مشروع برنامج حزب الإرادة الشعبية
النص الكامل لمشروع برنامج حزب الإرادة الشعبية
المقدمة
يمثّل حزب الإرادة الشعبية في رؤيته وبرنامجه مصلحة الطبقة العاملة وسائر الكادحين السوريّين بسواعدهم وأدمغتهم، ويناضل من أجل اعترافهم به كممثِّل لمصالحهم، ويرى في ذلك الاعتراف مدخلَه الأساسي لتحقيق دوره الوظيفي في بناء مجتمع العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين.
يَعتمدُ حزبُ الإرادة الشعبية النظرية العلمية الثورية مرجعية فكرية له، والتي وضع أسسها قادة ومفكرون كبار مثل ماركس، إنجلز، ولينين، ويعمل على تطبيقها بشكلٍ خَلاّق من خلال التجربة والعمل بين الجماهير، ومن خلال المراجعة الدائمة لحدود الثابت والمتغيِّر فيها، بعيداً عن أمراض العدميّة والنصوصيّة.
وهو يَعتبرُ نفسَه حاملاً لقيم وتراث كلٍّ من حركة التحرُّر الوطنيّ والحركة الثوريّة في سورية وفي العالَم، خلال القرن العشرين واستمراراً لها.
وحزب الإرادة الشعبيّة هو تتويجٌ واستكمالٌ لعمل اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيّين السوريّين، التي انطلقتْ في بدايات هذا القرن، مستندةً إلى قناعةٍ عِلميّةٍ بأسباب هزائمِ النصف الثاني من القرن العشرين، التي لم تكنْ إلّا انسدادَ أفقٍ تاريخيٍّ مؤقَّت في وجه الحركة الثوريّة العالمية، وانفتاحَ أفقٍ مؤقَّت لأعدائها. ويستندُ الحزبُ في ذلك إلى يقينٍ عِلميٍّ بأنَّ الأزمة الرأسماليّة العُظمى التي انفجرتْ عام 2008– وكانت قد تنبّأتْ بها اللجنةُ الوطنيّة مطلعَ الألفية– ستُغلِقُ الأفقَ التاريخي نهائياً أمام الرأسماليّة العالمية، وبالمقابل، فإنها ستفتحُ الأفقَ التاريخي واسعاً أمام الحركة الثورية.
إنّ عملَ حزب الإرادة الشعبية انطلاقاً من هذه القناعة العِلميّة العميقة، يعني بالضبط: العملَ بعقليّةِ الانتصار في عصر الانتصارات، انتصارات قُطب الشعوب ضدّ النظام الرأسمالي العالَمي؛ الانتصارات التي بدأت، وأجملُها هي تلك التي لَمْ تأتِ بعد.
أولاً: الرؤية
يَنتصر في نهاية المطاف من يَنتصر معرفياً، ولذلك فقد كان لِزاماً على حزب الإرادة الشعبية أنْ يعيدَ قراءةَ الحركة الثورية خلال القرن العشرين في ضوء النظريّة الماركسيّة - اللينينيّة، وفي ضوء المعطيات التاريخية، لتكوين رؤيتِه الخاصَّة حول سير الصِّراع ومآلاته اللاحقة... رؤيةٌ مهمَّتُها أنْ تكون صلةَ الوصل بين النظرية العامّة وبين الواقع الملموس:
- مرَّت الحركةُ الثورية العالمية بطَورِ تقدُّمٍ شَغَلَ النصفَ الأوّل من القرن العشرين، تلاه طورُ تَراجعٍ عامّ خلال النصف الثاني منه. وأدّى هذا التراجع الذي بلغ ذروة انحداره في عام 1991 بانهيار الاتحاد السوفييتي إلى انغلاق الأفق التاريخي مؤقَّتاً أمام الحركة الثوريّة، وانفتاحِه مؤقَّتاً أيضاً أمام قوى الإمبرياليّة العالميّة.
- ولكنّ النظامَ الرأسمالي العالمي المنتِجَ بطبيعته لأزماتٍ جديدة أكبرَ وأعمَقَ من التي سبَقَتْها دائماً، سرعان ما وقَعَ، وأوقع البشريَّةَ معه، منذ مطالِعِ الألفيّة الثالثة، في أزمةٍ عُظمى قد تكون نهائيةً للنظام الرأسمالي العالمي الذي استنفَدَ توسُّعَه الأفقيّ، وانتقلَ إلى طورٍ تتسارعُ فيه أفعالُه التدميريّة ضدّ الإنسان والطبيعة (وضمناً النشرُ المنَظَّم للأمراض الفتّاكة)... الأزمةُ الرّاهنة تَسُدُّ الأفقَ التاريخي أمام الرأسماليّة، وتفتحُه بالمقابل أمام قوى العمليّة الثوريّة، واضعةً الحضارةَ البشرية أمام مفترق طرق، فإمّا اشتراكيّةٌ جديدةٌ تستندُ إلى إيجابيّات التجربة التي سبقَتْها وتتجاوزُ أخطاءها، وذلك في حال توافر العاملِ الذاتيّ لدى البشرية، أيْ القوى الثوريّة المنظَّمة والواعية، وإلّا، في حال عدم توفّرها بالشكل الكافي، فسيكون الطريق مفتوحاً أمام همجيّةٍ شاملةٍ بدأتْ تفعَلُ فِعلَها في مساحاتٍ واسعةٍ من العالَم، وفي منطقتِنا خصوصاً.
- وفي بيت الرأسماليّة الداخليّ، عمَّقَتِ الأزمةُ الرأسماليّة العُظمى الانقسامَ ضِمن المعسكر الرأسماليّ نفسِه، داخلَ المركز الإمبرياليّ الأمريكيّ- الأوروبيّ من جهة، وبينه وبين القوى الصاعدة في «بريكس» و«شنغهاي» من جهة أخرى، وصولاً إلى توازنٍ دوليٍّ جديد انتهتْ فيه الأحاديّةُ القطبيّة الأمريكيّة، دون أنْ يعني ذلك أنَّ الاستقطاب الجديد سيكون شبيهاً بذاك الذي ساد خلال مرحلة الحرب الباردة، ولكنّه استقطابٌ ثنائيٌّ مؤقَّت لن يطول العهدُ به حتى ينزاحَ باتجاه الثنائيّة الحقيقيّة على المستوى العالَمي، بين قطبِ الشُّعوب من جهة والنظامِ الرأسماليّ ككلّ من جهةٍ أخرى، ذلك أنَّ شعوبَ دولِ «البريكس» (مثالاً) وفي إطار نضالِها الوطنيّ للدفاع عن وحدةِ أراضيها ومصالِحِها الوطنيّة في وجه الإمبرياليّة المحكومة بتوسيع رقعة الحرب والاستغلال، إنّما تندارُ بالتدريج ضدَّ الرأسماليّة نفسِها كنظامٍ اقتصادي- اجتماعي، الأمرُ الذي ينسجمُ مع مصلحة شعوب العالَم الثّالث، التي يندمجُ نضالها الوطني ضدَّ الغرب الإمبرياليّ وضد الصّهيونية أكثر فأكثر مع نضالها الاقتصادي- الاجتماعي، ويدفعُ هذا الانسجامُ العميقُ في المصالح إلى تَبلْورِ قُطْبِ الشعوب في وجه القُطْبِ الرأسماليّ، وذلك بغضّ النّظر عن اللَّبوسات السياسيّة والدوليّة المختلفة التي ستكون شكلاً لهذه الثنائيّة الحقيقيّة؛ ثنائيّة (شعوب- رأسمالية).
- إنّ ما يُقال حول انتقالٍ من عالَمٍ أحاديِّ القُطبيّة إلى عالَم متعدِّد القطبيّة، ليس سوى القِشرة السَّطحيّة في توصيف التحوُّل الجاري عالمياً؛ فالأمر أعقد وأعمق وأبعد مدىً. إنّ الانتقالَ الجاري حالياً، هو انتقالٌ يكمل دورةً تاريخية تمتدُّ قُرابة 400-500 سنة؛ ذلك أنّه يغيِّرُ جذرياً الطبيعةَ الجغرافيّة السياسيّة للتجارة وللعلاقات الدوليّة التي استند إليها الاستعمارُ الأوروبيّ وبَعدَه الأمريكيّ. أيْ ينسِفُ الاعتمادَ الحصريَّ على طُرِقِ التجارة البحرية بوصفها طُرقَ التجارة الأساسيّة عالمياً، والتي كانتْ دائماً بيد الأساطيل الغربيّة، والشواطئِ المحتّلة غربياً، وفي العالم القديم خاصةً. والجزء المكمِّلُ الضروريُّ لهذه الحصريّة هو التقسيمُ السياسيُّ واختلاقُ مختلف أنواع النّزاعات والصّراعات البينيّة في العالَم القديم، وإدارتُها بحيث يبقى الساحل معزولاً عن البَرِّ ومفتوحاً على البحر فحسب. منظوماتُ بريكس وشنغهاي هي أمثلةٌ حيّةٌ على كسر هذه الحصريّة التجارية، وعلى بدء كسرِ الفوالقِ التاريخية التي استفاد منها الغرب، وخلَقَ هو نفسُه جزءاً مهمّاً منها. وهو انتقالٌ يَنسفُ بالتدريج علاقاتِ التبادل اللامتكافئ على المستوى العالَمي، أيْ يَنسفُ الاستعمارَ الاقتصاديَّ بآليّاته المختلفة، بما في ذلك التبعيّة التكنولوجيّة ومِقَصّ الأسعار والقروض وهجرة العقول. الأمر الذي من شأنه أنْ يسمحَ بإطلاق طاقاتٍ كامنة هائلة في كلّ «بلدان الأطراف». وهو انتقالٌ نحو نمطٍ جديدٍ من العلاقات الدوليّة، انتقالٌ من الأحاديّة القطبيّة نَعَم، ولكنْ عبرَ ثنائيّةٍ قطبيّةٍ مؤقَّتة جديدة هي ما نعيشُه الآن، وصَوب اللاقطبيّة، حيث يكون التكافؤُ بين الدُّول والشعوب هو الأساسُ الفعليّ للعلاقات الدوليّة بأسْرها.
- من حيث الشَّكل الملموس للانتقال نحو عالمٍ جديد، ينبغي الانتباهُ إلى أنّ هذا الانتقالَ محكومٌ بكونه انتقالاً تراكمياً. والانتقالُ التراكميُّ لا يعني بحالٍ مِن الأحوال الانتقالَ التدريجيّ؛ بوضوح أكبر، فإنّ ما يجري هو عمليةُ تراكُمٍ بالنِّقاط حين تصلُ عَتَبَةً كافيةً سيَسقُطُ الخصمُ، كأنّما بالضربة القاضية، ولكنْ دون ضربةٍ قاضية بالمعنى التقليدي.هذا الانتقال محكومٌ بأنْ يجري بشكلٍ شاملٍ ومتزامنٍ في مختلف السّاحات؛ الاقتصاديّة والعسكريّة والثقافيّة والأيديولوجيّة والتقنيّة... المحليّة والإقليميّة والدوليّة، بما في ذلك الجوانب الخاصّة بالقانون الدوليّ والمؤسَّسات الدوليّة وإلخ؛ ذلك أنّ تركَ أيِّ ثغرةٍ للمركز الإمبرياليّ يعني إطالةَ المعركة وتعظيمَ الخسائر وفتحَ احتمالاتِ الارتداد.
وعليه، فإذا كانت عمليةُ التحرّر من الاستعمار القديم قد بدأتْ بالتحقق فعليّاً بعد اتّضاح ميزان القوى الدوليّ الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، ففي عصرنا الرّاهن ربما ستتمُّ الأمورُ بطريقٍ معاكِس؛ فإنهاءُ النظامِ العالَميِّ القائم والانتقالُ نحو عالَمٍ جديد، يمرُّ بالضرورة (بالنقاط)، أي بالتدريج عبر حَسم جملةٍ من الصراعات المحلّية والإقليميّة ضدَّ المصلحة الأمريكيّة الصهيونيّة الغربيّة؛ ويتطلَّبُ حَسْمَها بالتوازي وبالتزامن لتُشكِّلَ بمحصّلتها مكافئاً للضربة القاضية.
كلُّ الأزمات التي خُلِقَتْ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما بعد اكتمالِ منظومة الاستعمار الحديث خاصّةً، وحتى الآن، لم يتمّ حلُّ أيٍّ منها حتى اللحظة. هذه الأزماتُ مرشَّحَةٌ الآن ليس للحلّ فقط، بل وللحلّ بالتزامن وبالتوازي؛ يشملُ ذلك القضيةَ الفلسطينيّة، والملفَّ السوريّ واليمنيّ وملفَّ سدّ النهضة، وملفّات الصراعات المتعدِّدة في آسيا وغيرها وغيرها... - الانتقال العالمي مَوضِع الدَّرس، هو بالذات الشكلُ الجديد من «الأزمة العامّة» للمنظومة الرأسماليّة، والتي دَفَعَتْ وتَدفَعُ دولَ المركز الإمبرياليّ إلى مزيدٍ من العدوانية؛ فقد أصبحَ هذا المركزُ محكوماً بالحرب وبتوسيع رُقعَتِها بشكلٍ مُطَّردٍ، وصولاً إلى إشعال مساحاتٍ واسعةٍ من العالَم، وبشكلٍ خاصّ منطقة (قوس التوتر) بجملةٍ من الحروب البينيّة الداخليّة المستندة إلى الانقسامات الثانويّة الطائفيّة والعرقيّة والقوميّة... إلخ، بعد أنْ أصبح دخولُ هذا المركز في الحروب العسكرية المباشرة أصعبَ فأصعب مع تعمُّق أزمَتِه.
- أوكرانيا في هذا الإطار، ليست صراعاً جانبيّاً أو ثانويّاً، والنتائجُ المترتِّبة عليها ليست آنيّةً أو مرحليّة؛ فالمواجهةُ الجارية هي نقطةُ انعطافٍ بدأتْ تَظهَر نتائجُها، وستَظهرُ مع الوقت بشكلٍ أكبر على أربعة مستويات أساسية: أ- هيمنة الدولار عالمياً ستمضي نحو انحدار متسارع، ومعها ستنحدر وتتراجع أدواتُ التبادل اللامتكافئ. ب- ستجري إعادةُ تشكيلٍ لمجمل المؤسَّسات الدولية التي نتجتْ بعد الحرب العالمية الثانية. ج- ستشمل التغييرات البدءَ بإنهاء دور حلف الناتو وصولاً إلى إنهائه بشكلٍ كامل. د- سيُعادُ تشكيلُ كلِّ المنظومات الإقليميّة على مستوى العالم، بما يتناسب مع المحدِّدات الأساسية للعالَم الجديد.
- في الإطار العالَمي، وفي دول الأطراف ضمناً، تمّ ومنذ عقود وضعُ «النيومالتوسية» موضِعَ التنفيذ العمَلي، والتي تبلوَرتْ بشكلٍ جديد في السنوات الماضية فيما بات يعرف بـ«إعادة الإقلاع الكبرى» أو «Great Reset»؛ والتي تتضمَّن جملةً من عمليات التحكُّم ذات البعد العالَمي، تَستخدِمُ مختلفَ صنوف الأسلحة الإعلامية والنفسية، ومعها الأسلحةُ الحقيقيّة بما فيها البيولوجيّة، ضمن استهدافٍ محدَّد هو ضربُ القوى المنتِجة بشقَّيها المادّي والبشري، والتي باتَ تطوُّرُها ضاغطاً على أسلوب الإنتاج القائم، أيْ على الرأسماليّة نفسِها... تحقيقُ ذلك الاستهداف يتضمَّنُ آليّاتٍ شديدةَ التنوُّع بينها العملُ على تفتيت شتّى الدول، وشتّى المجتمعات حتى أصغر خلاياها، وخاصةً الأسرة، وصولاً إلى تفتيت الإنسان نفسِه، نفسيّاً واجتماعيّاً... وضمناً تعميقُ الانقسامات الثانوية على أسس جنسيّة وعرقيّة وثقافيّة، بحيث تنعدمُ إمكانياتُ تجميع وتحشيد الناس على أسس واعية وبما يخدم مصالحهم... أيْ إضعافُ إمكانيّات العمل المنظَّم ضدَّ الرأسمالية كتشكيلةٍ اقتصاديّة اجتماعيّة.
- بما يخصّ «العالم الثالث» أكثر من غيره، فإنّ الأزمة دفعت المركز الإمبريالي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلى تسريع إدخال حصان طروادة– الليبرالية المتوحشة إليه، لينفّس المركزُ أزمتَه عبرها، مستنداً في ذلك إلى حلٍّ مركَّب جزؤه الداخلي هو الليبرالية، التي تدمّر وتفسِدُ الجزء المدنيَّ من جهاز الدولة، وترفع درجات التوتر الاجتماعي، وتفجير كل الفوالق الممكنة، القومية والدينية والطائفية، واستكمالُه الخارجيُّ هو العدوان العسكري بدرجاته المختلفة، والذي يسعى إلى تحطيم الجزء العسكري من جهاز الدولة.
- ولتفعيل النموذج الليبرالي اقتصادياً في دول الأطراف، وهو نموذجٌ تابعٌ وضعيفُ الإنتاجيّة بالضّرورة. كان لا بدّ من قطيعةٍ نهائيّة مع أيّة حرياتٍ سياسية أو ليبرالية سياسية من ذلك النوع الذي رافقَ النموذجَ الليبراليّ التقليديّ قبل مائتي عام. بل كان مِن الضروري، على العكس من ذلك، تعميقُ سيادة الديكتاتوريات العسكرية القمعية القادرة على فرض توزيعِ ثروةٍ جائرٍ وقاتِلٍ على شعوب تلك الدُّول، وتخفيض مستوى الحريات السياسية إلى الحد الأقصى.
- وفي منطقتِنا، منطقة الشرق العظيم الممتدّة من قزوين إلى المتوسّط، جرى عمل غربي مكثف من أجل الاستثمار السلبي في ظاهرة الإسلام السياسي، بما يولد ويعمق الطائفية كأداةٍ لإدامة الاشتباك وإضعاف المجتمعات وتفتيتها
إن ظاهرة الإسلام السياسي هي ظاهرة واسعة الطيف، ولا يمكن الحكم على كل تياراتها بالطريقة نفسها؛ فبين تلك التيارات من وقف على المتراس الأول في محاربة الاستعمار الغربي، وخاصة في محاربة «إسرائيل»، وبينها من عمل بأشكال مباشرة وغير مباشرة في خدمة الاستعمار الغربي وخدمة «إسرائيل».
مع ذلك، فإن المشترك بين هذه التيارات المتناقضة هو أمران؛ الأول أنها بمجموعها تعبير عن تخلف الحياة السياسية الديمقراطية في الدول التي تنشأ وتنشط فيها؛ فحيث تكون المواطنة المتساوية الحقيقية، والتنمية والحريات السياسية، تتراجع الانتماءات ما قبل الوطنية لمصلحة الانتماءات الوطنية الشاملة. والثاني هو أن الطبيعة الدينية/الطائفية لهذه التيارات، تجعلها عاجزة عن لعب دورٍ وطني تقدمي متكامل، وتضع سقفاً تاريخياً لما يمكن أن تحققه.
بالنسبة لتيارات الإسلام السياسي المرتبطة بالغرب، فإن دورها رجعي على طول الخط، اقتصادياً-اجتماعياً وسياسياً ووطنياً، وهي تقوم بدورها ضمن اللوحة العامة بالتلازم مع أداةِ الاقتحام الخاصة بها، أيْ بالتنظيمات المتطرفة التي تتغطى بالدين – داعش نموذجاً – حيث تُبيِّنُ الوقائع أنَّ التنظيمات المتطرفة التي لا تدخل اللعبة السياسية والتنظيمات ذات الطبيعة الطائفية والمرتبطة بالغرب التي تنخرط في اللعبة السياسية، هما في نهاية المطاف وجهان لعملة واحدة، يولد أحدهما الآخر ويخدّمه. - يؤدّي تفاقُمُ الأزمة الرأسماليّة في المركز واشتقاقاتُها الليبرالية في الأطراف إلى قفزةٍ نوعيّة في حالة عدم الرِّضا الاجتماعي، التي تُقاسُ عملياً كمحصّلةٍ لثلاث إحداثيّات هي الانعكاساتُ الاجتماعية لموقف السُّلطة الحاكمة (الوطني، والاقتصادي-الاجتماعي، والديمقراطي).
ويَشهدُ التاريخُ الحديث على أنّ الحراك الشعبي يرتبطُ بحالةِ الرِّضا أو عدمِه سالفةِ الذِّكر، ويمرُّ ضِمن نوباتٍ متعاقبةٍ من الحركة والسكون؛ فحين تصلُ حالةُ عدم الرِّضا الاجتماعي إلى مستوياتٍ محدَّدة، تَدخُلُ الجماهيرُ حالةَ حركةٍ فاعلةٍ ونشيطةٍ تستمرُّ عقوداً إلى أن تُحقِّقَ التغييراتِ اللازمةَ لاستعادةِ حالةِ الرِّضا، ومن ثمّ تَدخلُ في نوبةِ سكونٍ تمتدُّ هي الأخرى عقوداً ينهيها تجدُّد عدم الرِّضا بدرجاتٍ عالية. - فإذا كان تاريخُ القرن العشرين قد شهد في نصفه الأول نشاطاً سياسياً شعبيّاً فاعلاً ونشيطاً وواسعاً، كان من نتيجته تثبيتُ الاتحادِ السوفييتي ومنظومةِ الدول الاشتراكية، ونموذجِ دول الرَّفاه أو دولة الرعاية الاجتماعية الأوروبية، وإنجازُ الشوط الأول من مهام حركة التحرُّر الوطني في بلدان العالَم الثالث، فإنّ النصفَ الثاني الذي سَكَنَ فيه الحراكُ الشعبيُّ، والذي شهدَ في نهاياته سقوطَ كلِّ هذه الإنجازات تقريباً، مهَّدَ الأرضيةَ نحو النَّوبةِ الجديدة الصّاعدة من الحراك الجماهيريّ الواسِع، المستفيدِ من خبرة الانتصارات والهزائم السّابقة، الأمرُ الذي يعني أنَّ الحراكَ الجماهيريّ العالَميّ الذي انطلَقَ مع بدايات القرن الحالي، وازدادَ تركيزاً وضخامةً في بداية العقد الثاني منه، لن يكون حراكاً مؤقَّتاً أو عابراً، لكنّه سيستمرُّ لعقودٍ أخرى، وسيتصاعدُ تنظيمُه بشكلٍ مُطَّرِدٍ حتى يصل إلى أهدافه.
- ويعني هذا الأمرُ أيضاً أنّ على الأحزاب الثوريّة الحقيقيّة التي تناضلُ لتوجيه الحركة الشعبيّة في الاتجاهات الأكثر عمقاً وجذريةً، أنْ تنطلقَ في نضالها من أعلى منصَّة معرفيّة وصلتْ إليها تجربةُ الدَّور السَّابق من الحركة الشعبية والثورية العالمية، أيْ من تلك المنصّة التي وقفَ عليها الثوريّون المنتصرون مع نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما يفتحُ الحراكُ الشعبيُّ البابَ واسعاً أمام إعادة الاعتبار لفكرة الوحدة العربية باعتبارها وحدةً لمصالح الشعوب العربية في وجه الإمبرياليّة والصهيونيّة العالمية عموماً، وفي وجه الكيان الصهيونيّ خصوصاً. ويطوِّر هذه الفكرةَ نحو اتحاد شعوب الشرق العظيم الممتدّ من قزوين إلى المتوسط، باعتبار سقوط هذه المنطقة وتفتيتها هو الطريقةُ الوحيدة ليس لنجاة أمريكا مِن أزمتها فقط، وإنّما لاستمرار النظام الرأسمالي العالمي بأكمله. - من جهة أخرى، فإنّ عودة الجماهير إلى ساحة الفعل السياسي، وإنْ كانت هذه العودة متدرِّجةً ومتصاعدة في تنظيمها، إلّا أنها وبمجرّد بدايتها فإنّها ستعني إعلانَ موتِ الفضاء السياسي القديم المتشكِّل في خمسينيّات وأربعينيّات القرن الماضي، وستعني بداية ولادة الفضاء السياسي الجديد الذي سيتكوّن فعلياً في رحم عملية التغيير الثوري، والذي سيضمُّ الجديدَ إلى جانب مَن يستطيعُ التكيُّفَ مِن القديم.
وحين ينخرطُ الناسُ في تشكيل الفضاء السياسيّ الجديد، فإنّ الواجهات الأيديولوجية لن تشكِّلَ عائقاً لحركتهم، لأنّ الصراعَ انطلاقاً من تلك الواجهات ينتمي لمرحلةٍ تجاوزتْها الحياة. وسيكون العاملُ الحاسِمُ في استقطاب الناس، وفي تحالفاتهم المختلفة، وورقةُ عباد الشمس الكاشفةُ بالنسبة لهم، هي البرامجُ السياسية للقوى المختلفة، بإحداثيّاتِ تلك البرامج الاقتصادية- الاجتماعية والوطنية والديمقراطية، فالناس لن تُستَقطَبَ– إلا مؤقَّتاً– وفق شعاراتِ تلك القوى وعناوينها الأيديولوجيّة، وستميِّزُ بتجربتها بين يسارٍ فعليٍّ ويسارٍ اسميّ، وبينَ يمينٍ فعليّ ويمينٍ اسميّ، وفقاً للثلاثية (الوطنية، الاقتصادية-الاجتماعية، الديمقراطية) ذاتها. - ردّاً على ذلك، عملتْ وستعملُ قوى الثورة المضادة– التي تنتمي بطبيعتها إلى الفضاء السياسي القديم– على حماية نفسها من الفيضان الجماهيري الذي يهدِّدُها بالفَناء عن طريق قَسْمِه عموديّاً وحَرفِه عن الصراع الحقيقيّ باتجاه أشكالٍ ثانوية من الصِّراع تُفقِدُه طاقتَه وتُدمِيه. فإلى جانب قَمعِه وممارسةِ العنف الشديد تجاهه، تعملُ قوى الثورة المضادَّة الداخلية والعالمية على خلق مجموعة من الثنائيات الوهمية التي يصطفُّ الفقراءُ وفقاً لها في صفوفٍ متقابلةٍ، يحصدُ بعضُهم أرواحَ بعض. ولتُحقِّقَ ذلك فإنها تحفرُ خنادقَ وهميّةً تحشر الجماهير ضمنها، ليس أقلّها خطراً الخنادق الطائفية، فإلى جانب هذه توجد الخنادقُ الوهمية لثنائيّاتٍ وهميّة وصراعاتٍ وهميّة مِن نمط (علمانيّ- متديِّن)، أو (ليبراليّ- إسلاميّ)، أو (معارِض- مُوالٍ)، أو (نظام- معارضة).. وإلخ.
- وفي سعي الرأسمالية لإخفاء الصراع الحقيقي بينها وبين شعوب العالم، وتغطيتِه ضمن منطق الثنائيات الوهمية بجملةٍ من الصراعات الوهميّة الثانوية، عملتْ بشكلٍ خاصّ ضمن منطقة الشرق العظيم- طوال القرن العشرين وحتى اليوم- على ضرب التيارات الشعبية الثلاثة الأساسية في هذه المنطقة بعضها ببعض، وهي التيارات اليساريّ والقوميّ والدينيّ، وهي جميعُها – كتيارات شعبية– معاديةٌ بعمق للإمبريالية الأمريكية وللصهيونية العالمية، ولكنَّ تمثيلاتها السياسية لم تكنْ كذلك دائماً، الأمرُ الذي أوجدَ ثغرةً سمحتْ للإمبرياليّة بالدخول وتصوير التمايز بين هذه التيارات الشعبية على أنّه تناقضٌ غير قابلٍ للحلّ، وسمح لها بتقديمِ مزيدٍ من الثنائيّات الوهميّة من نمط (يساري- قومي)، (يساري- إسلامي)، (قومي- إسلامي)...
في حين يبقى الخندقان الحقيقيّان هما خندقُ المضطهَدين المستغَلّين في وجه مضطهِديهم ومستغِلِّيهم، خندقُ الشعوب في وجه الإمبريالية العالمية والصهيونية وحلفائها وممرّاتها نحو الداخل، من قوى فساد وليبراليةٍ اقتصادية أياً تكن العناوين واللبوسات السياسية التي تتغطى تحتها. - إنّ خطوط الفرز بين المعسكَرين الطبقيَّين الحقيقيَّين تمرُّ داخل جهاز الدولة أيضاً، وبالتوازي مع مرورها في المجتمع، وخاصةً في دول الأطراف حيث جهازُ الدولة المتضخِّم. وتبرز مهمّةُ تعميق الفرز الحقيقي داخل جهاز الدولة المتضخِّم كضرورةٍ لا غنى عنها للحفاظ على الدّولة نفسِها، ولتحقيقِ التغييرات الجذرية والمهمّات التاريخية والثورية المطلوبة.
إنّ عمليّةَ الفرز الحقيقي بين المستغَلّين والمستغِلّين في كلٍّ من المجتمع وجهاز الدولة والقوى السياسية المختلفة، هي ضرورةٌ موضوعيّةٌ يكمّلها العاملُ الذاتيُّ المتمثّلُ بتقديم القوى الثورية برامجَها السياسيَّةَ المتكاملةَ (الوطنية والاقتصادية- الاجتماعية والديمقراطية)، ونضالُها الملموس من أجلها لتجميع جماهير المضطهَدين حولها، وذلك لتسريع الفرز وتقليل تكاليفه، وأخذه نحو نهاياته المنطقية.
وعملية الفرز هذه، وفي الخصوصية السورية، باتت تمرّ حُكماً عبر حلٍّ سياسيّ شامل قائمٍ على التنفيذ الكامل للأهداف والتوجهات الأساسية للقرار الدولي 2254 الذي بات هو بذاته تعبيراً عن التوازن الدولي الجديد.
عملية الفرز هذه، وعبر الحلّ السياسي، هي الطريق الوحيد لإنجاز الاستحقاقات التاريخية المطلوبة، والمتمثّلة في الحالة السورية بإنهاء الكارثة وباستعادة وحدة البلاد ووحدة شعبها واستقلالها وسيادة شعبها عليها، وصولاً إلى الثورة الوطنية الديمقراطية المعاصرة، ثورة تندمج فيها مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بطابعها السياسي-الديمقراطي مع المهام الاجتماعية الطبقية العميقة.
ثورةٌ كهذه هي استكمالٌ لمهام حركة التحرّر الوطني، وما يعني منطقتَنا بشكلٍ أساسيّ ضِمن هذا السياق، هو تحريرُ كامل الأراضي العربية المحتلّة، وعلى رأسها الجولان وفلسطين، وحلُّ القضيّة الكردية على أساس تحقيقِ كاملِ الحقوق الثقافية والمدنيّة للسوريين الكرد. - في دول الإمبريالية، تظهر المهمّة بشكلِ تحقيق الثورة الاشتراكية الجديدة، الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين المستندة إلى كلّ إيجابيات التجارب السابقة والواعية لجميع أخطائها.

ثانياً: الأزمة السورية
- سقطت سلطة الأسد يوم 8/12/2025 كنتيجة حتمية لتهتكها وتعفنها، ولانحيازها المستمر لمصلحة قلة اقتصادية ناهبة تنتمي إلى مختلف الأديان والقوميات والطوائف في سورية، ضد الأغلبية الساحقة من السوريين المنتمين أيضاً إلى كل الأديان والقوميات والطوائف، ونتيجة لإصرارها على رفض الحل السياسي المتمثل بتطبيق القرار 2254.
- بسقوط الأسد، سقطت السلطة ولكن النظام لم يسقط بعد؛ فالنظام في جوهره هو طريقة توزيع الثروة في البلاد، وطريقة إدارتها بالمعنى الديمقراطي والوطني. وعليه، فإن الأزمة السورية ما تزال مستمرة لأن جذرها ما يزال قائماً، أي النظام المنحاز لمصلحة أقل من 10% من السكان، وضد مصلحة أكثر من 90% منهم. وتغيير هذا النظام تغييراً جذرياً شاملاً، اقتصادياً-اجتماعياً وسياسياً، ما يزال موضوعاً على جدول العمل الوطني، وبات مهمة أكثر إلحاحاً للحفاظ على وحدة البلاد وسلمها الأهلي.
- الأزمة السورية لم تبدأ في 15 آذار 2011، بل انفجرت في ذلك التاريخ، بعد تراكمٍ من المشكلات والأزمات على المستويات الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية والثقافية، امتدّت عقوداً طويلة.
- طوال أكثر من خمسة عقود مضت، وبعيداً عن التسميات الشكلية للنموذج الاقتصادي والسياسي المتَّبع، فإنّ تغيُّر طريقة توزيع الثروة بين أصحاب الأجور وأصحاب الأرباح، كان ذا اتجاهٍ عامٍّ ثابت، هو حيازةُ أصحاب الأرباح نِسَباً أعظمَ فأعظم من الدَّخل الوطني، مقابلَ نسبٍ أقلَّ فأقلّ لأصحاب الأجور.
- بالتوازي، في الجانب الوطني، فإنّ الكيان الصهيوني قد لعب دوره الوظيفي على أتمّ وجهٍ خلال العقود الخمسة الماضية، وكان مصدرَ استنزافٍ أساسيّ للشعب السوري وقواه وثرواته، وجرى استخدامُ وجوده واحتلاله للجولان السوري، ليس لتخديم المعركة الوطنية معه، بل على العكس من ذلك للتغطية على الفساد الكبير، وعلى تخفيض سقف الحريات السياسية، مرةً وراء الأخرى. واستفاد الكيان من حالة الفوضى التي تعيشها البلاد، فعمق، وما يزال، اعتداءاته وتغوله على الأرض السورية وعلى الشعب السوري، وبات يعمل بشكل علني ومكشوف على دفع السوريين للاقتتال الداخلي فيما بينهم على أسس طائفية ودينية وقومية، وباتجاه مزيد من الدمار الداخلي، وصولاً إلى التقسيم وإنهاء وجود سورية كوحدة جغرافية سياسية، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.
- مع استمرار الاحتلال وتهديداته، ومع التحوّلات الاقتصادية التي خفَّضت حصّة أصحاب الأجور، فإنّ مستوى الحريّات السياسية في البلاد، قد سلك الطريقَ نفسَه؛ فكلّما قلّت حصةُ أصحاب الأجور من الثروة، كلما انخفض مستوى الحريات السياسية.
- وإنّ تبنّي ما سمّي «اقتصاد السوق الاجتماعي» رسمياً عام 2005، سرّع بشكل كبير كلّ العمليات السلبية التي كانت تتراكم عبر عقود؛ رافعاً نسبة الفقر بشكلٍ غير مسبوق في تاريخ سورية الحديث، وكذا نسبة البطالة، ومحدثاً ضرراً جسيماً في كل قطاعات الإنتاج الحقيقي في البلاد، لمصلحة قطاعات ريعية صبّتْ أرباحُها وما تزال في جيوب قلّةٍ ناهبة متنفِّذة.
- من حيث الجوهر، فإنّ لَبرَلَة الاقتصاد لم تكنْ مجرَّد «عدوى غربيّة» تمّ إغواءُ أو ترهيبُ المتنفِّذين لتبنّيها عبر صندوق النقد والبنك الدوليَّين، بل كانتْ في الوقت نفسِه «تطوُّراً طبيعيّاً» للفساد الداخلي، الذي انتقلَ عبر أكثر من خمسة عقود، من مجرّد برجوازيّةٍ بيروقراطيّة وبرجوازيّةٍ طفيليّة، إلى رأسِ مالٍ ماليّ مع الانتقال نحو اللَّبرلة المعلَنة عام 2005، واستكملَ تطوُّرَه خلال الأزمة نحو التعفُّن الكامل بأنْ تحوَّلَ إلى رأس مالٍ ماليٍّ إجراميٍّ يعملُ بمختلف الأنشطة الإجرامية، وعلى رأسها المخدّرات. وبعد سقوط الأسد واستلام سلطة جديدة، فإن نموذج الليبرالية المتوحشة ما يزال قائماً، بل وبات تطبيقه أشد تسارعاً، باتجاه تقويض دور الدولة الاجتماعي بشكل كامل، ورفع الدعم عن كل المواد الأساسية، والقضاء على إمكانيات النشاط الإنتاجي الحقيقي في البلاد، لمصلحة الأنشطة الريعية، ولمصلحة رؤوس الأموال الخاصة، والخارجية منها بالدرجة الأولى، وفقاً لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين.
- توازتْ تطوُّراتُ الفساد الداخلي في سورية، مع تحوُّلاتٍ عالمَية كبرى، كان بينها انهيارُ الاتحاد السوفييتي، ومن ثمّ الهجوم الأمريكي الشامل على الشرق الأوسط خلال العَقدَين الأوَّلين من هذا القرن، وهما العقدان اللذان بات واضحاً فيهما وفي وقتٍ مبكر نسبيّاً الصُّعود الكبير القادم لكلٍّ من الصِّين وروسيا. في هذا الإطار فإنّ الغرب وعلى رأسه أمريكا، لم يوفّر فرصةً في العمل لتحويل الانفجار الموضوعي والحراك الشعبي الذي جرى في سورية نحو «ثورة ملوَّنة»، ونحو حرب أهلية.
- المتشدِّدون ضمن النظام، ونظراؤهم ضمن المعارضة، والذين اشتركوا في هواهم الغربي اقتصادياً وسياسياً، عملوا على تعميق الأزمة وإطالتها، ورفضوا الحوار، ورفضوا الحلّ السياسي طوال سنوات، بغرض إعادة توليد ثنائية (نظام-معارضة) التي رفض طرفاها الحل السياسي الشامل، وأصر طرفاها على ثنائية (حسم/إسقاط).
- خارج إطار الثنائية الوهمية (نظام- معارضة)، ناضلتْ قوى وطنية ديمقراطية معارِضة، بينها حزبُ الإرادة الشعبية، من أجل الحوار والحلّ السياسي والتغيير الجذريّ منذ اللحظة الأولى، وبقيتْ متمسكةً بمواقفِها رغم المحاولات التي لمْ تتوقَّفْ لاحتوائها أو كسرِها أو تليينِها. وكانَ سمتُ هذه القوى هو مصلحةُ الناس لا المزاج المؤقَّت الثأريّ الذي لعبَ القمعُ والعنف والإعلام أدواراً مهمّة في تأجيجه بشكلٍ مستمر.
- خلال السنوات التي مرّت، جرتْ تحوُّلاتٌ كبرى ليس على الساحة الدولية فحسب، بل وأيضاً على الساحة الإقليمية. ولعلّ أبرزَها هو تشكُّل مجموعةِ أستانا التي ضمّت روسيا وتركيا وإيران، والمصالحة السعودية الإيرانية، والتقارب التركي المصري الخليجي، وهي التحولات التي تصب بالضد تماماً من مشروع «الشرق الأوسط الإسرائيلي».
- كذلك، فإنّ تطوراً موازياً قد ظهر على المستوى العربي، حيث بدأت ملامح الاستقلالية عن التبعية للغرب، وللأمريكان خاصة، بالظهور عبر سلوك عدد من الدول العربية الأساسية، وخاصة السعودية. وبات من الممكن ومن الضروري العمل لتحقيق تنسيق عالٍ بين الدول الإقليمية الأساسية وبين المجموعة العربية بقيادة السعودية وبين روسيا والصين، لضمان توازن فعلي في التأثير بالشأن السوري وصولاً لحل حقيقي، بعيداً عن محاولات الاستفراد والتخريب الأمريكية- «الإسرائيلية»، وصولاً لتنفيذ الأهداف والتوجهات الأساسية للقرار 2254، وانطلاقاً بالدرجة الأولى من حق الشعب السوري بتقرير مصيره بنفسه.
الخروج الكامل من الأزمة الراهنة لن يتم عبر الحل السياسي فحسب؛ فهذا الحل هو مجرد مدخل لإيقاف عملية الانهيار، والبدء بحل الأزمات المتراكمة، وهو الأمر الذي يحتاج برامج واضحةً في كل المجالات الأساسية، الوطنية والديمقراطية والاقتصادية الاجتماعية، والثقافية...

ثالثاً: المرحلة ومهامنا
إنّ الترابط العميق إلى حد الاندماج بين القضايا الثلاث: (الوطنية، والاقتصادية-الاجتماعية، والديمقراطية)، هو المدخل العلمي الوحيد لتفسير الواقع السوري تفسيراً صحيحاً يسمح بتغييره.
إن المخاطر على البلاد ووحدتها وسيادتها، لم تتقلص مع سقوط الأسد، بل هي مستمرة بالارتفاع والتراكم؛ فإلى جانب تدمير «الإسرائيلي» لما يزيد عن 80% من المقدرات العسكرية السورية، وتوغله في مزيد من الأراضي في الجنوب السوري، واعتداءاته المستمرة على البلاد وشعبها، فإن السلم الأهلي للبلاد بأسرها مهدد بشدة، نتيجة التدخلات الخارجية من جهة، ولكن أيضاً نتيجة غياب المشاركة السياسية الحقيقية، وغياب الحل السياسي الحقيقي، وارتفاع التحريض الطائفي وخطابات الكراهية بمختلف أنواعها.
إن على رأس المهام الملحة الموضوعة على جدول عمل كل الوطنيين السوريين، وبغض النظر عن خلفياتهم الأيديولوجية، الحفاظ على وحدة البلاد وسلمها الأهلي وتقليص حجم التدخلات الخارجية وصولاً إلى تحييدها.
وضمناً، فإن ملف «العدالة الانتقالية» ينبغي أن يكون موجهاً لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة بما يمنع تكرارها، وينبغي أن يشمل الانتهاكات قبل 8/12/2024 وبعدها، ومن جميع الأطراف، وينبغي أن يشمل الجانب الاقتصادي-الاجتماعي، بحيث لا يقتصر على الجانب الجنائي، بل يمتد إلى حالات الفساد الكبير وإلى النموذج الاقتصادي الليبرالي الجديد القائم على النهب، باتجاه القطع معه نهائياً.
والمدخل الوحيد الممكن للوصول إلى هذه الغاية، هو الحل السياسي الشامل القائم على المشاركة الحقيقية للشعب السوري في صياغة مستقبله بنفسه، وعلى أساس المواطنة المتساوية التي يكون فيها السوري مساوياً للسوري بغض النظر عن قومية أو دين أو طائفة أو جنس.
جوهر الحل السياسي الشامل هو المؤتمر الوطني العام صاحب الصلاحيات الكاملة، وتشكيل جسم حكم انتقالي شامل وغير طائفي، ومن ثم صياغة دستور دائم، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة يقرر عبرها الشعب السوري مصيره بنفسه.
أ. الجانب الوطني
إنّ التراجع الحاد المستمر للقطب الإمبريالي العالمي يعني ضمناً تراجعاً موازياً للعدوّ الصهيوني وأفولاً محتملاً له، ويعني بالضرورة وضعَ مسألة استمرار وجود الكيان الصهيوني على بساط البحث الجدّي، وذلك بالضد تماماً من كل محاولات الإيحاء بالقوة وبالانتصار التي يقوم بها العدو.
في هذا الإطار، فإنّ مشاريع «اتفاقات أبراهام» و«الناتو العربي» وما شاكلها، ليست أكثر من محاولاتٍ بائسة لحماية الكيان الصهيوني من التراجع العام للمركز الإمبريالي الغربي. وقد أثبت الواقع أنّ هذه المشاريع محكومةٌ بالفشل الكامل، وذلك بعد سنوات قليلة من إطلاقها، خاصة وأنّ المقاومة الفلسطينية العظيمة قد قطعت أشواطاً كبرى إلى الأمام في تنظيم صفوفها، متحولةً إلى مقاومة شاملة في كل بقاع فلسطين، وشاملة بكل الوسائل والأدوات، بحيث بات الكيان يعيش كابوساً مستمراً لا خلاص منه.
وبما أنّ تاريخ الصراع مع الكيان الغاصب أثبت بما لا يدَعُ مجالاً للشك أنّ الألعاب السياسية والدبلوماسية ليست إلا «طبخة بحص» لا تنتج شيئاً، فإنّ خيار المقاومة الشعبية الشاملة والمسلَّحة كأساسٍ تحوَّلَ إلى خيار وحيد.
والمضيُّ قدماً في خيار المقاومة الشعبية يتطلّب تعزيزَ التحالفات الإقليمية وتطويرَها، وإعادةَ النظر المستمرة فيها وفقاً لمتطلبات المقاومة نفسها، بما في ذلك ضرورة اتخاذ مواقف واضحة ليس من الكيان فحسب، بل ومن المطبعين معه ومن مشاريعهم بما في ذلك في سورية نفسها.
بالتوازي مع ذلك، فإن الأزمة الأخيرة وضعت الهوية الوطنية السورية على مفترق طرق إجباري، فإمّا العودة إلى ما قبل الدولة الوطنية، أو تعميق الانتماء الوطني وتفعيله على حساب جميع الانتماءات الثانوية، الأمر الذي يتطلب موقفاً اقتصادياً- اجتماعياً وديمقراطياً متحيّزاً بشكل كاملٍ للطبقات المفقَرة والمضطهَدة، موقفاً يحوِّلُ الدولة السورية من دولةٍ راعيةٍ لمصالح «رجال الأعمال» كما هو حالها حتى الآن، إلى دولةٍ للمنتجين الحقيقيين.
وضمن معادلة استعادة وحدة البلاد ووحدة شعبها، فإنّ وجود مؤسسة عسكرية وطنية وموحَّدة يحتلُّ موقعاً مهمّاً بوصفها ضامناً أساسيّاً من ضمانات الوحدة الوطنية، الأمر الذي يتطلّب بناء المؤسسة العسكرية على أساس الانتماء الوطني الجامع، وعلى أساس الكفاءة والحياد عن السياسية، وبحيث تكون وظيفتها محصورة في الدفاع عن الوطن، لا عن السلطات، أياً تكن تلك السلطات.
كما أنّ التراجع العام للعدو الإمبريالي سينعكس تغيراتٍ جيوسياسية كبرى في منطقة الشرق العظيم، تفتح الباب واسعاً أمام إعادة النظر بسايكس بيكو على أساس اتحاد شعوب الشرق العظيم، وحل القضايا المحقّة العالقة كالقضية الكردية ضمن هذا المنطق.
الأمر الذي يعني أنّ إسقاط الخطاب التفتيتي وخطاب الفوالق أصبح مهمة أساسية لحفظ وحدة سورية أرضاً وشعباً، وفتح الباب أمام شعبها لتفعيل تعاون خلّاق مع شعوب المنطقة في إطار المصلحة الجامعة لهذه الشعوب.
إنّ أزمة اللجوء السوري، هي جزء أساسي من مجمل الأزمة السورية، وإنّ العمل على عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وضمناً الكفاءات منهم، ينبغي أن يحوز اهتماماً وإصراراً مستمرَّين.
وأزمة اللجوء السوري بشكلها الأعمّ لم تبدأ عام 2011 بل قبل ذلك بعقود؛ وهي بهذا المعنى جزء من الهجرة العالمية من الجنوب نحو الشمال، والتي تعززت مع الأزمة بجوانبها الأمنية العسكرية والاقتصادية. ما يعني أنّ عودة اللاجئين تتطلب ليس فقط أن يأمَنَ اللاجئ على حياته من الحرب، أو القمع السياسي من أيّ جهة كانت، بل وأيضاً أنْ يجدَ أمناً اقتصادياً- اجتماعياً، وفرصاً حقيقية لتكوين حياة كريمة. وهذا يمكن حلُّه فقط عبر الحل السياسي الشامل الذي يفتح باب التغيير الجذري الشامل لبنية الدولة، بما يصبُّ بمصلحة عموم السوريين وضدّ مصالح الناهبين والفاسدين الكبار. وكذلك يتطلّب نمطاً جديداً من العلاقات الدولية لسورية، يقوم على أساس التبادل المتكافئ وليس على أساس النهب الغربي للبلاد ومواردها. وبكلمة؛ فإنّ عودة اللاجئين تمرّ بالضرورة عبر عملية إعادة بناء شاملة اقتصادية- اجتماعية وسياسية وثقافية بالتعاون مع قوى العالم الصاعد، وبالضد من مصالح الغرب والصهاينة على وجه الخصوص.
ب. الجانب الاقتصادي- الاجتماعي
جرّبت سورية خلال العقود الماضية نموذجَين اقتصاديَّين، الأوّل: سمّي خطأً بالتحويل الاشتراكي، وكان فعلياً رأسماليّةَ دولة تدخّلية قوية، واعتمد إلى جانب الإنتاج الحقيقي على الريع السياسي. مع انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء مساعدات دول النفط، بدأ التحول نحو الليبرالية الاقتصادية يقوده وهمُ البحث عن الاستثمارات الخارجية، وتضمَّن عملياتٍ واسعةً من «إعادة الهيكلة» أوصلت الاقتصاد السوري إلى درجات عالية من تدنّي الإنتاج، وأوصلت البلاد إلى معدلات فقر وبطالة لم تصل إليها تاريخياً، ومهّدت الأرضية الملائمة للأحداث التي تلت آذار 2011، وهذا النهج نفسه، ما يزال مستمراً وبشكل متسارع بعد سقوط سلطة الأسد.
وبرزت الحاجة الملحّة لصياغة نموذج اقتصادي بديل يقطعُ نهائياً مع الليبرالية الاقتصادية سيّئة الصِّيت، ويستفيد من إيجابيّات وأخطاء المرحلة المسمّاة «التحويل الاشتراكي».
نموذجٌ جديد شعارُه الأول هو: «أعمق عدالة اجتماعية لأعلى نمو اقتصادي»، أيْ أنّ أيَّ نموٍّ لاحق لم يعد ممكناً دون إعادة توزيع جدّيةٍ للثروة الوطنية لمصلحة القوى المنتِجة بالتحديد. حيث تتوزَّع الثروة (الدخل الوطني) حالياً على شكل (90% لأصحاب الأرباح الذين لا يتجاوزون 10% من السكان، و10% لأصحاب الأجور الذين يشكّلون حوالي 90% من السكان) وكسر هذا الشكل من التوزيع وتصحيحه ليصبح كخطوة أولى بحدود (50%، 50%) يحتاج زمناً بين 5 و7 سنوات ضمن دورٍ قويٍّ ذكيٍّ ومرنٍ للدولة، مضبوطٍ بأعلى درجات الرقابة الشعبية.
إنّ الملامح العامّة للنموذج الاقتصادي الجديد والتي يجب استكمال تفاصيلها هي:
التوجُّه شرقاً، بمعنى تعديل العلاقات الاقتصادية مع الغرب الاستعماري تعديلاً جذرياً، لمصلحة علاقات اقتصادية تصون الموقفَ السياسي السوري، وتسمح للاقتصاد السوري بتطوير الإنتاج الحقيقي.
حلّ مشكلات الفقر والبطالة القديمة والمستجدة، إضافةً إلى عملية إعادة الإعمار، يتطلّب تحقيقَ أرقام نموٍّ لا تقلُّ عن 10% سنوياً. ولتحقيق رقمِ نموٍّ بهذا الحجم يجب رفع مستوى التراكم السنوي في القطاعات الإنتاجية الحقيقية إلى حدود 30% من الدخل الوطني، ومستوى العائديّة إلى 33% كحدٍّ أدنى.
أمّا تمويل عملية إعادة الإعمار فيجب أن يتجه نحو مَصدرَين أساسيَّين هما: مطالبة الدول التي لعبت أدواراً في تعميق الأزمة السورية بالتعويضات من جهة، ووضعُ اليد على الثروات المنهوبة من الفساد الكبير من جهة ثانية، ويأتي بعد ذلك الاقتراضُ من الخارج في حال الضرورة القصوى، وضمن معايير السيادة الوطنية.
وضعُ يد الدولة على شركات القطّاع الخاصّ ذات الريعية العالية، وبشكلٍ خاصّ شركات الاتصال الخليوي، وطردُ الاستثمارات الخاصّة من القطاعات السيادية كالمرافئ، ووضع يد الدولة على شركات النفط والغاز وكلّ الثروات الباطنية، إنتاجاً ونقلاً وتسويقاً، لتشكّلَ مداخيلُها داعماً أساسياً في عملية إعادة الإعمار والاستثمار اللاحق.
ربطُ الأجور بالأسعار باعتماد سلّة استهلاك حقيقية تجري مراقبتها وتعديل الأجور على أساسها بشكل دوريٍّ لا يزيد دَورُه عن ثلاثة أشهر، بحيث يبدأ سُلّم الأجور عند الحدّ الأدنى لمستوى المعيشة، الذي يحدِّدُه سعرُ سلة الاستهلاك، وتمويلُ الزيادات من مصادر حقيقية غير تضخّمية.
إنّ برنامج رفع عائدية الاقتصاد السوري، يتضمن:
تصنيع المواد الخام إلى الحد الأقصى الممكن محلّياً، ومنع تصديرها بشكلها الخام نهائياً.
مشاريع عملاقة تتولّى تمويلَها وإدارتها الدولة.
تفعيل الميزات المطلَقة في الاقتصاد السوري، وتركيز البحث العِلميّ عن ميزات مطلقة جديدة لما لها من ريعية عالية جداً.
حماية البيئة والتعامل معها بوصفها المصدر الأساسي لكل الميزات المطلقة.
بؤر تحفيز للنمو الاقتصادي في البادية السورية.
تنظيم مجمّعات زراعية- صناعية في كلّ مناطق البلاد، بحيث تتشابك مدخَلاتها ومخرجَاتها.
دعم القطاع الزراعي من حيث القروض والتسهيلات في مجال الوقود والأسمدة والمبيدات والبذار ووسائل الإنتاج.
تفعيل معالجة مياه الصرف الصحي عبر عدد كبير من المعالِجات الصغيرة، وتعميمُ سياسات رِيٍّ متطوِّرة مدعومة من الدولة، وصولاً إلى تحقيق الأمن المائي.
استناداً لذلك كلّه، وضعُ خريطةٍ استثمارية وتقديم التسهيلات للقطاع الخاص المنتِج حصراً للمشاركة فيها.
إنّ نموذجاً اقتصادياً عميقاً في عدالته وعالياً في نموِّه سيسمح بحلِّ كلّ المهمّات الاجتماعية المتفاقمة في البلاد:
نحو تأمين التعليم بكل مراحله لكل أفراد المجتمع بشكل مجاني.
نحو تأمين الضمان الصحي المجاني.
إعادة الإعمار السكني وتوسيعه باتجاه حلّ مشكلة السكن القديمة والمستجدّة، من خلال تصفير سعر الأرض، وإخراج العقارات التي تُنشئها الدولة من سوق البضائع عبر منع الاتجار بها أو تأجيرها نهائياً. الأمر الذي سيخفّض من سعر العقارات بنسبة تصل إلى 70%، بالإضافة إلى احتكارٍ واسع للدولة لمواد البناء.
ونحو إعادة النظر بتكاليف الكهرباء والمياه لأصحاب الدخل المحدود بتصفير تكاليف الشرائح الدنيا للاستهلاك، وتحميل تكاليفها لأصحاب الاستهلاك الأعلى.
تفعيل استخدام الطاقات المتجدِّدة المناسبة للمناخ الاستثماري السوري على قاعدة استيراد المعرفة التي لا تحتاج إلى تكنولوجيا معقَّدة، الأمر الذي تحقِّقُه العديد من تطبيقات الطاقات المتجدِّدة ذات الحجوم الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة.
إن مراعاة الجانب البيئي في الأوضاع السورية، ليس مسألة ترفية بحال من الأحوال؛ فإن المنظومة الاقتصادية الرأسمالية وإن كانت بطبيعتها منظومة معادية للطبيعة وللحياة الإنسانية الصحية بيولوجياً ونفسياً، فإن المنظومة الرأسمالية التابعة المتخلفة هي أشد عداء وتدميراً للطبيعة وللإنسان. يتضح ذلك على سبيل المثال لا الحصر من نسبة السرطانات المرتفعة جداً في مناطق استخراج النفط في سورية نتيجة انحياز السلطة وجهاز الدولة لمصلحة الشركات الخارجية ومنظومات الفساد الداخلي بالضد من الشعب السوري وعلى حسابه. وينسحب هذا المثال على عدد كبير من المسائل الأخرى، بما فيها طبيعة العلاقة بين الريف والمدينة التي تحددها المنظومة الليبرالية الجديدة، والتي تضعهما في تناقض وتسيء إلى كل منهما في الوقت نفسه. ما يتطلب علاجات جذرية تبدأ من التخطيط الاقتصادي الشامل الذي يضع المعيار البيئي بين معاييره الأساسية.
ج. الجانب الديمقراطي
- نظام رئاسي- برلماني، تتوزَّع فيه الصلاحيات التنفيذية، بين مؤسَّسة الرئاسة من جهة والحكومة من جهة أخرى، والتي يُعطى البرلمان حقَّ الإشراف الفعلي عليها من خلال إعطائه صلاحيةَ منحها الثقة وحجبها عنها جزئياً أو كلياً.
- تكريس فصل حقيقي بين السلطات، وضمان مواطنة متساوية حقيقية بين السوريين، بحيث يكون السوري مساوياً للسوري بغض النظر عن القومية أو الدين أو الطائفة أو الجنس، وبما يضمن تثبيت الحقوق الثقافية كاملةً لجميع قوميات الشعب السوري بمن فيهم الكرد السوريون.
- صيغة جديدة للعلاقة بين المركزية واللامركزية، تجعل منهما أداتين في تمكين الشعب من السلطة، بحيث يمارس السوريون سلطتهم ابتداءً من مناطق سكنهم، ووصولاً إلى اختيار السلطات المركزية.
- قانون الانتخابات البرلمانية نسبيّ وسورية دائرة واحدة يسمح بالتنافس على أساس البرامج السياسية الشاملة، ما يسمح بتعزيز الحركة السياسية، وبتكريس الهوية الوطنية الجامعة.
- اعتماد النسبية في جميع أشكال الانتخابات المحلية.
- بالتوازي، يتم إنشاء غرفة ثانية ضمن البرلمان، يتم إنتاجها عبر الانتخاب من المناطق، وتكون امتداداً مركزياً، للسلطات الشعبية اللامركزية في المناطق.
- ضمان استقلال القضاء عن السلطات التنفيذية والتشريعية، واستقلاله خصوصاً عن وزارة العدل.
- ضمان حرية العمل السياسي والنقابي والعمّالي بما فيه من حقّ تظاهرٍ وإضرابٍ بأوسع أشكاله، وفتح قنوات التأثير الجماهيري على جهاز الدولة ووضعه تحت الرقابة الشعبية الدائمة.
- بناء الأجهزة الأمنية وفقاً لتحديدٍ وظيفي ودورٍ وطني وصلاحيات واضحة، وإخضاعها للمساءلة القانونية والقضائية، وإعطاء الحكومة حقّ مراقبتها ومحاسبتها عبر القضاء المستقلّ.
- ضمان حقوق التفكير والتعبير وإيقاف كلّ أشكال القمع والاعتقال التعسّفي، وتحديد شروط فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية بثلاث حالات فقط: (الكوارث الطبيعية، حالة الحرب، الحرب على الفساد الكبير).
- قانون إعلام يضمن حرية تعبير التيارات الوطنية المختلفة عن نفسها، ويضمن تعبير المجتمع عن نفسه بأعلى مصداقية.
- قانون أحزاب عصري يكرس الهوية الوطنية الجامعة، ويمنع قيام أحزاب على أسس دينية أو طائفية، وفي الوقت نفسه لا يقيد حرية العمل السياسي، وحرية إنشاء الأحزاب وعملها.
- التخلُّص نهائياً من قانون الأحوال الشخصية العائد إلى مرحلة الاحتلال العثماني، وصياغة قانون جديد يضمن مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة، بما فيه حق المرأة بمنح الجنسية لأبنائها.
د. الجانب الثقافي
يشكل الجانب الثقافي بأبعاده المختلفة، حاملاً أساسياً من حوامل الهوية الوطنية للمجتمع، ولصياغته صياغة صحيحة ينبغي الاستفادة من العناصر التقدمية في النتاجات الثقافية والنظرية لشعوب العالَم، وتراثها الحضاري الإنساني، عبر تكييف هذه العناصر لمصلحة تطوير ثقافتنا المحلّية وإغنائها، ونبذ العناصر الرجعية أيّاً كان مصدرها، محلّياً أو أجنبيّاً. وهذا يتطلّب التصدّي لمهمّتين متكاملتين ومتوازيتين:
- المهمة الأولى – قراءة نقديّة معاصِرة لتراثنا الثقافي المحلّي، بعيداً عن أمراض العدمية (مثل التنكُّر للانتماء) وأمراض الجمود العقائدي (مثل التحجُّر الثقافي الرافض لأيّ تجديد).
- والمهمة الثانية – نقد النظريات والأنماط الثقافية الهدّامة والإقصائية والعنصرية، وخاصة تلك التي لطالما شكّلت جزءاً من البنيان الفوقي للعَولمة الليبرالية الجديدة، وأداةً للهيمنة الأمريكية-الغربية، وتبريراتٍ لتطبيع الفاشية والصهيونية، تحت مسمّيات متنوّعة مثل «ما بعد الحداثة» و«المركزية الأوروبيّة» وغيرها.
- إحياء التراث الشعبي الحقيقي لسورية كجزء من منطقة غنية تاريخياً وحضارياً، هي منطقة الشرق العظيم بتنوعها الغزير والغني وبإرثها المشاعيّ العميق.
- تكريس الهوية الوطنية الجامعة عبر السياسات التعليمية كجزء من سياسات ثقافية شاملة.
- يتحمل جهاز الدولة دوراً أساسياً في توجيه السياسات التعليمية في عموم البلاد، بما يخدم بناء الهوية الوطنية الجامعة من جهة، ومن جهة أخرى، فإن عليه مسؤولية تأمين التعليم المجاني لكافة المراحل، وبأعلى المستويات وأفضلها، والذي يشكل مولداً أساسياً لواحدة من أهم القيم المطلقة في الاقتصاد السوري؛ الكفاءات المتعلمة. وتتضمن هذه المهمة رعاية المعلمين والمدرسين وتقديرهم حق قدرهم، بالمعنى المالي والاجتماعي. كما أن الإنفاق الاجتماعي الذي تقوم به الدولة على التعليم هو جزء من عملية إعادة توزيع الدخل الوطني بين الأجور والأرباح، وأي تخفيض لذلك الإنفاق، هو عملية سرقة مباشرة من الأجور لمصلحة أصحاب الأرباح.
- كما يتحمل جهاز الدولة مسؤولية أساسية في رعاية مختلف الفنون ودعمها، من أدب ومسرح وموسيقى وغناء ودراما وفن تشكيلي وغيرها، والخروج من فن السلطة إلى فن الشعب؛ أي القطع مع المراحل التي كانت تجري فيها محاولات قسر الفن وتقييده ليكون خادماً للسلطة، وباتجاه فن يكون خادماً للشعب ولنمائه الفكري والروحي.
- رعاية ثقافة الطفل من خلال ضرورة وجود إنتاج ثقافي خاصّ للطفل السوري (مسرح عرائس– مجلات– قناة متخصّصة).
- إعادة الاعتبار للرموز الوطنية الجامعة ضمن الوعي الاجتماعي، وخاصةً عند الأطفال وفي العملية التربوية؛ لأن السلطات المتعاقبة في سورية منذ الاستقلال وحتى الآن، عملت على تهميش تلك الرموز، وحتى الإساءة إليها، وخاصة رموز الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وهي الرموز التي تشكل نقطة الانطلاق المشتركة في بناء سردية وطنية وهوية وطنية مشتركة، تخدم الشعب السوري ووحدته أولاً، وليس هذه السلطة أو تلك.
- تدعيم دور الثقافة في تخطّي الأزمة ونتائجها الكارثية وخاصةً النفسية والاجتماعية منها.
- إيقاف عملية التدمير المستمرة للإرث والتراث والذاكرة التاريخية لسورية، بحواملها المادية والثقافية، وتفعيل المحاسبة الصارمة ضد أي تعدٍ عليها.
- توثيق الكتاب السوري ونشره إلكترونيّاً، وإعادة أرشفة المكتبات الوطنية إلكترونيّاً ونشر أرشيفها للعموم.
- التعامل مع التراث بفروعه المختلفة كميزة مطلَقة، باعتباره تراثاً سوريّاً وحمايتُه واستثماره على هذا الأساس.
- توثيق كل ما يتعلق بالتراث فيلميّاً (صوت وصورة) لحمايته باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وإنشاء مكتبة وثائقيّة لهذا الغرض، بالإضافة إلى مواقع الكترونية ومنتديات إلكترونية خاصّة لنشره.
هـ. قضية المرأة
تتاجر المنظمات الدولية وفروعها المحلية، وعدد من الاتجاهات السياسية الليبرالية، بقضية المرأة بشكل مستمر ومنافق منذ عشرات السنين، محاولة فصل قضية المرأة عن قضايا مجتمعها الاقتصادية- الاجتماعية والوطنية والديمقراطية، بغية تحويلها إلى قضية شكلية يكون التناقض فيها هو بين النساء والرجال، وليس بين النساء والمجتمع ككل من جهة، وبين منظومات النهب والقمع المحلية والدولية.
يناضل حزب الإرادة الشعبية من أجل تحرّر النساء العاملات بسواعدهن وأدمغتهن، ويرى قضية المرأة قضيةً طبقية بامتياز، تناضل من أجلها الرفيقات والرفاق جنباً إلى جنب.
إنّ عمل كثيرٍ من المنظَّمات النسويّة البرجوازية في سورية على تفسير الظُّلم الواقع على المرأة بعيداً عن ارتباطه بالتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية التابعة ببنيانها التحتي والفوقي، هي محاولة للتَّعمية عن العدوّ الطبقي الواضح. كما أنّ عزل قضية المرأة عن غيرها من القضايا لا يؤدّي فقط إلى إضعافها، بل إلى الفشل في تفسيرها، وبالتالي الفشل في تحقيق التغيير العادل الذي تَنشُدُه.
إنّ مِن أخطر ما تعمل عليه الأجَنْدة النيوليبرالية للنخب العالمية، هو الهجوم الشَّرِس على كلّ أشكال التضامن الاجتماعي بما فيها العائلة. إنّ الحرمان القَسريّ لعموم المفقَرين والمضطهَدين من العائلة، والعمل على تعزيز مفاهيم «الفردانيّة» و«الأنواع الجَنْدَريّة»، كلُّ ذلك يؤدِّي إلى تفكيكِ وتشظيةِ المجتمعات، وبالتالي إنهاء سبل توحُّدها وعمَلِها المنظَّم ضدَّ مضطَهِديها.
ويبرز في هذا الإطار اتجاهان متطرِّفان في التعامل مع قضيّة المرأة؛ أحدُهما يتبنّى الأجَنْدة النيوليبرالية، بينما الآخر، وفي إطار ردّ الفعل– غير الواعي غالباً– يلجأ في إطار الدفاع عن النفس إلى أشكالٍ متطرِّفة من المحافَظة والتقييد. إنّ الاتجاه الإنساني والثوري في التعامل مع قضية المرأة هو اتجاه يسعى لمنع تفتيت العائلة، والاستفادة منها بوصفها أداةً من أدوات تماسك المجتمع في ظلّ عمليات التذرير الشامل. ولكن في الوقت نفسه، فهو اتجاهٌ لا يقدِّسُ شكلَ العائلة القائم ويغمض عينَيه عن مشكلات هذا الشكل، وعلى الخصوص منها المظلوميّات المحقّة التي ما تزال قائمة للمرأة وللأطفال على حدّ سواء.
في الخصوصية السورية، فإنّ أبرز النقاط التي ينبغي تحقيقها على وجه السرعة في قضية المرأة هي ما يلي:
- تزداد في سورية نتيجة لسنوات طويلة من الأزمة، وتجريف البلاد من سكّانها الحاجة الماسّة لكلّ الخبرات للانخراط في إعادة بناء البلاد. إنّ الأخلاقيات الإجرامية تجاه المرأة في مكان العمل، التي راكمتها سنوات الأزمة في ظلّ غياب القانون خاصة في القطّاع الخاص، وانتشار اقتصاد الظل، جعلت استغلال المرأة يتضاعف ليشمل ليس فقط استغلال قوّة عملها.. بل امتهان كرامتها بوصفها أنثى، تاركاً أمامها خيارَ الاستسلام للأمر الواقع، وما يحمله ذلك من آلام نفسية وظلم إنساني، أو العزوف عن العمل وما يحمله ذلك من خسارة مجتمعية. وعليه فإنّ تطوير قوانين عملٍ تحمي المرأة هو ضرورةٌ ديمقراطية ووطنية واقتصادية بامتياز.
- كما أن الاختلال في التناسب بين الرجال والنساء ضمن التركيبة الاجتماعية الناتج عن الأزمة، وضع النساء في ظل ظروف عمل شديدة الصعوبة، بما في ذلك ضمن أعمال خطرة متعددة، ودون أي حماية أو تعويضات أو حقوق. كذلك، ولئن كانت هجرة العقول مشكلةً مرتبطة بالاستعمار الحديث تطالُ كلا الجنسين، إلا أنّ أسباباً مضاعفة مضافة إلى كلّ أسباب هجرة الشباب السوري، تزيد قوى النبذ للقوى العاملة النسوية في سورية، وتشمل عدم ضمان بيئة عمل صحية خالية من التحرّش والتعامل بدونيّة مع النساء. وفي هذا السياق لا بدّ من قوانين تنصف المرأة العاملة في قضايا التحرّش في العمل وتحميها من التسريح، وآليات عمل تتيح تطوُّرَها الوظيفيّ بشكلٍ عادل.
- إعادة النّظر في كامل المنظومة القانونية، بما في ذلك الدستور وقانون الأحوال الشخصيّة، بما يؤمِّن مساواةً كاملة بين المرأة والرجل. وإعطاء المرأة السورية الحقَّ في منح الجنسية لأطفالها، ولا سيّما بعد موجات الهجرة واللجوء التي رافقت الأزمة السورية.
- تربية الأطفال وتنشئتهم وتعليمهم هي مسؤولية مشتركة لكلٍّ من الرجل والمرأة والمجتمع ممثلاً بجهاز الدولة؛ ما يعني أنّ توفير دُوْر رعاية وحضانة الأطفال المجّانية، والتعليم المجّاني بكلّ مراحله، هو مسؤولية المجتمع- الدولة، وهو حقٌّ ينبغي تثبيته دستورياً وواقعياً.
رابعاً: الحزب
حزب الإرادة الشعبية يسعى إلى التحوُّل إلى الطليعة الواعية المنظَّمة للطبقة العاملة وسائر الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم في سورية.
وهو كحزبٍ يعمل على لعبِ دوره الوظيفي- التاريخي، هذا الدور الذي يعني تأكيد قدرته على التحكُّم الواعي بالعمليات الاقتصادية- الاجتماعية الجارية في البلاد وتوجيهها لمصلحة تلبية مصالح الجماهير الشعبية.
ويبني الحزب نشاطه على أساس مبادئ المركزية الديمقراطية، التي تعني أوسع ديمقراطية حين نقاش القرار قبل اتخاذه، وأعلى مركزية بعد اتخاذ القرار من أجل تنفيذه.
إنّ المركزية والديمقراطية هما وجهان لعمليّةٍ واحدة مترابطة ديالكتيكياً، وهذان الوجهان لا ينفيان بعضهما، بل يتطلّبان بعضَهما بعضاً، إنّ توسيعَ الديمقراطية الحزبية داخلياً هو الذي يعطي المركز القدرةَ على القيادة بأعلى مستوياتها انضباطاً ومركزيةً.
إنّ الحزب هو أداةٌ تنفيذ البرنامج السياسي، وهو ليس هدفاً بحدّ ذاته. مما يتطلّبُ الحرصَ عليه وبناءه والحفاظَ عليه وتطويرَه الدائم كي يستطيع أن يقوم بالدور المنوط به.
وهو إنْ كان مدعوّاً ليكون طليعةَ للجماهير الشعبية فهو ليس بديلاً عنها، فهو منظِّمُ نضالاتها الذي يقدِّم لها المثل والنموذج في التضحية ونكران الذات والشجاعة وتقديم مصالح المجتمع على كلّ المصالح الأخرى.
إنّ المركزية الديمقراطية في الظروف الملموسة لنشاط الحزب في البلاد تعني:
- وجود مركز واحد يقود الحزب على نطاق البلاد.
- التزام الأقلية بقرارات الأكثرية.
- التزام الهيئات الدنيا بقرارات الهيئات الأعلى.
- ديمقراطية انتخاب القيادات دورياً على مختلف المستويات.
إنّ أشكال تنظيم الحزب لصفوفه وهيئاته مرنة، وتخضع للظروف الملموسة، ويحدّدها النظام الداخلي، وهدفها تأمين أعلى فاعلية للحزب في المجتمع.
إنّ الحزب سيظلّ يسعى كي يكون الوريث الحقيقي والشرعي لكلّ نضالات الوطنيين والثوريّين في سورية خلال القرن العشرين، وهو استمرار لهذه النضالات التي قام بها عشرات الآلاف من المناضلين.
إنّ حزب الإرادة الشعبية سيستند إلى كلّ الإرث النضالي في تاريخ الشعب السوري مطوِّراً إيّاه للوصول إلى حزبٍ مبدئيّ ومرن، قويّ وذكيّ محافظٍ على المبادئ وقادرٍ على إبداع الحلول.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 0000