زلزال فنزويلا... صمود شعبي رغم العقوبات الأمريكية الإجرامية

زلزال فنزويلا... صمود شعبي رغم العقوبات الأمريكية الإجرامية

لا يمكن فصل آثار الكوارث الطبيعية عن الظروف السياسية والاقتصادية التي تحدث في ظلها. فبينما يواجه الشعب الفنزويلي مأساة كبيرة منذ ضربها الزلزال العنيف في 24 حزيران 2026، وبينما تواصل العائلات البحث عن ذويها تحت مئات المباني المنهارة والمستشفيات والطرق والجسور وغيرها من البنية التحتية العامة، وبينما يكافح عمال الإنقاذ ضد الأمطار والهزات الارتدادية وصعوبة طرق الوصول، تستمر الولايات المتحدة الأمريكية بسياستها العدوانية وعقوباتها ضد الشعب الفنزويلي، وهي التي قصفت كراكاس واختطفت مادورو وزوجته منذ أشهر، وتستغل اليوم الكارثة من أجل مزيد من التحريض والدعاية ضد البلاد التي حاولت عدم الإذعان لواشنطن وبرامجها الاقتصادية والسياسية.

فيجاي برشاد


كتب فيجاي برشاد، مدير معهد «ترايكونتيننتال» أنّ تشديد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في عام 2017 أدى إلى الهجرة والاستنزاف العميق للعمال من الخدمات العامة الرئيسية في فنزويلا. وذكرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة ألينا دوهان أنه بحلول عام 2021، فقدت الخدمات العامة في فنزويلا ما بين 30% إلى 50% من موظفيها، بما في ذلك العديد من الأطباء والممرضين والمهندسين والمعلّمين والقضاة وغيرهم من المهنيين المهرة، وأفادت العديد من المستشفيات العامة أن ما بين 50% إلى 70% من الوظائف المتخصصة كانت شاغرة. أدت هذه الخسارة في عدد الموظفين إلى إضعاف قدرة البلاد على مواجهة الطوارئ، فقد انخفض عدد العمال المدربين، وألقيت أعباء العمل على المتبقين، وأصبحت الخدمات العامة أقل قدرة على الاستجابة عند وقوع الكوارث.
يرتفع عدد القتلى كل يوم بينما يقوم المستجيبون الأوائل والمتطوعون بغربلة الأنقاض، ولا يزال عشرات الآلاف في عداد المفقودين. في حين أجبر الانهيار الجزئي لمطار كاراكاس فرق الإنقاذ الدولية على الوصول عبر مطارات أبعد ثم السفر براً. دخلت فنزويلا هذه الكارثة وهي تحمل عبئا إضافيا لم تشهده سوى دول قليلة على هذا النطاق: سنوات من الحرب الاقتصادية والتدابير القسرية الأحادية فرضت بشكل رئيسي من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. وقد جمّدت هذه العقوبات أكثر من 30 مليار دولار من أصول الشعب الفنزويلي التي كان من الممكن أن تعزز استعداد البلاد للكوارث، وتحديث البنية التحتية، وتمويل احتياطيات الطوارئ. لقد قيدت العقوبات الأمريكية والغربية بشدة قدرة البلاد على شراء معدات الإنقاذ المتخصصة، والآلات الثقيلة، والأدوية، وقطع الغيار، ومواد البناء، ودفعت بالهجرة الجماعية.


واشنطن تدّعي أنّ الحكومة الفنزويلية تمنع الإغاثة


رغم الإجراءات الاقتصادية والعسكرية العدوانية من جانب واشنطن، فإن فنزويلا لم تقبل أن تظلّ ضحية عاجزة. وعلى الرغم من الخسائر المدمرة التي لحقت بحياة البشر، كانت البلاد قد بدأت في التعافي ببطء. فبعد انكماش بنسبة 75% في الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2013 و2021، عاد الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا للارتفاع بنحو 9% في عام 2024. وانتقلت من استيراد أكثر من 70% من إمداداتها الغذائية في عام 2017 إلى إنتاج 96% منها محلياً بحلول آذار 2026. ورغم انخفاض عائدات النفط من 93 مليار دولار في عام 2012 إلى 4.2 مليار دولار في عام 2020 شهد بعض التعافي إلى نحو 18 مليار دولار في السنوات الأخيرة. لم تكن الحياة خالية من تحديات كبيرة، ولم تعد البلاد إلى مستويات ما قبل الأزمة، على الرغم من وجود نحو 1000 إجراء قسري أحادي الجانب.

لعل الادعاء الأكثر انتشاراً هو أن السلطات الفنزويلية منعت عمداً المتطوعين والمساعدات من الوصول إلى المجتمعات المتضررة. ومع ذلك فإن عمليات البحث والإنقاذ الحديثة تعتمد على التنسيق الدقيق. تحتاج كلاب الإنقاذ إلى الصمت لاكتشاف الناجين تحت الأنقاض. تحتاج الآلات الثقيلة إلى طرق وصول واضحة. تحتاج سيارات الإسعاف إلى طرق خالية من الازدحام. إن الحركة غير المنسقة لآلاف المدنيين عبر مناطق الكوارث، مهما كانت حسنة النية، يمكن أن تعرقل عمليات الإنقاذ وتكلف أرواحاً. وتشير التقارير الميدانية الواردة إلى أن مركبات الإنقاذ أصبحت محاصرة في حركة المرور المدنية. الرحلات التي تستغرق عادة أربعين دقيقة باتت تستغرق ساعات. وتأخرت سيارات الإسعاف التي تقل الضحايا المصابين بجروح خطيرة بسبب الطرق المزدحمة وغير الصالحة.
مع ذلك كانت المشاركة الشعبية التطوعية المنظمة واسعة النطاق منذ البداية، فالتحق آلاف الفنزويليين رسمياً بعد 26 حزيران بالعمل التطوعي لجهود الإغاثة المنسقة جنباً إلى جنب مع خدمات الطوارئ المهنيّة. وفي اليوم الأول من الكارثة، تضافرت الجهود المشتركة التي بذلتها الحماية المدنية والقوات المسلحة الوطنية البوليفارية والشرطة وعائلات ومجتمعات الضحايا لإنقاذ 2407 أشخاص من المناطق الأكثر تضرراً في لاجويرا. وبحلول 1 تموز، بعد أسبوع واحد من وقوع الزلزال، تم نشر عشرات آلاف الموظفين من وكالات الحماية المدنية وخدمات الطوارئ والشرطة والقوات المسلحة والمؤسسات العامة الأخرى في جميع أنحاء منطقة الكارثة. ما يقرب من 17000 متطوعاً انضم رسمياً إلى عمليات الإغاثة. وتم إنقاذ 6461 شخصاً في جميع أنحاء المناطق المتضررة. وقامت السلطات بتنسيق جهود الإنقاذ مع أكثر من 4000 من أفراد الإنقاذ الأجانب وما لا يقل عن 41 وفداً دولياً مشاركاً في الجهود الإنسانية. وقامت الاستجابة الإنسانية بتسليم ما يقرب من 9 آلاف طن من المواد الغذائية بشكل مباشر، ونحو 28 ألف طرد غذائي، و3.2 مليون لتر من مياه الشرب إلى المناطق المتضررة، وهي أرقام ترتفع بشكل ملحوظ كل يوم مع جهود الإغاثة المستمرة. وقد تلقت أكثر من 80 ألف أسرة المساعدة بما في ذلك الغذاء والنقل والرعاية الطبية والدعم النفسي والمأوى. وعالجت الفرق الطبية أكثر من 17 ألف شخص في المستشفيات والعيادات الميدانية ومراكز الفرز الإغاثية.

وتمت استعادة الخدمة الكهربائية إلى حد كبير في جميع أنحاء المناطق المتضرّرة. إحدى الدعايات التي تقودها واشنطن ضد فنزويلا هي أن المنازل التي تم بناؤها من خلال أضخم برنامج إسكان حكومي انهارت بشكل أسوأ من المتوقع، وتم تجاهل أنّ انهيارات وأضراراً مشابهة تعرضت لها أيضاً المباني التي شيّدت من قبل مقاولين من القطاع الخاص.
تقدّر التكلفة البشرية للحرب الاقتصادية المدمرة والعقوبات الأمريكية بوفاة أكثر من 40 ألف مواطن فنزويلي بين عامي 2017 و2018، مع استمرار تعرض مئات الآلاف لخطر المصير نفسه بسبب افتقارهم إلى إمكانية الحصول على الأدوية أو العلاج الأساسي في ظل العقوبات.
ما يقرب من 31 طناً من الذهب الفنزويلي – تقدر قيمتها بنحو 1.95 مليار دولار في عام 2020، ما تزال محتجزة قسراً في بنك إنكلترا بعد أن انضمت المملكة المتحدة إلى حملة الضغط التي شنتها واشنطن ضد فنزويلا. وتواجه البلاد أيضاً عبء دين مُبلغ عنه يبلغ نحو 240 مليار دولار، بما في ذلك السندات السيادية. وعلى الرغم من أن العقوبات المالية المفروضة في عام 2017 لم تخلق عبء الديون بأكمله، إلا أنها عزلت فنزويلا عن الأسواق المالية الأمريكية وقيدت بشدة قدرتها على خدمة التزاماتها وإعادة هيكلتها. واستمرار حجب الأصول والديون المتراكمة يعيق جهود البلاد لإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير السكن، ورعاية الناجين بكرامة.

رغم ذلك كشفت الكارثة عن قدرة مجتمع منظم قادر على العمل الجماعي تحت ضغط غير عادي. لقد أصبحت الكوميونات، ومنظمات الأحياء، وشبكات الصحة العامة، وأنظمة توزيع الغذاء، وألوية المتطوعين، والمؤسسات المحلية التي بنيت على مدى عقود من الزمن، لا غنى عنها للاستجابة لحالات الطوارئ. وفي جميع أنحاء البلاد، قامت المجتمعات المنظمة بتعبئة الغذاء والمأوى والنقل والرعاية الطبية والمتطوعين من خلال الهياكل التي تم بناؤها قبل وقوع الزلزال بفترة طويلة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285