تهيئة مناخ الحوار الوطني..

وضع الخطاب الرسمي السوري حل الأزمة الراهنة في سلة الحوار، وجعله المنفذ الوحيد نحو سورية جديدة، وهو أمر جيد من حيث المبدأ، ولكن لكي لا تتحول هذه الصيغة إلى تسويف لمشكلة تتفاقم وتكبر يوماً بعد يوم، فإن خطوات عاجلة وحاسمة يجب أن تتخذ لكي تضمن اتجاه الحوار المزمع عقده، وتتلخص هذه الخطوات –على ما أعتقد- بما يلي:

معالجة أزمة الثقة

حتى يقتنع الناس بفاعلية الحوار وجديته، فإنهم لن ينتظروا حتى ينتهي ومن ثم حتى تظهر نتائجه على الأرض، ولهم في ذلك كل الحق فقد عانوا ما عانوه خلال سنوات طويلة من الممارسات الأمنية، التي أفرغت كل محاولات الإصلاح السابقة من مضمونها، وعانوا من تلك الممارسات بشكل خاص في الفترة الأخيرة خلال احتجاجاتهم التي جاءت سلمية في كثير من المناطق، ورغم ذلك، تم التعامل معها بالعنف المادي الملموس على التوازي مع عنف سياسي تمثل قبل كل شيء بتقديم الإعلام الرسمي لرأي الأجهزة الأمنية في المظاهرات وفي المتظاهرين محمولاً على ألسنة أناس يتصلون أو تؤخذ منهم التصريحات ويصفون المتظاهرين بالخونة والعملاء والمخربين في الوقت نفسه الذي تحدث فيه رئيس الجمهورية عن مشروعية مطالب المتظاهرين، لذا فإن الحديث عن الحوار لا يمكن أن يستوي دون التراجع عن لهجة التخوين والإقصاء، ودون محاسبة علنية وسريعة لرموز التخريب الحقيقية والتي ثبت تورطها في إدماء الحركة الشعبية، يضاف إلى ذلك ضرورة محاسبة الحكومة السابقة وفي المقدمة الفريق الاقتصادي، وعلى الأقل الحجز على ملكيات شخوصها ومنعهم من السفر إلى حين البت في أمرهم، بذلك فإن الناس سيتوجهون – حسب ما أعتقد - بكل رضى ومسؤولية إلى طاولة حوار وطني يثقون أنها مستديرة حقاً..
 
احتضان الحركة الشعبية

كل حوار هو صراع، والفرق أن الحوار هو أكثر أنواع الصراع إنسانية ووطنية فيما يخص وضع سورية، وهو صراع لأن الناس الذين يتظاهرون - وهنا ليس المقصود العناصر المسلحة والمدانة - بل عن أناس غاضبين لأن حقوقاً لهم قد سحبت منهم، ولن يرضوا بغير عودتها، وهنالك من سيضطر إلى التنازل عن النهب الذي قام به وهذا الأخير لن يتنازل بسهولة، ولذا فإن لأصحاب الحقوق سيفاً يجب أن يظل مسلطاً على رقاب الفاسدين، وتقديم الحوار بديلاً عن التظاهر هو تجريد لهؤلاء من سيفهم، ولن يكون هذا في مصلحة سورية، فالفاسدون باعوا القطاع العام ورفعوا الدعم عن أهم المواد وصالوا وجالوا طولاً وعرضاً حين غاب سيف الحق عن رقابهم وحين حمتهم ارتباطاتهم بقسم من الأجهزة الأمنية، ولذا فإن كل وطني في جهاز الدولة يريد تطهير هذا الجهاز من الفساد والاختراقات التي ليست إلا استمراراً لعبد الحليم خدام وأمثاله، كل وطني في جهاز الدولة يريد مصلحة سورية يجب أن يدافع عن استمرار الحركة الشعبية وعن سلميتها وألا يألو جهداً في مساعدتها على تنظيم نفسها وفرز قياداتها الحقيقية لأنها، أي الحركة الشعبية، الضامن الأساسي لمستقبل سورية، وفي هذا السياق يجب كف يد الأجهزة الأمنية نهائياً عن التعامل مع الحركة بأي شكل كان، وإعطاء الجيش هذه الصلاحية مع مهمة واضحة هي حماية المظاهرات من المسلحين المتسلقين عليها من داخلها إن وجدوا، ومن تدخل الأجهزة الأمنية وأزلامها وشبيحتها..
بهذا فقط وليس بغيره يمكن للحوار أن يكون وطنياً حقاً، ويمكن أن يكون منفذاً وخلاصاً وباباً نحو مستقبل مشرق لسورية..