الدولة الوطنية في سورية... بين شروط التشكّل وإمكانات التجاوز
يُعدّ نموذج الدولة الوطنية الذي تشكّل في سورية بعد الاستقلال أحد نتاجات المخاض التاريخي الذي أعقب انهيار السلطنة العثمانية وصعود نظام (الدولة القومية) في المجال العالمي. ووفقاً لمنظور تاريخانية الدولة، فإن الدولة ليست كياناً مجرداً أو محايداً، بل بناءً تاريخياً يتكوّن ضمن توازنات قوى داخلية وخارجية، وفي سياق بنى اجتماعية واقتصادية محددة. من هذا المنطلق، لا يمكن فهم الدولة الوطنية السورية خارج شروط تشكّلها ومخاضات مرحلة الانتداب الفرنسي، ولا خارج مهامها الأولى المرتبطة بتوحيد المجال الجغرافي، وبناء مؤسسات سيادية، وصياغة هوية سياسية جامعة لمجتمع متعدّد.
إن الحكم على هذا النموذج انطلاقاً من مآلاته السلطوية اللاحقة فقط، دون العودة إلى شروط نشأته ووظائفه التاريخية، يمثّل قطيعة معرفية مع التاريخ، ويقع فيما يمكن تسميته (بوعي اللحظة) أي إسقاط معايير الحاضر على الماضي والمستقبل دون وساطة تحليلية. هذا النوع من المقاربة لا يفضي إلى نقد علمي، بل إلى شكل من العدمية السياسية التي ترى في التجربة التاريخية برمّتها فشلاً مطلقاً، وتتعامل مع الدولة الوطنية بوصفها عبئاً ينبغي التخلص منه لا إطاراً يمكن تجديده.
لقد مثّلت الدولة الوطنية السورية، في لحظة تشكّلها، محاولة للإجابة عن إشكاليات ما بعد الكولونيالية. فهي من جهة سعت إلى تثبيت السيادة والاستقلال الشكلي، ومن جهة أخرى ورثت بنى اجتماعية تقليدية، واقتصاداً تابعاً، ونخباً سياسية هشّة. هذا التناقض البنيوي ساهم لاحقاً في انزلاق الدولة من مشروع وطني جامع إلى جهاز سلطوي مغلق، دون أن يعني ذلك أن الفكرة الوطنية نفسها كانت زائفة أو غير ضرورية.
إن المطلوب اليوم ليس نسف نموذج الدولة الوطنية، بل تجاوزه بالمعنى الجدلي للكلمة، أي نفيه مع الحفاظ على قاعدته المادية وعناصره الإيجابية، فالتجاوز هنا لا يعني العودة إلى ما قبل الدولة، ولا القفز نحو صيغ تفتيتية بديلة، بل إعادة بناء الدولة على أسس جديدة؛ دولة قانون، ومواطنة متساوية، وتوزيع عادل للسلطة والثروة، مع الاعتراف بالتعدّد الثقافي والاجتماعي ضمن إطار سياسي واحد.
في هذا السياق، تبرز خطورة الطروحات التي تدعو إلى إعادة صياغة الجغرافيا الوطنية باتجاه المزيد من التفتيت، سواء تحت ذريعة فشل الدولة المركزية أو باسم حماية الهويات الفرعية. فكما تشير أدبيات الدولة الهشّة فإن تفكيك المجال الوطني لا يؤدي بالضرورة إلى تمكين المجتمعات المحلية، بل غالباً ما يعيد إنتاج العنف في وحدات أصغر، ويحوّل الصراعات البنيوية إلى نزاعات دائمة بين كيانات ضعيفة ومتنافسة. إن إعادة رسم الخرائط لا تعالج أزمة الدولة، بل تنقلها من مستوى إلى آخر، وتزرع ألغاماً سياسية واجتماعية طويلة الأمد أمام الأجيال اللاحقة.
وعليه، فإن الأزمة السورية ليست أزمة «جغرافيا» بقدر ما هي أزمة عقد اجتماعي وبنية حكم وشرائح اجتماعية استنفذت دورها. إن إعادة تخيّل الدولة الوطنية السورية يجب أن تنطلق من نقد جذري للاستبداد، ومن تفكيك العلاقة الريعية-الأمنية بين السلطة والمجتمع، ومن علاقات التبعية مع السوق الدولية ومنظومة التبادل اللامتكافىء، لا من تفكيك المجال الوطني نفسه. فالدولة، بوصفها إطاراً تاريخياً، لا تزال ضرورة لتنظيم التعدّد، وضمان الحقوق، ومنع الانزلاق إلى منطق العصبيات البدائية
في الخلاصة، إن التعامل مع الدولة الوطنية السورية بوصفها خطأً تاريخياً لا يقل تبسيطاً عن الدفاع غير النقدي عنها. المطلوب هو مقاربة تاريخية-نقدية ترى فيها تجربة بشرية مشروطة، قابلة للفهم والتفكيك وإعادة البناء. فالتاريخ لا يُمحى، والدول لا تُستبدل بقرارات خطابية، بل تُعاد صياغتها عبر صراع اجتماعي وسياسي طويل، يستند إلى الذاكرة النقدية لا إلى القطيعة العدمية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259
عصام حوج