ملاحظات حول حوار السلطة المؤقتة و«قسد»
أولاً: إن استمرار التفاوض بحد ذاته يُعدّ خطوة إيجابية، بغضّ النظر عن بطئه أو تعقيداته، لأن البديل الواقعي عنه ليس الحسم ولا الاستقرار، بل احتمالات تجدد الصدام العسكري والعودة إلى نقطة الصفر. وفي بلد أنهكته الحروب، لا يمكن التقليل من أهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ولو بالحد الأدنى، باعتبارها صمام أمان يمنع الانفجار، لا حلاً نهائياً بحد ذاته.
ثانياً: يُظهر هذا النمط من التفاوض الثنائي، القائم على جولات متقطعة ومغلقة، محدوديته الواضحة. فالتباطؤ في المفاوضات، ثم خروج كل طرف بعد كل جولة لعرض (مخرجات) مصمّمة خصيصاً لإرضاء قاعدته الجماهيرية، لا يساهم في بناء الثقة، بل يعمّق الانقسام، ويعيد إنتاج خطاب الاصطفاف بدل تفكيكه. وهكذا يتحول التفاوض من أداة لتقريب المواقف إلى مادة للاستثمار السياسي والإعلامي.
ثالثاً: تُختزل الأزمة السورية غالباً في بعدها الأمني والعسكري، بينما هي في جوهرها صراع سياسي حول طبيعة النظام، وشكل الدولة، والعلاقة بين السلطات، وصياغة الدستور الجديد. من هنا، فإن أي حديث عن دمج القوى العسكرية، أو إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، ينبغي أن يأتي في سياق حل سياسي شامل، لا بمعزل عنه ولا على حسابه، وإلا تحوّل إلى إجراء تقني هش قابل للانهيار عند أول اختبار جدي.
رابعاً: لا يمكن للذهنية العسكرية وحدها أن تنتج حلولاً سياسية لمشكلات معقدة ومركّبة، خصوصاً في ظل إرث طويل من الصراع والعنف و«ما صَنَعَ الحَدَّاد» بين الأطراف. لذلك، فإنَّ إشراك القوى السياسية والمجتمعية السورية، بما يشبه مؤتمراً سورياً عاماً أو إطاراً وطنياً جامعاً، يصبح شرطاً ضرورياً لدفع العملية إلى الأمام. فلا يحق، ولا يمكن، لبنيتين عسكريتين - السلطة المؤقتة و«قسد» - أن تقرِّرا بمفردهما مصيرَ البلاد وشكلَ دولتها المستقبلية.
خامساً: من الخطأ الاعتقاد أن الوضع الراهن قابل للاستمرار، أو أن اللعب على عامل الوقت قد يوفّر فرصاً أفضل لهذا الطرف أو ذاك. فتوتر المشهد الدولي، وحدّة التجاذب الإقليمي حول سوريا، إلى جانب هشاشة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، كلها عوامل تجعل من الستاتيكو (السُّكونية والجُمود) وضعاً مؤقتاً بطبيعته، قابلاً للانفجار في أي لحظة، وبكلفة قد تطال الجميع من دون استثناء.
سادساً: تشير التجربة الأمريكية في الوساطة بين قوى متصارعة إلى أن الولايات المتحدة تعمل غالباً بمنطق إدارة الأزمة لا حلّها جذرياً. هذا النهج يترك دائماً ألغاماً مؤجلة قابلة للانفجار عند تغيّر موازين القوى أو الأولويات الدولية. بل يمكن القول إنه لا توجد تجربة واحدة للوساطة الأمريكية كُتب لها النجاح والاستدامة من دون توافقات داخلية حقيقية بين الأطراف المعنية.
سابعاً: إن مكاشفة السوريين بمجريات الحوار، عبر مؤتمر صحفي مشترك أو بيانات واضحة ومعلنة، بعد كل جولة تفاوض من شأنه أن يساهم في ردم الهوة بين السوريين، ويعيد فرز المواقف على أساس سياسي وبرنامجي، لا على أسس مشوهة قومية أو طائفية. كما أن هذه الشفافية تخلق قاعدة جماهيرية أوسع للعملية التفاوضية، وتحدّ من توظيف الغموض في تعزيز الاستقطاب والخوف المتبادل.
باختصار: إن أي حوار لا يُربَط بأفقٍ سياسي وطني شامل، ولا يُفتَح على المجتمع السوري وقواه الحيّة، سيبقى حواراً هشاً، قابلاً للتعثر أو الانهيار. وحده المسار الذي يدمج البعد السياسي بالدستوري والأمني، ويستند إلى الشفافية والتوافق، يمكن أن يشكّل مدخلاً حقيقياً لتجاوز المأزق السوري، بدل إدارته إلى ما لا نهاية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 0000
حسان ثابت