الحياة العضوية..  من فلسفة «إنجلز» إلى اكتشاف الـ DNA

الحياة العضوية.. من فلسفة «إنجلز» إلى اكتشاف الـ DNA

لطالما كانت طبيعة الحياة سراً يشغل بال الفلاسفة والعلماء ورجال الدين على حد سواء. وقد أدلت الفلسفة الماركسية بدلوها في هذه المسألة، ولعل أوضح تعبير عن رؤيتها للحياة العضوية هي تلك التي قدمها الفيلسوف والعالم فريدريك إنجلز في مؤلفه الشهير «ديالكتيك الطبيعة» (1873 -1876).

يعرّف إنجلز الحياة بأنها «أسلوب وجود المواد البروتينية، أسلوب يشكل التبادل الدائم للمواد مع الطبيعة الخارجية المحيطة جانباً جوهرياً منه، ما إن يتوقف حتى تتوقف معه الحياة، ما يؤدي إلى تحلل البروتين.»

أوبارين وفلسفة البروتين

يقوم إنجلز في كتابه بتصنيف العلوم وبتعميم فلسفي موازٍ يرتب وفقه تعقيد الحركة المادية، واضعاً فرضية لتحول ديالكتيكي تفسر نشوء الحياة بشكل قفزة نوعية، انطلاقاً من مستوى الحركة الكيميائية: «إذا نجحت الكيمياء في تحضير هذا البروتين على الشكل المحدد الذي نشأ فيه، على الشكل المدعو بالبروتوبلازما....عند ذلك سيكون التحول الديالكتيكي قد أُثبت هنا واقعياً أيضاً، أي كلياً ونهائياً. وإلى أن يحين ذلك ستبقى المسألة في الفكر، أو بعبارة أخرى فرضية. فعندما تنجح الكيمياء في إنتاج البروتين فإن العملية الكيميائية ستَخرج عن أطرها ذاتها... إنها ستخطو في حقل أشمل وأغنى، هو حقل الحياة العضوية.»
فيما بعد جاء عالم الكيمياء الحيوية السوفييتي ألكسندر أوبارين (1894 -1980) Aleksandr Oparin ، الذي قرأ كتاب ديالكتيك الطبيعة لإنجلز، وتأثر بفلسفته العلمية، فكان أول من افترض إمكانية نشوء الحياة العضوية من المكونات الكيميائية البسيطة لغلاف الأرض البدائي، متأثراً بالانتقادات الفلسفية والعلمية التي وجهها إنجلز إلى فرضيات معاصريه من العلماء مثل: ليبيغ  Liebig، وهو عالم ألماني يعتبر من مؤسسي علم الكيمياء العضوية، ولكنه «هاوٍ سطحي في البيولوجيا» حسب وصف إنجلز. وقد افترض ليبيغ «أزلية الحياة» أو ما عرف لاحقاً بفرضية البذور الكونية panspermia، التي تقول بأنّ الحياة نشأت خارج الأرض في أماكن أو أجرام بعيدة في الكون، وهاجرت بشكل بذور أو أبواغ إلى الأرض، وهي فرضية ضعيفة الإقناع، فليست المشكلة افتراض إمكانية نشوء الحياة على كوكب آخر إذا توفرت شروط مناسبة، فهذه إمكانية واقعية، لكن ما لا يصمد أمام الحجة المنطقية البسيطة التي أوردها إنجلز، هو لماذا تضطر الحياة إلى القدوم من الخارج؟ وهل يستطيع البروتين أن يصمد أصلاً دون أن يتخرب في درجات الحرارة العالية والظروف القاسية أثناء عبوره المفترض للغلاف الجوي لكوكب الأرض؟ ومن الغريب أنّه حتى العالمان واطسون وكريك اللذان اكتشفا بنية الحمض النووي DNA عام 1963 ومهّدا لفهم كيف تركب البروتينات بترجمة المعلومات الوراثية، بعد عقود من وفاة إنجلز، كانا رغم ذلك من المؤمنين بهذه بفرضية البذور الكونية!


ثورة في المخبر!

عام 1953 قام الكيميائيان الأمريكيان هارولد أوري Harold C. Urey وستانلي ميلر Stanley Miller باختبار فرضية أوبارين ونجحا بإنتاج جزيئات عضوية من المكونات غير العضوية التي افترض أوبارين وجودها في الغلاف الجوي البدائي والمحيط البدائي لكوكب الأرض قبل تشكل الحياة. وضع العالمان مزيجاً من بخار الماء مع غازات الميثان، والنشادر، والهيدروجين الجزيئي – وصعقا هذا المزيج بشحنات تفريغ كهربائية (تحاكي الصواعق البدائية). وبعد أسبوع لاحظ العالمان تشكل جزيئات عضوية بسيطة تضمنت حموضاً أمينية، أي حجارة البناء الرئيسية للبروتينات التي هي مادة الحياة، وبذلك أحدثت مخبرياً قفزة ديالكتيكية ثورية من المادة اللاعضوية إلى العضوية.
من الجدير بالذكر، أنّ نظرية أوبارين تعرف في الغرب باسم نظرية أوبارين-هالدن، بعد المقال العلمي الذي صاغ فيه عالم الوراثة والفيزيولوجيا البريطاني جون هالدن J. B. S. Haldane (1964 - 1892)  الفرضية نفسها عن نشأة الحياة على الأرض. لكنّ ستانلي ميلر نشر في مجلة التطور الجزيئي الأمريكية journal of Molecular Evolution عام 1997 مقالاً بمناسبة الذكرى السنوية الستين لميلاد فرضية أوبارين، اعترف فيها بما يلي: «كثيراً ما تسمى نظرية التغذية الغيرية heterotrophic hypothesis في نشوء الحياة بنظرية أوبارين – هالدن. ربما يكون في هذا إجحاف بحقّ أوبارين. حيث يشهد تسلسل نشر النظرية بما يلي: ظهر كتيب أوبارين أولاً عام 1924، ثم تلاه مقال هالدن في« الحولية العقلانية»عام 1929، ثم كتاب أوبارين «نشوء الحياة على الأرض» الطبعة الروسية 1936، ثم الطبعة الإنكليزية 1938.»
على كلّ حال لو قدّر لإنجلز أن يشهد هذه الاكتشافات العلمية كان سيسعد بها حتماً، لأنّ تطور العلوم إنجاز أممي لا بد أن يصب في مصلحة البشرية ولو بعد حين. وكان سيسعد بهذين العالمين كليهما، حتى لو لم يعرف بأنّ «هالدن» شريك أوبارين في نظرية نشوء الحياة سيصبح فيما بعد ماركسياً مثله! فاعتباراً من العام 1930 انضم هالدن إلى الحزب الشيوعي البريطاني وأصبح محرراً لصحيفة الحزب اللندنية «ذي ديلي وركر».