فرّق تسد!

فرّق تسد!

أن تدرس التاريخ لا يعني أبداً أن تقرأه كأنّه قصة أو حدث ينفصل عن حاضرنا، بل العكس تماماً؛ فدراسة التاريخ هي في أحد جوانبها محاولة لفهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة وأين يمكن أن تكون وجهتنا اللاحقة؛ فاليوم يبدو أن شرائح واسعة من السوريين، ورغم تقديرها لأبطال الاستقلال، إلا أنها لا تجتهد لفهم الدوافع العميقة لهم في النضالات التي خاضوها... بحيث يبدو رموز النضال ضد الاستعمار الفرنسي بوصفهم أبطالاً في قصص غابرة بدلاً من التعامل معهم على أنّهم أبناء هذا البلد أخذوا على عاتقهم مهمة صعبة وكانوا أهلاً لها.

ربما واحدة من أهم المسائل التي واجهت أبطال الاستقلال هي أن الاستعمار ونظراً لكونه يسعى للهيمنة على البلاد، كان يعمل على تفريق الناس وتشتيت رأيهم، فيستميل هذه الفئة تارةً، وفئة ثانية تارةً أخرى، ومع أن تفريق أبناء البلد كان أداة تقليدية استخدمها الاستعمار دائماً، ظهر أن الشعوب المستعمرة لا تعرف ما يعنيه ذلك حتى تختبره بشكلٍ مباشر؛ فمثلاً عندما بدأ النضال ضد الاستعمار في سورية ظهرت هذه المشكلة بوضوح، فهذا البلد شديد التنوع ورأى الفرنسيون في ذلك فرصة وحاولوا استغلال ذلك، ما تحوّل سريعاً إلى عقبة جدية في معركة الاستقلال، والحقيقة أن رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع» لم يكن في حينها نتاج نظرة استشرافية بقدر ما كان نتيجة تجربة ملموسة ومباشرة؛ فقادة الثورة السورية الكبرى، وكل المناضلين، كانوا مضطرين لإيجاد حلول إبداعية لكل المشاكل التي واجهتهم، وكانوا يرتكبون الأخطاء كغيرهم من البشر لكنّهم كانوا يملكون الشجاعة لمراجعة الأخطاء، فيوم قال رجالات الاستقلال: «الدين لله والوطن للجميع» كان السوريون قد دفعوا ثمن هذا الشعار دماءً قبل أن يعرفوا أنّه المخرج الصحيح، وتحول قبول هذا الطرح وتحويله لممارسة ملموسة معركة حقيقة يجب أن تخاض، وهذا ما يغيب عن أذهان كثيرين ربما ظنّوا أن شعاراً كهذا كان محط إجماعٍ عام وأن فهمه وقبوله كان سهلاً! لكن الواقع كان غير ذلك، ولم يتحول هذا الشعار إلى واقع عام إلا حين أدرك الجميع أن لا مخرج إلى عبر نبذ الطائفية وتوحيد جميع السوريين... وهو ما نحتاجه اليوم، وبشدة، مرة أخرى...

معلومات إضافية

العدد رقم:
0000