الافتتاحية: حول الحوار.. مرةً أخرى

كيفما تحدثنا عن الأزمة الوطنية العميقة التي تعيشها سورية، لا نجد مفراً من الحديث مرةً أخرى عن أن الحوار الوطني الشامل «هو الطريق الوحيد الذي يوصل البلاد إلى إنهاء الأزمة» التي تعصف بالبلاد منذ أشهر، وهذا ما جاء في صدارة البنود الثمانية عشر التي تضمنها البيان الختامي للقاء التشاوري للحوار الوطني الذي انعقد في دمشق ما بين 15 و18 تموز الفائت.

وكان مطلوباً أن يمهد ذلك اللقاء وما تمخض عنه من نتائج لانعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل دون إبطاء لإقرار مواضيع الإصلاح الجذري الشامل سياسياً واقتصادياً وديمقراطياً كمخرج وحيد وآمن من الأزمة يجنبنا المزيد من إراقة الدم السوري، ويعزز الوحدة الوطنية، ويمنع كل سيناريوهات استدراج التدخل الخارجي، وبالتالي يفتح الأفق لانبثاق بنية سياسية جديدة أصبحت ضرورةً وطنيةً عليا لا تقبل التأجيل لما في ذلك من مخاطر جدية على وحدة الوطن أرضاً وشعباً.

لقد خسرنا زمناً غالياً جداً ما بين انتهاء اللقاء التشاوري وحتى هذه اللحظة، سواء من حيث تفاقم الأزمة في الداخل أو من حيث اتساع مخاطر التدخل الخارجي من قوى الإمبريالية والصهيونية وأدواتهما في المنطقة ومن يؤيدهما في الداخل من قوى الفساد والطائفية من كل شاكلة ولون بهدف إغلاق أية إمكانية لتحقيق المخرج الآمن من الأزمة الوطنية العميقة التي تعصف بالبلاد.

وإذا استطاعت تلك القوى المعادية للحوار أن تبقي الأقنية مقفلة بين الدولة والمجتمع حفاظاً على مكاسبها الضيقة، واستمرار توليد البيئة المناسبة لتوسيع دائرة العنف وإراقة الدماء، فالمطلوب عدم الاستسلام بل العودة بشكل جدي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اللقاء التشاوري والتحضير الجدي والسريع لعقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل من حيث آليات تشكيله والقوى التي ستشارك فيه ومواضيع الحوار، وصولاً إلى النتائج المتوخاة وأهمها صياغة وإقرار دستور جديد والاتفاق على قوانين الأحزاب والانتخابات والإعلام بالإضافة إلى إقرار التوجه الاقتصادي- الاجتماعي الذي يسمح بتحقيق أعمق عدالة اجتماعية وأعلى نسب نمو، ويعيد توزيع الثروة بين الأغنياء والفقراء ويضع حداً لهيمنة قلة من طواغيت المال التي تستأثر بثروة البلاد ومقدرات الغالبية الساحقة من جماهير الشعب.

وهذا يتطلب إقامة حكومة وحدة وطنية فعلية قادرة على تنفيذ مقررات المؤتمر الوطني المنشود.

لقد أكدنا مراراً أن الحوار هو حالة صراع سلمي- حضاري يجب أن يفضي إلى إعادة رسم الخارطة السياسية بين كل مكونات المجتمع السوري، ومن يرفض هذا التفسير لابد أن لديه أجندة مغايرة تصب في هاوية الصراع الدموي واستدراج البلاد إلى الحرب الأهلية وتدمير الدولة الوطنية، وهذا هو جوهر المخططات العدوانية لأعداء الخارج وعملائهم في الداخل.

إن حجم التآمر العالمي على سورية الذي له تداعيات إقليمية وعالمية، يتطلب الاستقواء بالداخل وتعزيز الوحدة الوطنية وكل من يستهين بذلك هو فعلياً من يستقوي بالخارج ويخلق المناخ لاستدراج التدخل الخارجي، والذي لا هدف له سوى تفتيت سورية أرضاً وشعباً وهذا ما رأيناه في أفغانستان والعراق وفي ليبيا.

عندما نؤكد على ضرورة الإصلاح الجذري الشامل قبل فوات الأوان ليس هناك مفر من محاسبة الحكومات السابقة لما ارتكبته بحق الشعب، والتي خلقت الأرضية والمناخ لما نحن فيه، وتأتي ضرورة محاسبة قوى الفساد الكبرى لأنها تلعب دوراً رئيسياً في منع الإصلاح وتوجيه الصراع نحو الفتنة الطائفية ومنع أي حوار جدي حقيقي بين مكونات المجتمع، يسمح بخفض منسوب التوتر ويقمع إراقة الدماء ويسمح بخلق بنية سياسية جديدة في البلاد، تصون كرامة الوطن والمواطن، وتضع قضية تحرير الجولان أمام الشعب كقضية وطنية جامعة تنقلنا من مخاطر الفتنة الطائفية إلى معركة وطنية كبرى يكون فيها للشعب الدور الرئيسي في خيار المقاومة الشعبية الشاملة ضد العدو الصهيوني، وفي ذلك تأمين لكرامة الوطن والمواطن.

آخر تعديل على الثلاثاء, 25 تشرين1/أكتوير 2016 11:38