دفع الناس للموت عن سابق إصرار!
سعد خطار سعد خطار

دفع الناس للموت عن سابق إصرار!

تقدّم المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 رؤية موسّعة لما يمكن أن يعنيه أن يكون الإنسان إنساناً، وتؤكد أن للبشر «الحق في مستوى معيشي كافٍ لصحتهم ورفاههم»، ويشمل ذلك «الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية»، كما أن للبشر «الحق في الأمن»، ما يعني أن لهم الحق في التعويض عن أي نقصٍ في سبل العيش، بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم.

لم يتحقق شيء من هذه الرؤية، ولعل هذا هو السبب في وقوف الغالبية العظمى من مواطني العالم موقفاً لا يقيمُ وزناً للجمل الإنشائية والديباجات الطويلة حول حقوق الإنسان، والتي ظلت طوال العقود الماضية حبيسة الأوراق والوثائق، فيما كان الواقع على الأرض يشير إلى انتهاكاتٍ غير مسبوقة لحياة البشر وصحتهم؛ فما استطاعت الشعوب انتزاعه من مكتسبات حياتية جرى نهبها مجدداً- منذ القرن الماضي- عبر ما سمّي بعمليات التقشف التي خفضت إنفاق الأموال العامة على الصحة والرفاه، ودفعت إلى تحويل الحقوق الأساسية للبشر لتغدو سلعاً لا تزال خارج متناول الأغلبية الساحقة منهم.
وخلال الانتشار الكبير لفيروس كورونا في العالم، كثر الحديث عن «العمال الأساسيين»، أولئك الذين تبيّن أن عملهم ضروري جداً لمواصلة الحياة. ورفعت العديد من الشعارات التي تدعو إلى إصلاحات محددة لتحسين عمل هؤلاء، مثل: عدد ساعات عمل أقصر وظروف عمل أفضل وغير ذلك. ولكن، كما في الأزمات السابقة، من المرجح أن يُنسى كل ذلك بمجرد أن يُنظر إلى الأزمة على أنها انتهت. فالحكومات، وفي الغرب تحديداً، غير قادرة على تثبيت هذا النوع من الإصلاحات، ذلك أن أي إقرار لحقوق دائمة بالنسبة لعمال في قطاع ما، من شأنها أن تشكّل مثالاً غير مرغوب به للعمال في القطاعات الأخرى.

نقص الكوادر مرصود مسبقاً

في عام 2016، نظرت منظمة الصحة العالمية واللجنة رفيعة المستوى المعنية بالعمالة الصحية والنمو الاقتصادي التي أنشأها الأمين العام للأمم المتحدة في قطاع الرعاية الصحية العالمي، وخلصتا إلى أن «العمل على النحو المعتاد في القطاع الصحي لا يمكن أن يستمر». وكتب المفوضون أنه بحلول عام 2030، سيحتاج العالم إلى 40 مليون عامل إضافي في مجال الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وتوقعوا أن يكون هناك عجز بما لا يقل عن 18 مليون عامل صحي، معظمهم في الدول الأكثر فقراً في العالم. وبالطبع، كان ذلك قبل سنوات من اجتياح فيروس كورونا جميع أنحاء العالم.

«الفيروس X»

وفي شباط 2018، اجتمعت مجموعة من ثلاثين عالماً في مجال الأحياء المجهرية، وعلماء الحيوان، وخبراء الصحة العامة في مقر «منظمة الصحة العالمية» في جنيف. ووضعت هذه المجموعة قائمة للفيروسات الخطيرة التي لا يوجد لها لقاحات، ومنها «السارس» و«متلازمة الشرق الأوسط»، وواحد آخر أطلقوا عليه تسمية X. وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس المنتدى حول التهديدات الميكروبية، بيتر داسزاك، والذي كان حاضراً الاجتماع، أن فيروس كورونا «كوفيد19» يشبه إلى حدٍّ بعيد «الفيروس X» الذي «تنبأ به» العلماء في الاجتماع المذكور. وفي حديثٍ له أجراه في شهر نيسان الماضي مع صحيفة «نيويورك تايمز» يمكن الاطلاع عليه في النسخة الإلكترونية من هذه المادة، قال داسزاك إن «المشكلة لم تكن أن الوقاية (من الفيروس X) مستحيلة، بل كانت ممكنة جداً، لكننا لم نفعل ذلك. حيث اعتقدت الحكومات أن العملية مكلفة للغاية، وشركات الأدوية تعمل بهدف الربح».

تحذيرات إضافية ولامبالاة

بعد ذلك بعام، أي في أيلول 2019، حذر «مجلس رصد التأهب العالمي- Global Preparedness Monitoring Board»، الذي يتشارك في رئاسته كل من غرو بروندتلاند المديرة العامة السابقة لمنظمة الصحة العالمية، وآس سي الرئيس السابق للصليب الأحمر والهلال الأحمر، من أن «العالم غير مستعد للوباءات سريعة الحركة، والجوائح المسببة للأمراض التنفسية الخطيرة». وذهب المجلس إلى أبعد من ذلك، معلناً في تقريره: «لقد أصاب وباء الأنفلونزا العالمي عام 1918 ثلث سكان العالم، وقتل ما يصل إلى 50 مليون شخص، أي 2.8% من مجموع السكان. وإذا حدثت عدوى مماثلة اليوم مع عدد سكان أكبر بأربع مرات، ورحلات ممكنة إلى أي مكان في العالم خلال أقل من 36 ساعة، فقد يهلك ما بين 50 و80 مليون شخص. وبالإضافة إلى المستويات المأساوية للوفيات، يمكن أن يسبب هذا الوباء الذعر، ويزعزع الأمن القومي ويؤثر تأثيراً خطيراً على الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية»، ومرّة أخرى، صمّت الحكومات آذانها عن سماع ذلك.

ومرة أخرى، أكد المجلس في نهاية العام ذاته إنه «لا يمكن ترك الرعاية الصحية للسوق الحرة، لأن مثل هذا النموذج لن يسمح إلا للأثرياء بالحصول على الرعاية الصحية. وهناك حاجة ملحة إلى التمويل العام. إن خفض ميزانيات الصحة هو خطأ فادح».

على مدار السنوات الأربعين الماضية، أي منذ تصاعد وتيرة السياسات النيوليبرالية حول العالم، دفعت هذه السياسات إلى تآكل أنظمة الرعاية الصحية، من خلال خفض الإنفاق العام على الرعاية الصحية وزيادة الخصخصة في القطاع الطبي، وتخفيض عدد العاملين في هذا القطاع وخفض أجورهم ومعاشاتهم التقاعدية وضرب نقاباتهم، وزيادة مستوى تحكم الشركات الكبرى في القطاع الصحي. كل ذلك يدفع للقول إن المنظومة كانت على علم بموتنا المحتمل، وتجاهلته عن قصد، وربما أفضل ما قيل في هذا المجال جاء على لسان الرئيس الحالي لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبريسوس، الذي أكد أن «الصحة خيار سياسي».

معلومات إضافية

العدد رقم:
970
آخر تعديل على الخميس, 18 حزيران/يونيو 2020 14:32