افتتاحية قاسيون 530: حكومة الوحدة الوطنية والتعبئة الشعبية

افتتاحية قاسيون 530: حكومة الوحدة الوطنية والتعبئة الشعبية

التصعيد الميليشياتي الطائفي الدموي في المنطقة الوسطى بسورية، المتسربة أخباره عبر فلاتر وقطّارات وانتقائيات الإعلام الرسمي السوري، يكشف الهدف المرحلي منه والمتمثل بالتمهيد لإقامة «مناطق عازلة» و«ممرات إنسانية» في تلك المنطقة بحكم «الأمر الواقع» بعد فشل الجامعة العربية ومن لف لفها في إقامة تلك المناطق «قانونياً»، أي عبر سلسلة القرارات والعقوبات المتخذة بحق سورية تحت يافطات تتناقض والقرارات ذاتها، وفي مقدمتها تسهيل الوصول إلى حلول سياسية للأزمة المستعصية في البلاد.

 

وقد جاءت الموافقة السورية على التعديلات الجزائرية على ورقة عمل الجامعة العربية لتوقع الأخيرة مرة أخرى في «حيص بيص»، وتترك أمينها العام مكتفياً حتى الآن بإصدار بيان صحفي عمومي الطابع وأحادي الرواية عن مجريات الأوضاع الميدانية في المناطق الوسطى ذاتها من سورية بهدف الوصول إلى الغاية ذاتها، أي إبقاء حالة الاستعصاء والاستنزاف الداخلي في سورية، أرضاً وشعباً واقتصاداً.

ومن هنا تأتي أهمية الموقف الروسي الذي أعرب عن استعداد موسكو «لإرسال مراقبين إلى سورية بناءً على طلبها» بهدف أن يبقى التدخل العسكري المباشر بسورية بعيداً أكثر فأكثر، بمعنى محاولة ضربها لأخذها منفردة، دون أن يلغي ذلك احتمال اندلاع نزاع عسكري كبير في المنطقة تكون سورية طرفاً وهدفاً فيه بآن معاً، ولكنه في تلك الحالة سيصعّب المهمة على الأمريكيين وحلفائهم كونه ينقل المسألة إلى رهان قوام إحداثياته صراع إقليمي- عالمي واسع، وليس داخلياً- إقليمياً محدوداً.

وسواء اقتصر الأمر على المناطق العازلة أم مناطق حظر الطيران، أم وصل إلى العمل العسكري بحديه المحدود أم الموسع، فإنه بكل تجلياته يتعلق بالسيادة الوطنية السورية ووحدة الأراضي السورية والشعب السوري وحقن دماء أبنائه والحفاظ على ما تبقى من ثرواته غير المنهوبة داخلياً أو استثمارياً خارجياً، أي جملة الخطوط الحمراء التي دونها لا يكون شعب ولا بلد ولا تغيير ثوري ديمقراطي حقيقي، ولا أي نظام حالي أو لاحق، أياً تكن قوة وجبروت أجهزته التي أثبتت أن أخطاءها ومنطقها الميداني والإعلامي في معالجة الأزمة في بداياتها، شكلت البيئة الحاضنة لحالات الاستقواء والنزيف والاستعصاء الحالية.

إن جملة هذه المعطيات هي ما تدفع على رأس قائمة الضرورات والأولويات السورية الفورية مسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة الصلاحيات، قوامها القوى النظيفة داخل البلاد، وبرنامجها الدفاع عن الوطن، وحماية الوحدة الوطنية، وأداتها تجنيد الجماهير تحت لوائها بوصفهم الحرس الشعبي الوحيد للدفاع عن الحدود والوحدة الوطنية، بهدف اجتثاث كل الميليشيات المسلحة من جذورها، ومواجهة العدوان الخارجي.

ويمر ذلك حكماً بإحداث الانعطاف المطلوب باتجاه تأسيس النموذج الاقتصادي الجديد عبر وضع برنامج اقتصادي ـ اجتماعي ـ ديمقراطي ثوري، يجتث قوى الفساد الكبرى، ويخفف وطأة الحصار الاقتصادي، ويعيد هيكلة العلاقات الاقتصادية الخارجية، بالتوافق مع متطلبات المعركة الوطنية الحالية التي تخوضها سورية، بما فيها إطلاق الحوار الوطني الشامل بقيادة وإشراف تلك الحكومة لإنجاز كل الإصلاحات المستحقة، المتأخر منها والقائم، وفي كل المجالات، بما يعيد ثقة المواطن بدولته، ويؤمن حريته وأمنه وكرامته في وطنه، بكلمته ولقمته، بهدف لأم الجروح الاجتماعية في النسيج الوطني السوري وإعادة تشكيل الفضاء السياسي السوري، لينفصل فيه الخيط الأبيض عن الأسود تجاه تبديد كل الثنائيات الوهمية التي مهدت للأزمة الحالية ولا تزال تفعل فعلها فيها، وخاصة لجهة تحديد الثوريين الحقيقيين من غيرهم، وتحديد أصدقاء سورية والشعب السوري، ليبقى الهدف النهائي من ذلك كله إعادة إعلاء كرامة الوطن والمواطن أولاً.