ارتباط «الوقت أمام الشاشة» بالمشكلات السلوكية عند الأطفال
ساينتيفيك أميريكان (النسخة العربية) ساينتيفيك أميريكان (النسخة العربية)

ارتباط «الوقت أمام الشاشة» بالمشكلات السلوكية عند الأطفال

نشرت دورية علم النفس التابعة للجمعية الطبية الأمريكية (JAMA Psychiatry) في 16 آذار من العام الجاري، دراسة حول مدى الارتباط بين الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات واحتمالات تعرُّضهم لمشكلات سلوكية، ونشرت أبرز نتائجها في تقرير للموقع العربي لمجلة Scientific American. الدراسة تحذّر من خطورة «وسائط الشاشة» على إستراتيجيات «التنظيم الذاتي للتعلم» وزيادة احتمالات السلوكيات العدوانية لدى الطفل، أو اضطرابات أخرى مثل التوحُّد والفصام وفرط النشاط وقلة الانتباه، وغيرها. فيما يلي نلخّص التقرير الذي كتبته دينا درويش للنسخة العربية من «ساينتيفيك أمريكيان» عن الدراسة، مع ملاحظتنا بأنه لم يتم التطرق لسؤال مهم: ما مدى تأثير مصالح عمالقة شركات التكنولوجيا في عرقلة محتملة لانتشار أوسع لدراسات حول التأثيرات السلبية لشاشاتها ومحتواها؟ وخاصةً أن بعض نتائج الدراسة المذكورة قد تثير الاستغراب، حيث قالت بأنّ «حدّة الترابط» مع المشكلات السلوكية انخفضت كلما كانت الدراسات التي جرى تحليلها «أحدث من حيث تاريخ النشر»، وكذلك قولها «بانخفاض» الارتباط بين وقت المكوث أمام الشاشة ومشكلات السلوك الخارجية كلما زادت «جودة الدراسة».

تلخيص: د. أسامة دليقان

الدراسة المذكورة تحليل تَلَوي meta-analysis أيْ: تدمج نتائج جميع الأبحاث المختارة ذات الصلة حول موضوعٍ ما، وتقدم إحصائيةً شاملةً تلخص النتائج عبر دراسات متعددة، ويمكن للتحليلات التلوية أيضاً أن تنظر في العوامل التي قد تفسر النتائج المختلفة عبر الدراسات.
وشملت هذه الدراسة التَلَوية 159 ألفاً و425 طفلاً في سن الثانية عشرة أو دونها، وذلك بمتوسط أعمار بلغ 6.07 سنوات، وبمشاركة بلغت حوالي 51.30% من الذكور، إلى أنه «على الرغم من أن الارتباط بين وقت الشاشة والتعرُّض لمشكلات سلوكية خارجية أو داخلية يبدو ضعيفاً، إلا أنه في الوقت ذاته يكون مؤثراً».
وتصنف المشكلات السلوكية والانفعالية عموماً بأنها «سلوكيات خارجية» أو «سلوكيات داخلية» أو «مشكلات قليلة الحدوث»؛ الخارجية موجهةً نحو الآخرين، مثل العدوان، والشتم، والسرقة، والنشاط الزائد، أما الداخلية فتتمثل في صورة اجتماعية انسحابية، مثل القلق، والاكتئاب، وفقدان الشهية، وأما الاضطرابات قليلة الحدوث فتتمثل في الفصام والتوحد.

وقت الشاشة

يُعرَّف «الوقت أمام الشاشة» بـ«مقدار الوقت الذي يقضيه الشخص في التحديق في الشاشات الرقمية لأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية». ولا تشجع «الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال» استخدام الوسائط من قِبل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين، كما توصي بتحديد الوقت الذي يقضيه الأطفال الأكبر سنّاً أمام الشاشات بما لا يزيد على ساعة أو ساعتين في اليوم، خوفاً من التداعيات السلبية المحتملة للشاشات على صحة الأطفال، مثل إصابتهم بالبدانة، واضطراب النوم، والمشكلات السلوكية، وضعف التحصيل العلمي، وقلة الوقت المخصص للّعب.
ووفق دراسة سابقة أجراها باحثون من «معهد علم الوراثة السلوكية» بجامعة «كولورادو بولدر» الأمريكية، فإن «95٪ من المراهقين في الولايات المتحدة لديهم هواتف ذكية، ومتوسط ​​استخدام التكنولوجيا العالمية آخذٌ في الارتفاع، خاصةً بين الصغار».
تقول راشيل آيريش، طالبة الدكتوراة بقسم علم النفس في جامعة «كالغاري»، والباحثة الرئيسية في الدراسة، إنّ «هناك رابطاً صغيراً بين وقت الشاشة (من حيث المدة) والصحة العقلية للأطفال، لكن هذا الرابط مؤثر بالرغم من صغره».

تباين بالمنهجيات والنتائج

وجد التحليل التَلَوي أنّ الدراسات التي جرى تحليلها ترى ارتباطاً محتملاً بين وقت الشاشة وخطر عواقب سيئة على الصحة العقلية، مثل اضطرابات النوم، وانخفاض فترات ممارسة الأنشطة البدنية، والحد من تبادل العلاقات الاجتماعية، وتراجُع فرص التعلم. وقد تعوق أيضاً إستراتيجيات التنظيم الذاتي للتعلم (وهي عملية نشطة يكون فيها المتعلم مشاركاً نشطاً في عملية تعلُّمه بحيث يبحث ويحاور ويناقش وفق ميوله واهتماماته)، وتزيد مستويات شعور الطفل بالإثارة بسبب التأثيرات الصوتية المرئية السريعة والمكثفة، والتي قد يصاحبها عدم الانتباه والسلوك العدواني.
لكن الدراسة أكدت في الوقت ذاته أنّ «هناك حالةً من الجدل بشأن القلق فيما يتعلق بوقت الشاشة وتأثيره على الصحة العقلية للأطفال»، مُرجعةً حالةَ الجدل تلك إلى ما وصفته بـ«أوجه القصور المنهجية التي شابت بعض الدراسات».
وتقول الباحثة آيريش بأنه ربما أسهمت الاختلافات المنهجية في النتائج المتضاربة، وقد تختلف أحجام التأثير بناءً على التحليلات الإحصائية التي تم إجراؤها، وكيفية قياس المتغيرات، وما إذا كانت الدراسة تعتمد على البيانات المقطعية (وهي بيانات يتم الحصول عليها من المشاهدات المتكررة للظاهرة المَقيسة في فترات زمنية مختلفة)، أو على البيانات الطولية (تشير إلى مجموعة مشاهدات حول ظواهر متعددة عبر فترات زمنية متعددة).

متغيرات متعددة

فحص الباحثون العديد من المتغيرات التي اشتملت عليها الدراسات التي تم تحليلها، والخاصة بجنس الطفل، وعمره، ووقت الشاشة المبلغ عنه من خلال الطفل أو الوالد أو أي شخص آخر، وطريقة قياس وقت الشاشة من خلال الاستبانة أو المقابلة، ونوع المشكلة السلوكية الداخلية التي يعاني منها الطفل مثل القلق والاكتئاب، أو الخارجية مثل العدوانية أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وما إذا كان المخبرون قد اختلفوا فيما يتعلق بوقت الشاشة والمشكلات السلوكية التي يعانيها الطفل، وتشخيص مدى معاناة الطفل من مشكلة سلوكية سابقة من خلال الإجابة بنعم أو لا، وسنة نشر الدراسة، وتصميم الدراسة (الطولية أو المقطعية)، والمخاطر الاجتماعية الديموغرافية فيما يخص الدخل المنخفض والمستوى التعليمي لمقدم الرعاية أو أحد الوالدين، وأخيراً الموقع الجغرافي لعيّنة البحث.

ملاحظة تخصّ «الشرق الأوسط»

تقول «إيريش»: أظهرت الدراسات التي أُجريت في «الشرق الأوسط» ارتباطاتٍ أقوى بين وقت الشاشة والمشكلات الخارجية، مقارنةً بتلك التي أُجريت في جميع المواقع الجغرافية الأخرى. وبشكل عام (ليس في الشرق الأوسط فقط) أظهرت النتائج أن حجم التأثير بين وقت الشاشة ومشكلات الطفل الاستيعابية «كان ضعيفاً ولكنه مهم». وكان الارتباط بين الوقت المخصص للشاشة والمشكلات السلوكية الخارجية أقوى في الدراسات التي تفحص العدوانية، مقارنةً بتلك التي تفحص أعراض اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وكان الارتباط أضعف في الدراسات الطولية التي تتحكم في مشكلات السلوك الخارجية الأساسية مقارنةً بالدراسات المقطعية.

دراسات مستقبلية

ترى نهال لطفي - أستاذة علم النفس بكلية التربية بجامعة قناة السويس - أنه «من المهم إجراء دراسات مستقبلية تختبر الآليات المنفصلة التي تكمن وراء مثل هذا الارتباط، وتحديداً فيما يتعلق بسلوكيات الطفل الخارجية». وتقول «لطفي» في تصريحات للنسخة العربية من مجلة العلوم الأمريكية: يمكن أن يكون المحتوى المعروض غير ملائم للطفل أو عنيفاً، ومن منظور منهجي، قد يكون الأسهل مراقبة المشكلات الخارجية مقارنةً بالمشكلات الداخلية، مما يؤدي إلى حساسية أقل لتحديد المشكلات الداخلية.
وكانت دراسة سابقة قد أُجريت على 699 طفلاً فنلنديّاً في سن ما قبل المدرسة، قد أظهرت أن الأطفال الذين يقضون كثيراً من الوقت في مشاهدة الأفلام والعروض على شاشات التلفزيون والشاشات الأخرى أكثر تعرُّضاً للإصابة بمشكلات عاطفية وسلوكية في سن الخامسة، مثل القلق والاكتئاب وسوء الحالة المزاجية والخوف وصعوبة التركيز وفرط النشاط والسلوك الاندفاعي.

الحاجة لتركيز أكبر على طبيعة المحتوى

من بين الملاحظات على الدراسة قالت إيمان جابر – مدير إدارة طب نفس الأطفال والمراهقين بالأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان – بأنّ «المحتوى لا بد أن يكون محل دراسة أيضاً لتأكيد مدى ارتباط وقت الشاشة بالمشكلات السلوكية للطفل». وحتى راشيل آيريش الباحثة الرئيسية في الدراسة أقرت بأنّ «النظر إلى وقت الشاشة فقط من حيث المدة لم يتح لفريق البحث فهم الجوانب الأكثر دقةً لاستخدام الشاشة، مثل طبيعة المحتوى سواء كان برامج تعليمية أو محتوىً عنيفاً على سبيل المثال، ما يستوجب إجراء مزيد من الدراسات مستقبلاً»، ونصحت العائلات باتباع إرشادات وقت الشاشة وإعطاء الأولوية للتفاعلات وجهاً لوجه ما أمكن، كما يمكن مشاهدة الشاشات معاً كنشاط عائلي بدلاً من أن يفعل الأطفال ذلك بمفردهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1073