افتتاحية قاسيون 1266: أنت من وضعته يا ترامب؟!
في تصريح جديد ينمُّ عن وقاحة وعنجهية منقطعة النظير، وخلال مؤتمر صحفي له في البيت الأبيض يوم الجمعة الماضية 20 شباط الجاري، قال ترامب عن الرئيس السوري المؤقت: «أنا بالأساس من وضعته هناك»!
تصريح من هذا الطراز، ليس مجرد «إساءة دبلوماسية»، ولكنه إساءة واستهانة بسورية والسوريين ككل، لأنه يكشف عن منطق وصائي في التعامل لا مع شخص، بل مع بلد بأكمله، ضمن عقلية استعمارية تقليدية تقدم نفسها بوصفها الحاكم والمتحكم بمصير البلاد وشعبها؛ تفرض ما تشاء ومن تشاء...
يحاول البعض التقليل من خطورة وسوء هذا التصريح عبر الإحالة على شخصية ترامب وأسلوبه الفظ المعروف. الخطر في هذه الإحالة أنها تحاول عزل كلمات ترامب عن السياسة الأمريكية العامة تجاه بلدنا ومنطقتنا، وأنها تتجاهل المؤشرات والوقائع التي لا تنتهي في العمل الأمريكي تجاه سورية والمنطقة، والتي يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
أولاً: بما يخص رفع العقوبات، فحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يتم رفع العقوبات بشكل عملي وفعلي، بل وأكثر من ذلك، عاد التهديد والتلويح بإعادة فرضها «قانونياً» كما جرى في جلسة لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس حول سورية مؤخراً.
ثانياً: السناتور الأمريكي-الصهيوني ليندسي غراهام، الصديق المقرب من ترامب، لا يفوت فرصة لإطلاق تهديداته ضد سورية، وضد مجمل دول المنطقة، بما في ذلك السعودية مؤخراً، دفاعاً عن «إسرائيل» والإمارات.
ثالثاً: السفير الأمريكي في «إسرائيل» مايك هاكابي، الذي يعرف نفسه بأنه مسيحي صهيوني، وفي مقابلة له مؤخراً مع تاكر كارلسن، يعلن:
أنه لا مشكلة لديه في أن تحتل «إسرائيل» كلاً من لبنان وسورية والأردن ومصر والعراق والسعودية، إنفاذاً للسردية الصهيونية التوراتية.
رابعاً: لم يمر وقت طويل على تصريحات توم براك التي وصف فيها شعوب منطقتنا بأنهم مجموعة من القبائل والعشائر والطوائف، وقبلها كان قد أهان الصحافيين في لبنان واصفاً سلوكهم بأنه سلوك حيواني (طبعاً هذا الوصف لم يستخدمه توم براك لوصف صديقه إبستين).
نأتي بهذه الأمثلة، ويوجد مثلها العشرات، لكي نقول: إن تصريحات ترامب ليست زلة لسان أو موقفاً معزولاً، بل هي تعبير عن عقلية محددة للسياسة الرسمية للنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، بمختلف تياراتها.
ما ينبغي أن نستخلصه من عبر من هذه التصريحات، يتكثف بالتالي:
أولاً: لا يمكن بحالٍ من الأحوال، التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها حليفاً، لا للسلطة السورية ولا للشعب السوري، ولا لأي طرف في سورية، سياسي كان أم اجتماعي.
ثانياً: لا يمكن الاستناد إلى الولايات المتحدة، ولا إلى غيرها من القوى الخارجية في تحقيق الشرعية الداخلية، وفي تحقيق الاستقرار الداخلي... بل وإن أفضل ما يمكن تحصيله من الولايات المتحدة هو اتقاء شرها، إن أمكن.
ثالثاً: الحل الوحيد الممكن والقابل للحياة، هو الاستناد إلى الشعب السوري، كل الشعب السوري، عبر توحيده بكل مكوناته السياسية والاجتماعية، ورفع المظالم عنه. والطريق نحو هذا التوحيد واحد لا بديل عنه، وهو تمكينه من حق تقرير مصيره بنفسه، عبر مشاركةٍ حقيقية، تبدأ بمؤتمر وطني عام وشامل، يضم كل القوى السياسية والاجتماعية، وتوضع على طاولته كل الأزمات العالقة، المستجد منها والقديم المتراكم عبر عقود، ليكون لتوافقاته الداخلية الكلمة الفصل في كل القضايا...
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266