مشروع وثيقة المهام البرنامجية

 وافقت هيئة رئاسة مؤتمر الشيوعيين السوريين على وثيقة المهام البرنامجية، وقررت إطلاقها للنقاش العام تحضيراً لجلسة المؤتمر القادمة، وهذا هو نصها:

■ يحدد الشيوعيون السوريون مهامهم البرنامجية من خلال رؤيتهم الطبقية المعبرة عن طبيعتهم التي تمثل مصالح الطبقة العاملة وسائر الشغيلة بسواعدهم وأدمغتهم، وهم خلال ذلك  يعتبرون الماركسية اللينينية مرجعيتهم الفكرية بعيداً عن  روح الجمود أو العدمية، ويبقى هدفهم الاستراتيجي بناء الاشتراكية.

  ■ تتحدد المهام البرنامجية الأساسية من خلال تحديد طبيعة المرحلة الراهنة التي تندمج فيها بشكل واضح المهام الوطنية والاقتصادية ـ الاجتماعية والديمقراطية.

  إن الميزة الأساسية لمفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية المعاصرة هي ما تنبأ به لينين من اندماج المهام الوطنية بالمهام الاجتماعية الأمر الذي أصبح اليوم شاملاً وكاملاً ونتيجة لذلك يصبح التناقض الأساسي بين الرأسمالية من جهة والتي تعبر عنها قوى العولمة المتوحشة في المراكز الإمبريالية والتي يعتبر الرأسمال المالي العالمي طليعتها اليوم وحلفائها المحليين وفي مقدمتهم البرجوازية الطفيلية وقوى الفساد الكبرى في الدولة والمجتمع، وبين كل القوى الاجتماعية من جهة أخرى، المتضررة منها ومن مخططاتها وطنياً واقتصادياً واجتماعياً وديمقراطياً.

  ■ العولمة المتوحشة التي تقودها الإمبريالية الأمريكية بمخططاتها الرامية لتصفية الاستقلال الوطني ونشر الليبرالية الجديدة في اقتصادات البلدان التي كانت قد تحررت من الاستعمار القديم، إنما تجعل النضال ضدها أي ضد الرأسمالية المعاصرة، له وجهان مترابطان: وجه وطني عام ووجه اقتصادي ـ اجتماعي وديمقراطي.

  ■ إن الهدف الرئيسي للإمبريالية الأمريكية في منطقتنا قد أعلن: وهو تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير بما يعنيه من إعادة نظر في البنية الجغرافية- السياسية للمنطقة وإثارة الصراعات القومية والدينية والطائفية ودفعها إلى الواجهة خدمة لهذا الهدف الذي تختفي وراءه المصالح المادية الطبقية الضيقة للإمبريالية الأمريكية بما يعنيه ذلك من سيطرة على منابع النفط في المنطقة التي تشكل القسم الأعظم من الاحتياطات العالمية، ويجري ذلك في ظل انهيار النظام الدولي الرسمي وكذلك العربي الرسمي.

 ■  وعلى أساس ذلك يصبح هدف الشيوعيين السوريين هو إحباط المخطط الإمبريالي الأمريكي المتوافق مع مصالح الصهيونية العالمية وصنيعتها إسرائيل والذي تتناغم معه بهذا القدر أو ذاك الأوساط الإمبريالية الأخرى.

  إن إحباط هذا المخطط يتطلب تعاون وتحالف جميع مكونات حركات التحرر الوطني في المنطقة المستهدفة بالتفتيت، ومعيار الانتماء لهذه الحركات في يومنا هذا هو الموقف النضالي الحقيقي المعادي لسياسات الإمبريالية الأمريكية وحلفائها المختلفين.

  وهذا الموقف النضالي الحقيقي يجب أن يستند لمفهوم المقاومة الشاملة الذي يعتبر رفع السلاح فيه بوجه الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل الصهيونية هو جزء فقط لا غير من ثقافة المقاومة التي أصبحت ممارستها أحياناً على الجبهات غير العسكرية أصعب وأعقد بكثير من الجبهة العسكرية نفسها.

 ■  إن حركات التحرر الأساسية في منطقتنا المستهدفة بمخطط الشرق الأوسط الكبير هي حركات التحرر الوطني العربية والإيرانية والكردية  والتركية والوضع القائم يتطلب من كل هؤلاء صياغة مشروع مواجهة متقدم وبديل يؤمن إفشال المخطط الأمريكي ـ الصهيوني التفتيتي، كما يؤمن حوار وتضامن وتعاون واتحاد شعوب المنطقة في هذا الشرق العظيم، مما يتطلب أن تجري صياغة متطورة لمفهوم الدولة الوطنية تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجارية، بشكل يحافظ على سيادة ووحدة الشعوب المعنية في مواجهة المخططات الخارجية والداخلية التي تستهدفها.

■   إن المقاومة الناجحة للمشروع الإمبريالي الأمريكي ـ الصهيوني على المستوى الداخلي تتطلب جملة من الشروط التي لابد من توفرها لتأمين الحد الأدنى المطلوب من متطلبات الصمود الذي لابد أن يعتمد بالدرجة الأولى على الجماهير الشعبية الواسعة صاحبة المصلحة الحقيقية في الحفاظ على سيادة الوطن ووحدته.

  إن النضال لتحقيق هذه الشروط هو مهمة برنامجية أمام الشيوعيين السوريين وهي:

  1- تعزيز وتعميق الوحدة الوطنية والوصول بها إلى وضع تصبح فيه لا رجعة عنها.

  2- إطلاق الحريات السياسية وإشاعة الديمقراطية بما يؤمن تحقيق أوسع وحدة وطنية.

  3- ضرب مواقع الفساد الكبرى وآلياته وإعادة توزيع الدخل بشكل عادل ينعكس على الأجور إيجابياً لكي تتناسب مع ضرورات المعيشة.

   إن تحقيق هذه الشروط سيفتح المجال للسير إلى الأمام باتجاه صياغة دور جديد للدولة تنموي عقلاني منفتح على المجتمع بعيدا عن الدور القديم الوصائي المتخلف عن حاجات الواقع ودون الوقوع في مطب الليبرالية الجديدة التي تنادي بدولة لا دور لها.

  إن الملامح العامة للدور الجديد للدولة ترتسم عبر تحقيق الأهداف التالية:

  * تحقيق نسب نمو عالية تؤمن دوراً اقتصادياً فعالاً لسورية في محيطها وتضع الأسس الحقيقية لحل مستمر لمشكلة مستوى المعيشة والبطالة.

  * تحقيق مستوى عال من العدالة الاجتماعية الأمر الذي لا يمكن الوصول إليه في ظروفنا إلا باجتثاث الفساد الكبير من جذوره مما سيخلق الظرف المناسب لإزالة الفساد كظاهرة بشكل عام.

  * رقابة عالية من المجتمع على جهاز الدولة، ومشاركة فعالة له في صياغة قراراته الإستراتيجية التي تؤثر على التطور العام.

■   كما أن تحقيق هذه الشروط يفتح الإمكانية لإزالة الهوة بين الحركة السياسية القائمة حالياً وبين المجتمع. هذه الهوة التي تمنع مكونات الحركة السياسية من قوى وأحزاب مختلفة من لعب دورها الوظيفي.

  لقد تردى وضع الحركة السياسية وأحزابها خلال العقود الماضية بسبب ابتعادها فعلياً عن تحقيق أو على الأقل التعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي من المفروض أن تمثلها لأسباب موضوعية مرتبطة بالظرف الديمقراطي العام الذي تخلف عن حاجات الواقع كثيراً، ولأسباب ذاتية مرتبطة بها. إن استعادة الحركة السياسية لدورها هو الأمر الذي يجب أن تعمل عليه جدياً عبر إعادة النظر ببرامجها وخطابها وممارستها.

■   إن استعادة الشيوعيين السوريين لدورهم الوظيفي التاريخي هي مهمة كبرى أمامهم وهي تعني ضرورة استعادة دورهم الفكري ـ المعرفي، والسياسي ـ العملي، والتنظيمي ـ الجماهيري. والطريق الأساسية لتحقيق ذلك هي عبر العودة إلى الجماهير وتحقيق وحدة الشيوعيين السوريين.

■   إن العودة إلى الجماهير تعني بالنسبة إلى الشيوعيين السوريين التطوير والصقل المستمر لرؤيتهم وخطابهم وممارستهم.

  فالرؤية الشاملة تسمح بتحديد المصالح الآنية والبعيدة المدى للطبقة العاملة وسائر الشغيلة بسواعدهم وأدمغتهم وعلى كافة المستويات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية. كما تسمح بتحديد اتجاه تطور هذه المصالح ومصالح الفئات الأخرى لاستشفاف التناقضات ومنحى الصراعات ومآلها وكيفية خوضها والتحكم بها.

  وبما أن الخطاب هو الحامل الرئيسي للرؤية، فعلى صوابه ودقته يتوقف الكثير في نجاح عملية العودة إلى الجماهير، إن الصلة الحية بالجماهير والإعلام هي الحوامل الأساسية للخطاب والاعتناء بها هي مهمة كبرى.

  كما أن جوهر الممارسة يعني ربط القول بالفعل عبر إيجاد الأشكال الملموسة لتحديد وصياغة وتحقيق مطالب الطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين وصغار الكسبة، الأمر الذي يتطلب الارتباط الوثيق بها والالتصاق الدائم بالجماهير الشعبية في أماكن وجودها.

■   ويبين الواقع أن تحقيق وحدة الشيوعيين السوريين هي مهمة كبرى مرتبطة بتغيير المناخ السياسي العام وانتقال الحركة إلى حالة الصعود وبدء العمل على استعادة الدور الوظيفي للشيوعيين السوريين وهذا أمر ممكن حيث يتلاقى الهدف مع ضرورة الواقع الموضوعي.

  والقوة الفاعلة الوحيدة القادرة على تحقيق هذه المهمة هي جمهور الشيوعيين أنفسهم دون شروط مسبقة من أحد ودون وصاية من أي طرف، على أساس الحوار الشامل على كل المستويات وعلى أساس تحقيق الوحدة من تحت إلى فوق مما يضمن سلطة القواعد الحزبية في هذه العملية.

■   إن استعادة الشيوعيين السوريين لدورهم الوظيفي، سيكون جزءاً من عملية شاملة ألا وهي استعادة الحركة الثورية العالمية لزمام المبادرة وانتقالها إلى مواقع الهجوم في ظل انفتاح الأفق التاريخي أمامها وانسداده  أمام عدوها التاريخي الذي يعاني من أزمة مستعصية على كل الجبهات وتعبر عنها حروبه الخارجية التي دخلت في مأزق لا مخرج منه. 

 

  إن هذه العملية التاريخية ستسمح بإعادة صياغة دور الحركة الشيوعية العالمية الأمر الذي يتطلب العمل لإيجاد الأشكال التنسيقية وحتى التنظيمية لعملها المقبل.