السيادة الرقمية كعاملٍ حاسم في السيادة السياسية والاقتصادية
تُعرَّف السيادة الرقمية بأنها قدرة الدولة على ممارسة سلطتها الكاملة على فضاءها الرقمي، بما يشمل البيانات، والبنية التحتية التقنية، والتشريعات السيبرانية. وتهدف إلى حماية الأمن الوطني، وخصوصية المواطنين، واستقلالية القرار الرقمي عن الهيمنة الخارجية. وتتجسد السيادة الرقمية في سَنّ قوانين وطنية للبيانات، وتطوير منصات وطنية، وردع الهجمات الإلكترونية. وهي ليست عزلاً تقنياً، بل موازنة بين الانفتاح على العالَم وحماية المصالح الوطنية الحيوية، مع تعزيز الابتكار المحلي وبناء شراكات عادلة تقوم على الاحترام المتبادل في الفضاء الرقمي الدولي.
ميغيل ستيديل
إنَّ غياب أو ضعف السيادة الرقمية يتحول في عالمنا اليوم إلى بوابة لانتهاكات أخرى للسيادة، وخاصة السيادة السياسية. حيث أصبحت القدرة على التلاعب بتدفق المعلومات والسيطرة على الروايات وزعزعة استقرار المجتمعات والدول من خلال الوسائل الرقمية سلاحاً أساسياً في الترسانة المعاصرة.
وخلال العقد الماضي برزت السيادة الرقمية لا كنقاش تقني بحت حول البنية التحتية للشبكات، بل كركيزة أساسية للاستقلال السياسي والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. إنها قضية تشمل جميع أبعاد الحياة الاجتماعية: من تنظيم العمل إلى الأمن القومي، ومن التعليم العام إلى إمكانية تقرير المصير.
نظرية التبعية الماركسية
ما نراه اليوم في الجنوب العالمي هو عودة ظهور بنى القهر القديمة في بيئة افتراضية. ولفهم هذه الديناميكية، من المفيد استخدام الأدوات التحليلية لنظرية التبعية التي صاغها مفكرون ماركسيون مثل روي ماريني، وثيوتونيو دوس سانتوس، وفانيا بامبيرا، والتي توضح كيف أن الاستعمار الرقمي هو التحديث التاريخي لحالتنا الطرفية والتابعة في التقسيم الدولي للعمل.
وتُعدُّ هذه النظرية أداة قوية لتحليل حالة الأطراف الرأسمالية في ظل الليبرالية الجديدة ولفهم الأشكال الجديدة من الاستغلال المفرط للعمل، مثل اقتصاد المِنصّات وتمديد ساعات العمل. تطوّر هذا التيار النظري في أمريكا اللاتينية في خضم النضالات المناهضة للإمبريالية في الستينيات والسبعينيات، ويقدم مقولات تحليلية تسمح بفهم خصوصيات الرأسمالية الطرفية دون اللجوء إلى التفسيرات التي تقتصر على «جَلد الذات» وتتجاهل السياق العالمي للاستغلال الإمبريالـي.
استباحة البيانات في سياق التبادل اللامتكافئ
يشير مفهوم تحويل القيمة نحو المركز الرأسمالي إلى الآليات التي يتم من خلالها نهب المركز الإمبريالي أو الدول الرأسمالية الكبرى لجزء هام من القيمة المنتجة في بلدان الأطراف من خلال التبادل غير المتكافئ. حيث يتم نقل المراحل الدنيا من الإنتاج الصناعي إلى البلدان التابعة، في حين يتم حجز المراحل الأكثر تقدماً ذات التكنولوجيا الكثيفة إلى المراكز الإمبريالية. وغالباً ما تقوم البرجوازيات المحلية بشكل منهجي باستيراد التكنولوجيا الجاهزة على حساب تطوير القدرات الوطنية.
تعتبر هذه المفاهيم أساسية لفهم أن وراء المناقشات المعاصرة حول السيادة والتنمية الرقمية تكمن التحديثات التاريخية لآليات التبعية. فالمراحل المتقدمة الكثيفة تكنولوجياً، مثل تطوير الخوارزميات وإنشاء نماذج الذكاء الاصطناعي والتحكم في المنصات، محجوزة عادةً لصالح المركز الإمبريالي (إذا استثنينا التمرُّد الصيني على هذا الاحتكار - المُعرِّب)، بينما تُترَك إلى بلدان الأطراف المراحل الدنيا، مثل معالجة البيانات والإشراف على المحتوى وصيانة البنية التحتية الأساسية.
كان تحويل القيمة في الماضي يحدث في المقام الأول من خلال التبادل غير المتكافئ للمواد الخام والسلع المصنَّعة، أمّا اليوم فهو يمتد إلى تدفقات البيانات ودفع «إتاوات» التكنولوجيا. حالياً، يوفر الجنوب العالمي المواد الخام الأساسية للاقتصاد الرقمي بطريقتين: أولاً، في الشكل المادي للسلع الطبيعية المشتركة التي تعتبر ضرورية لعمل هذه البنية التحتية، كالطاقة الشمسية والكهرومائية، والمعادن مثل الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة. وثانياً، البيانات الكبيرة (البيغ داتا Big Data) بوصفها من أهم السلع الرأسمالية المعاصرة، التي يتم استخراجها (والتنقيب عنها) بكميات هائلة من سكان العالَم وخاصةً من دول الأطراف، دون تعويض.
وفي حين تركز وكالات الاستخبارات الأمريكية والشركات الكبرى مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت على البنية الأساسية السحابية ونماذج اللغات الكبيرة، يصبح الجنوب العالمي مستهلِكاً سلبياً للتكنولوجيا التي تم تطويرها وفقاً لمصالحَ وقيمٍ غربيّة. تهيمن تطبيقات التواصل والاجتماعات الإلكترونية الشهيرة التي تقدمها هذه الشركات حتى على الاجتماعات الحكومية، كما ويتم تخزين ملفّات الجامعات والكلّيات وبيانات المواطنين الحسّاسة في مساحات التخزين السّحابي الأجنبية، وتخضع للتشريعات والمصالح الاستراتيجية للقوى الأجنبية. ويضمن هذا التكوين تدفقاً مستمراً لرأس المال من الأطراف إلى المركز من خلال التحكم بالتراخيص وانتزاع حصص هامّة من القيمة الزائدة المُنتَجة محلّياً.
علاوة على ذلك، يعوّض رأس المال في البلدان الطرفية عن فقدان القيمة في التجارة الدولية من خلال زيادة استغلال القوى العاملة المحلّية، عبر زيادة كثافة العمل وتطويل ساعات العمل. في العصر الرقمي، يتجلّى هذا في عملية تحويل كثير من الأعمال والخدمات إلى منصّات رقمية (Platformization) تسيطر عليها خوارزميات (سرّية أو مبهمة غالباً) وو مقرّها في الشمال العالمي، وتصمَّم لزيادة استغلال العمال وتقليل الضمانات الاجتماعية، وتحويل الاستغلال المفرط إلى صندوق تراكم لرأس المال الدولي. مثلاً، يقوم عمال التطبيقات في البرازيل أو المكسيك أو الهند بتوليد القيمة ثم تستولي عليها الشركات الموجودة في كاليفورنيا، مما يؤدي إلى إدامة الدورة التاريخية لنهب الثروة.
وجدت هذه الظروف أرضاً خصبة لتكثيف سياسات التبعية، وخاصةً عبر تطبيق السياسات النيوليبرالية على مدى العقود الخمسة الماضية، والتي أدت إلى تراجع التصنيع والاستقلال الاقتصادي-السياسي في معظم الجنوب العالمي وأضرّت بإمكانية استقلال الحكومات والبلدان. تجلّت النيوليبرالية على ثلاث جبهات مترابطة: خصخصة شركات التكنولوجيا المملوكة للدولة، وتقليص الاستثمار في البحث والتطوير، وتحويل القوة الشرائية للدولة إلى «حلول الدفع» التي تقدمها شركات التكنولوجيا الأمريكية والغربية الكبرى.
مسارات نحو السيادة الرقمية
جزء من الحل على المدى الطويل من أجل السيادة الرقمية في الجنوب العالمي قد يتحقق من خلال زيادة الاستثمار في التعليم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتشجيع الإبداع الجماعي المحلّي، وإنشاء شركات مملوكة للدولة قادرة على تنفيذ استراتيجيات التنمية الوطنية. إن تطوير البنية التحتية للبيانات العامة، وتدريب الموظفين الفنيين الملتزمين بالمشاريع الوطنية، وتعزيز الجامعات ومراكز البحوث، هي شروط ضرورية لتحقيق أي تقدم كبير.
مع ذلك، لا يمكن إنجاز تنمية سيادية في ظل الرأسمالية التابعة دون تغيير بنيوي. فالسياسات التنظيمية المعزولة أو مجرد الحوافز القطّاعية غير كافية. هناك حاجة إلى مشروع وطني وشعبي في كلّ بلد، مشروع يواجه خضوع
البرجوازية المحلية المرتبطة تاريخياً برأس المال الأجنبي والسلسلة الإمبريالية بأكملها التي تدعم الاستغلال. ويصدق هذا بشكل خاص لأنّ المرحلة الحالية من الرأسمالية تجمع بين الأَمولة والنزعة العسكرية والتكنولوجيا في تكوينٍ يعمل على تكثيف الاستغلال ومفاقمة تناقضات النظام. ويمكن تعبئة هذه التناقضات في النضال ضد هذا الشكل السياسي الناشئ.
وفي هذا الصدد، من الاستراتيجي إنشاء آليات وأدوات للتعاون فيما بين بلدان الجنوب، ليس على المستوى الحكومي فقط، بل كذلك بين الحركات الاجتماعية والجامعات والمنظمات الشعبية، باعتباره طريقاً لبناء الاستقلال والسيادة والتنمية المستقلة. إن الجهود التعاونية التي تنطوي على تبادل القواعد والأبحاث والباحثين والمؤسسات هي السبيل الوحيد لمنع إنشاء معايير مهيمنة وقمعية.
لقد أصبحت السيادة الرقمية مرتبطة بالضرورة بالنضال السياسي في عصرنا، ولا ينتهي الأمر بالحصول على «شيفرة المصدر»، بل يمتد إلى الدفاع عن العمل والاقتصاد والديمقراطية نفسها ضد الأشكال الجديدة من التدخُّلات الإمبريالية. ودون السيطرة على الأدوات التي تشكّل الواقع الاجتماعي والاقتصادي، سيظلّ الجنوب العالمي محاصراً في دائرة من التبعية. ومع ذلك، يُظهر التاريخ أنّ الشعوب وجدت دائماً طرقاً لمقاومة الاستعمار وإبداع البدائل، ويعد النضال من أجل السيادة الرقمية فصلاً آخر في هذا المسار.
ميغيل إنريكي ستيديل: دكتور في التاريخ من جامعة «ريو غراندي دو سول» الفيدرالية في البرازيل، وباحث في معهد «تريكونتيننتال».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287