذي دمرته النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة. وسوف يستمر هذا بغض النظر عما إذا كان ترامب سيحتفظ بمنصبه أو عمن سيخلفه.
السيناريو الثاني «لا سلم ولا حرب»: يبدو حالياً هو الأكثر احتمالاً. ومع استنزاف الذخائر وتصاعد المقاومة الداخلية، ستقتصر واشنطن في عملياتها العسكرية على محاولات فك الحصار عن مضيق هرمز. لكن من المستبعد أن تنجح في ذلك سريعاً، لذا فإن الارتفاع الذي بدأ بالفعل في أسعار النفط والغاز سيستمر. وفي حال استمرار الارتفاع في أسعار النفط بشكل كبير، فإن انفجار الفقاعات المالية سيحدث بسرعة كبيرة، وستتحول أزمة الطاقة فوراً إلى كارثة اجتماعية واقتصادية في أوروبا. وربما يؤدي ذلك إلى تهدئة حمى «الروسوفوبيا» لديهم، وإجبارهم على وقف دعم «البانديريين» في أوكرانيا. أما التحديات الأكبر فتنتظر ملكيات الخليج، التي بدأت مخزوناتها الغذائية بالنفاد، وتكبدت خسائر مالية هائلة بسبب إغلاق المضيق. وفي حال عجزت الولايات المتحدة عن فك الحصار، فإن مواقع إيران في المنطقة ستتعزز بقوة، إذ ستكون قيادتها هي من يقرر السفن التي تمر، وتلك التي تُستهدف.
السيناريو الثالث: استخدام السلاح النووي من قبل القادة «المخبولين» في الولايات المتحدة و»إسرائيل» لتدمير إيران. والسؤال الجوهري هنا: هل تملك الأخيرة القدرة على الرد بالمثل؟ بناءً على الإجابة، قد تتحول منطقة الشرقين الأدنى والأوسط بالكامل، أو جزء منها إلى منطقة كارثة اجتماعية وبيئية. ومن المستبعد أن تصمد ملكيات الخليج الهشة أمام هذه الهزة، حيث سينتظرها هروب المهاجرين والسياح ورؤوس الأموال. ولن يكون حال «إسرائيل» أفضل؛ إذ إن مجرد التهديد برد باستخدام أسلحة الدمار الشامل سيثير الذعر، ويؤدي إلى نزوح نصف السكان، وهو ما بدا واضحاً في مشاهد مطار بن غوريون. وسيجري النزوح باتجاه أوكرانيا أيضاً، إذا تم التوصل لوقف العمليات العسكرية هناك. وسيكون رد فعل الرأي العام العالمي سلبياً للغاية، وقد تجد الولايات المتحدة نفسها في عزلة، وهو ما لن يزيد من هيبتها، بل سيسرع من عمليات الأزمة المذكورة آنفاً.
السيناريو الرابع: مرتبط بإلحاق إيران ضرراً غير مقبول بـ «إسرائيل» يؤدي لانسحاب الأخيرة من الحرب. وهذا سيطلق العنان لموجة من الحركات المناهضة لـ «إسرائيل» في المنطقة، مما يضع وجودها نفسه على المحك. وقد يتم التوصل إلى تسوية في هذه الحالة بناءً على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بإنشاء دولة فلسطينية. إن موجة الأعمال المناهضة لـ «إسرائيل» في الشرق الأوسط، وفي أوروبا الغربية المكتظة بالمهاجرين من هذه المنطقة ستفعل خطة إنشاء «الحكم الذاتي اليهودي» في أوكرانيا. ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لحرب زيلينسكي ضد الروس (حتى آخر أوكراني)؛ حيث سيتم استبدالهم بمستوطنين من «إسرائيل» في الضفة اليمنى لنهر الدنيبر من كييف إلى أوديسا. وبناءً عليه سيتغير مسار المفاوضات؛ فمن أجل هذه الخطة، سيوافق وفد أوكرانيا (المكون بالكامل من مواطنين أمريكيين ولا يوجد بينهم أوكراني واحد) بسرعة على وقف القتال، وسحب القوات المسلحة الأوكرانية، ليس فقط من دونباس، بل ومن زابوروجيا أيضاً.
السيناريو الخامس: متمثل في جر الناتو إلى الحرب ضد إيران، وهذا سيعتمد على تحركات الصين. فإذا قامت رداً على ذلك بفرض حصار على تايوان، فستفقد صناعة الإلكترونيات في دول الناتو معظم الرقائق، مما سيؤدي إلى انفجار فقاعة الشركات الكبرى التي تضخمت بسبب الضجيج حول الذكاء الاصطناعي، وسيفاقم الأزمة المالية والاقتصادية لتتحول إلى كارثة اجتماعية، ليس في أوروبا فحسب، بل وفي الولايات المتحدة نفسها.
السيناريو السادس: تصعيد العدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران إلى حرب نووية عالمية بين الغرب والشرق والجنوب والشمال، وهو سيناريو لا نتطرق إليه لعدم واقعيته ولتبعاته الكارثية العالمية الواضحة على البشرية جمعاء، بما في ذلك جميع المشاركين فيها. وسنترك مناقشة هذا السيناريو الأخروي/القيامي للمتنبئين والصحفيين.
وفي ظل أي من السيناريوهات المذكورة، ونتيجة للقوانين الموضوعية لتغير النظام الاقتصادي العالمي، يُتوقع أن يتعمق الكساد الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ليتحول إلى كارثة اجتماعية ومالية توالياً. وهذا سيضعف ضغطهم المعادي لروسيا، ويعزز مواقعها، مما سيسهم في تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة في وقت أقرب.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270