محطّات من تاريخ التغذية السوفييتية والأمريكية

محطّات من تاريخ التغذية السوفييتية والأمريكية

«المواطنون الأمريكيون والسوفييت يتناولون الكمية نفسها تقريباً من الطعام يومياً، لكن النظام الغذائي السوفييتي قد يكون مغذّياً أكثر». هذا ما نقلته وكالته رويترز في 8 كانون الثاني 1983 عن تقرير نشرته الاستخبارات المركزية الأمريكية آنذاك. وأضافت: «تقبل الـ CIA بشكل عام الآراء الصحّية الأمريكية التي تفيد بأنّ النظام الغذائي السوفييتي قد يكون أفضل قليلاً من الأمريكي».

بحسب المصدر نفسه، كان يستهلك المواطن السوفييتي 3280 حريرة يومياً، بينما يستهلك الأمريكي 3520 حريرة يومياً. واستُمدَّ السوفييت مصادر حريراتهم الغذائية اليومية آنذاك مما يلي: الحبوب والبطاطا 44%، السكّريات 13%، الألبان والأجبان والبيض 11%، الدهون والزيوت 17%، اللحوم والأسماك 8%. و7% من منتوجات أخرى.
أما في الولايات المتحدة فشكّلت الحبوب والبطاطا 26% من حريرات الغذاء، والسكّريات 17%، والألبان والأجبان والبيض 12%، والدهون والزيوت 18%، واللحوم والأسماك 21%. و6% من منتوجات أخرى.
فالأمريكيون بخلاف السوفييت، يكثرون من اللحوم والأسماك والسكريات والألبان والبيض والدهون والزيوت أكثر من الحبوب والخضروات.

«الوسطي للفرد» لا يعكس عدالة بالتوزيع

المصدر الرئيس للمرض في العالَم هو الفقر. أفاد بحث باباس وآخرين (1993) أنه في عام 1986، كان معدل الوفيات بين الأمريكيين الذين يقل دخلهم السنوي عن 9 آلاف دولار أعلى بنسبة 3 إلى 7 مرات من أولئك الذين يكسبون 25 ألف دولار أو أكثر سنوياً. وأظهر المسح البريطاني للأسرة لعام 1989 أن الأمراض المزمنة أعلى بمرتين لدى العمال اليدويين غير المَهرة أكثر مما لدى المهنيين مثل الأطباء والمحامين.
ولكن حتى في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق، كانت ظروف التغذية والصحة مريعةً في ظلّ القيصرية، كما أنها سرعان ما عادت للتدهور السريع أيضاً بعد سنوات من استعادة الرأسمالية عبر (البيرسترويكا) وصولاً إلى تفكيك الاتحاد مطلعَ التسعينيات، أيْ عند غياب مستوى العدالة الاجتماعية الذي تميّزت به الاشتراكية.
وإلى جانب الفقر والبطالة، كأسباب مادية للأمراض، أثبتت الأبحاث التي أجريت على مدى العقود الماضية أن العوامل النفسية تلعب دوراً رئيساً أيضاً؛ فهناك صلة مباشرة بين التوتر النفسي (الكَرْبstress ) وخاصة الكَرْب الخارج عن تحكم الشخص، والوظيفة المناعية. بالطبع، يعاني العمال من أكبر الضغوط، وهذا يؤثر على صحتهم. وقد ثبت أيضاً أن هناك صلة محددة بين صحة الشخص ومستويات سيطرته النسبية على أحداث حياته ومستقبله. فحسب بحث كوباسا وزملائه (Kobasa et al 1979) فإنّ أولئك الذين يشعرون بأنهم لا يسيطرون على حياتهم، وحتى عند تكيُّفهم مع العوامل المؤثرة الأخرى، يعانون من صحة سيّئة.

من تاريخ التغذية السوفييتية

ولدت الاشتراكية السوفييتية في ظروف عصيبة وحوربت من تحالفٍ دولي عدواني ومن الرجعيين بالداخل، وقطعت عنها جغرافياً مصادر الغذاء والطاقة، ومع ذلك استطاعت سلطة العمال والفلاحين انتزاع أعمق عدالة ممكنة من فم الحصار والحرب الأهلية 1917– 1921، مثل: التوزيع المجّاني للخبز ولو كان شحيحاً في البداية وفي فترات من الحرب والحصار، مروراً بثورة التصنيع والتجميع الزراعي، حيث خُصِّصَت لكل عامل وعاملة بالوظائف العضلية عام 1930 حصّة رخيصة السعر مدعومة: يومياً 800 غ خبز، وشهرياً 4.4 كغ لحوم 1.5 كغ سكّر و1.2 كغ سمك و300 غرام زبدة، مع حصص أقل قليلاً لعمال الوظائف غير العضلية. فاستفاد المنتجون مما زرعوه وصنعوه بأيديهم، وبواقع 26 مليون مستفيد (مع عوائلهم ضمناً) ثم ارتفع عدد المستفيدين بعد 4 سنوات فقط إلى 50 مليوناً (ثُلث السكان) عام 1934.
وتمت زيادة جودة وكمية الأطعمة، حيث أشارت إحدى الدراسات إلى زيادة إنتاج الغذاء في عام 1938 إلى 6 أضعاف ما كان عليه في روسيا القيصرية عام 1913، وتم توفيره لجميع السكان. خلال فترة الخطة الخمسية الثانية 1933–1937 (بقيادة جوزيف ستالين) زاد استهلاك العمال للفواكه ثلاثة أضعاف، واستهلاك اللحم المقدَّد واللحوم المعالجة الأخرى خمسة أضعاف، واستهلاك البيض بمقدار الضعف. في عام 1938 كان نصيب الفرد من استهلاك البروتين أكثر من 100 غرام في اليوم، مقارنة بـ 35 غراماً في ألمانيا النازية. وهذه الأرقام تعني بشكلٍ حاسم أنّ زيادة الرواتب للمواطنين السوفييت في عام 1938 إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في 1932، لم تكن زيادة «خلّبية» بل حقيقيّة لأنّها رفعت القدرة الشرائية.
وبدءاً من العام 1954 بدأ خروتشوف حملةً لإدخال زراعة الذرة في كل مكان. دخل «هوس الذرة» إلى رأسه بسبب نجاح نمو هذا المحصول في الولايات المتحدة الأمريكية، وأطلَقَ خروتشوف على نفسِه مازحاً لقبَ «العرنوس». وكنتيجةٍ لزرع مساحات كبيرة من الأراضي بالذرة، بعد أن كانت مزروعة سابقاً بالقمح وغيره من الحبوب، بدأت تعطي محصولاً ضعيفاً. وأخذ الطحين والخبز يختفيان من أماكن البيع، وترتفع أسعارهما. وبحلول العام 1963 انكشف الفشل الذريع لمشروعه «لتطوير الأراضي العذراء»، فالتربة المَفلوحة استُنفِدَت خصوبتها وصارت نهباً للعواصف الغبارية. ومنذ ذلك الحين لم يعد الاتحاد السوفييتي مكتفياً ذاتياً من الناحية الغذائية، فأُجبِرَ على شراء القمح من الخارج، وتزايدت مستورداته منه باستمرار. لكن الآثار السلبية لخطوات كهذه وغيرها فيما بعد، لم تظهر بكامل أبعادها مباشرةً، بل بعد انزياحٍ زمنيّ، وربّما يعود ذلك إلى أنّ التخريب الذي حصل في الاقتصاد السوفييتي كان من جهة يلقى مقاومةً شعبية في الداخل، ومن جهة أخرى كان اقتصاداً ضخماً ليس من السهل تحطيمه بضربة واحدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1167