الشرق الأوسط يظهر ملامح إعادة ترتيب مراكز القوى داخله
بعد أشهر من الحرب المتكررة بين القتال والوقف المتقطع لإطلاق النار، وقّع الرئيس الأمريكي والرئيس الإيراني مذكرة تفاهم، واضعين زر الإيقاف المؤقت لصراع استمر طويلاً. تتضمن هذه المذكرة قضايا محورية تشمل: وقفاً شاملاً لإطلاق النار، ورفع الحصار البحري والعقوبات، وتعهد إيران بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، وفتح مضيق هرمز، وغيرها من القضايا الأساسية. لا تزال تفاصيل كثيرة وشائكة بحاجة إلى التوضيح واحدة تلو الأخرى خلال مرحلة مفاوضات الاتفاق الممتدة 60 يوماً.
ليو تشونغ مين
ماذا تعني وثيقة الهدنة الهشة هذه لكل من أمريكا و«إسرائيل» وإيران؟ ما العقبات الواقعية التي ستواجهها خلال التنفيذ؟ وكيف ستعيد تشكيل خريطة الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط؟
حاول البروفسور في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، ونائب رئيس الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، ليو تشونغ مين، تفكيك طبقات الصراع والمتغيرات العميقة الكامنة خلف هذه الوثيقة.
أثارت بعض التنازلات التي قدمها الجانب الأمريكي في المذكرة، ولا سيما بند إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار «لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية»، دهشة كثيرين. كان رد الفعل داخل أمريكا على هذا الاتفاق قوياً، إذ وصفه بعض أعضاء مجلس الشيوخ بأنه «أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود»، وبأنه «فن الاستسلام»، وقال آخرون مباشرة: إنه «هزيمة كارثية». كيف تنظر إلى هذا التقييم؟ وهل تعتقد أن ترامب حقق الهدف الذي بدأ من أجله هذه الحرب؟
توجد أيضاً استطلاعات داخل أمريكا تشير إلى أن 61 ٪ من الأمريكيين يرون أن استخدام القوة ضد إيران كان قراراً خاطئاً. من حيث المضامين الأساسية للاتفاق، وخصوصاً من زاوية الجانب الأمريكي، فإن هذا الاتفاق يمثل إلى حدٍّ كبير خياراً اضطرارياً، اتخذته أمريكا في ظل محاولتها القصوى الحفاظ على استراتيجيتها العامة القائمة على الانكماش الاستراتيجي في الشرق الأوسط من دون تغيير، وتجنب السقوط في مستنقع حرب جديدة. لم تحقق العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران الهدف الاستراتيجي المتمثل في تغيير النظام الإيراني، بل كشفت حدودها الاستراتيجية.
من زاوية الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، كشف دخول الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» الإيرانية في حالة جمود، أن الاستراتيجية التي اتبعتها أمريكا طوال مدة طويلة، والقائمة على الحفاظ على الهيمنة من خلال الوجود العسكري، قد تعطلت إلى حدٍّ كبير في هذه الحرب. فالوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لم يضمن أمن الحلفاء، بل تحول إلى هدف للضربات الإيرانية، وشكل تحدياً كبيراً لمنظومة الحلفاء القائمة على الضمانات الأمنية.
كان الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، في الحروب السابقة الركيزة الرئيسية للردع الأمامي. لكن لهذه الحرب خصوصيتها: فقد هاجمت أمريكا و«إسرائيل» إيران بصورة مشتركة، بينما وجهت إيران ضربات دقيقة نسبياً إلى حلفاء أمريكا في منطقة الخليج، ولا سيما القواعد الأمريكية في قطر والبحرين والإمارات والكويت وغيرها. وهذا جعل الوجود العسكري الأمريكي الأمامي في الخليج لا يفقد قدرة الردع فحسب، بل يزعزع منظومة الحلفاء نفسها، وحتى علاقة الحلفاء التقليدية بين أمريكا ودول الخليج القائمة على «الأمن مقابل الاستثمار».
وفي داخل منظومة الحلفاء الغربيين، الحلفاء الغربيون إما نأوا بأنفسهم، وإما رفضوا بصورة حازمة، مثل: إسبانيا وغيرها، استخدام أمريكا لقواعدهم العسكرية لضرب إيران. كما تعرض الاقتصاد الأمريكي الداخلي لصدمة كبيرة.
على المستوى الاستراتيجي، فإن ما تسميه أمريكا خلال السنوات الأخيرة استراتيجية «الحفاظ على الهيمنة بكلفة منخفضة» في الشرق الأوسط قد دخل فعلياً في حالة إفلاس. في السابق، كانت أمريكا تعتمد أكثر على «إسرائيل» وحلفائها في الخليج لمواجهة إيران معاً، وتحاول تقليل إنفاقها الذاتي. لكنها هذه المرة تكبدت كلفة هائلة بلغت مئات مليارات الدولارات. لذلك، تسعى أمريكا حالياً إلى حدٍّ كبير إلى وقف الخسائر: استراتيجياً، تريد تجنب تأثر الانكماش الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ومن حيث الكلفة، تريد منع اتساع الإنفاق على الحرب أكثر، وفي الوقت نفسه تريد تجنب الوقوع في مستنقع حرب جديدة. ورغم أن ترامب، ذاتياً، يصعب عليه قبول ذلك، فإن الآثار السلبية للحرب كانت ستتوسع أكثر لو لم يوقّع اتفاق وقف إطلاق النار، ولذلك لم يكن أمامه إلا التسوية.
كيف نقيّم مكاسب إيران وخسائرها من هذه المذكرة؟
من زاوية الجانب الإيراني، جرى هذا الاتفاق على أساس شروط التفاوض الـ 10 التي طرحتها إيران. وقد فوجئ الخارج سابقاً بالشروط التي طرحتها إيران، بل حتى بمضمون المذكرة التي سُربت مبكراً، لكن بالنظر إلى الاتفاق الذي جرى التوصل إليه، فإنه يعكس أساساً واقع أن الشروط الإيرانية كانت قاعدة التفاوض.
بالنسبة إلى إيران، ورغم أنها قلبت تدريجياً الوضع غير المواتي بعد دخولها حرب استنزاف، بل شكلت في الحرب غير المتكافئة تفوقاً معيناً على أمريكا و«إسرائيل»، فإنها تعاني منذ مدة طويلة من العقوبات، وانخفضت صادراتها النفطية بشدة، وتواجه اقتصادياً صعوبات داخلية. وفي ظل تقديم أمريكا تنازلات أكبر، فإن قبول إيران لهذا الاتفاق يتوافق مع مصالحها الذاتية.
من الزاوية الإيرانية، أرى أنها حققت ثلاث مكاسب على الأقل.
أولاً: حصل النفوذ الإقليمي الإيراني، إلى حد معين، على قبول افتراضي من أمريكا. وهذا يظهر أساساً في مسألة وقف إطلاق النار الشامل.
يوجد في الاتفاق بند يطلب «الوقف الفوري والدائم لكل العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، والالتزام بعدم شن حرب أو عمليات عسكرية في المستقبل، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها بين الطرفين، والنص بوضوح على ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته». يذكر البند بوضوح «ساحة لبنان». وهذا يحمل معنيين بالنسبة إلى إيران.
الأول: أن أمريكا تحتاج إلى تقييد العمليات العسكرية «الإسرائيلية» في لبنان.
الثاني: أن «إسرائيل» تحتل حالياً جنوب لبنان، وهذا يعني أن على «إسرائيل» أن تنسحب بالكامل.
وعلى مستوى أعمق، يعادل ذلك اعترافاً ضمنياً بالنفوذ الإيراني في لبنان. ورغم الاستياء الشديد لدى «إسرائيل» من ذلك، فإن إيران، من خلال طلب وقف شامل لإطلاق النار، حققت نتيجة واضحة على الأقل في ملف لبنان. هذا أيضاً أحد أسباب وصف «إسرائيل» له بأنه «انتصار ضخم» لإيران.
ثانياً: طرحت إيران، من خلال السيطرة على مضيق هرمز، تحدياً للهيمنة البحرية الأمريكية. في الماضي، لم تتعرض حرية الملاحة في مضيق هرمز- هذا الممر الذهبي الذي يتحمل خمس الشحن البحري العالمي- لأي تحدٍّ. لكن هذه المرة أغلقت إيران المضيق، وطرحت أن يتم مستقبلاً الاتفاق مع عُمان على قواعد إدارته وتحصيل رسوم خدمات. يمكن القول: إن الهيمنة البحرية الأمريكية في الخليج تعرضت للمرة الأولى لتحدٍّ بهذه الدرجة من الخطورة.
من حيث الاتفاق، كان قبول إيران فتح المضيق هو ما جعلها تحصل في المقابل على سلسلة من التعهدات الأمريكية، مثل: رفع الحصار والعقوبات، وتحرير الأموال. لقد أصبح مضيق هرمز رافعة قوية في المناورة الاستراتيجية الإيرانية ضد أمريكا، وقد يدفن الجدل حول نظام المرور في المضيق نظام «حرية المرور» الذي قادته قوى الهيمنة البحرية الغربية طويلاً. وهذا يمثل ضربة قوية لأمريكا، المعروفة منذ مدة طويلة بهيمنتها البحرية.
ثالثاً: يمنح رفع العقوبات، وإعفاء صادرات النفط، وتحرير الأصول الخارجية، والحصول على أموال إعادة الإعمار، إيران فرصة تاريخية للتخلص من مأزق العقوبات طويلة الأمد، وتحقيق تعافٍ اقتصادي. تملك إيران موارد ممتازة. وبمجرد رفع العقوبات وضخ أموال إعادة الإعمار، قد ترتفع قوتها الوطنية سريعاً خلال فترة قصيرة، وسيتعزز معها موقعها الاستراتيجي الإقليمي والدولي. وهذه النقطة تحديداً هي ما تخشاه «إسرائيل».
حللت قبل قليل ثلاث نقاط حول «الانتصار الضخم». وحتى الآن، قد تبدو هذه النقاط انتصارات على الورق أكثر منها وقائع عملية. هناك فضول وشك كبيران لدى كثيرين: إلى أي حد تستطيع أمريكا فعلاً تقييد تصرفات «إسرائيل»؟
خلال السنوات الأخيرة، كسرت «إسرائيل» وإيران النمط السابق القائم على التنافس غير المباشر عبر الوكلاء، وانتقلتا إلى الاشتباك المباشر. بالنسبة إلى «إسرائيل»، فإن النموذج الذي اعتمدت عليه إيران خلال قرابة 40 عاماً، عبر دعم حماس وحزب الله والحوثيين، قد تغير كثيراً، حتى باتت «إسرائيل» قادرة على ضرب إيران مباشرة. لكن التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني يتعارض مع الأهداف الاستراتيجية «الإسرائيلية». فأمريكا تسعى بإلحاح إلى الخروج من المأزق، لكن «إسرائيل» لا تزال تسعى إلى توجيه أكبر ضربة ممكنة لإيران.
بحسب التقارير، سعت «إسرائيل» في مطلع حزيران إلى تنفيذ جولة جديدة من الضربات الجوية ضد إيران، لكنها ألغيت بسبب معارضة أمريكا. بعد ذلك، زادت «إسرائيل» من وتيرة ضرباتها ضد حزب الله في لبنان. فمن جهة، تريد إزالة التهديد الأمني طويل الأمد الذي يمثله حزب الله، وضمان أمن حدودها الشمالية. ومن جهة أخرى، تريد قطع قدرة إيران مستقبلاً على تهديد «إسرائيل» عبر حزب الله. هدف «إسرائيل» هو استفزاز إيران كي تنسحب من المفاوضات، بما يؤدي إلى إفشال الاتفاق الأمريكي الإيراني.
يمكن القول: إن هذه لعبة مزدوجة ومعقدة: في ساحة لبنان، تدور مناورة بين «إسرائيل» وحزب الله، وفي ساحة التفاوض، تدور مناورة بين أمريكا وإيران. تواجه أمريكا ضغط تقييد «إسرائيل»، لذلك بات ملف لبنان حساساً جداً.
في الحقيقة، أنا متشائم نسبياً بشأن التوصل إلى اتفاق خلال 60 يوماً. لكن حتى إذا تحقق الاتفاق، فلن تتخلى «إسرائيل»، والقوى التي تدعمها في الخارج، عن احتواء إيران. وستتواصل وسائل الحرب السرية السابقة، مثل: تصفية عناصر الحرس الثوري بصورة محددة، واغتيال العلماء النوويين، والهجمات السيبرانية.
بالنسبة لمضيق هرمز. يقول الجانب الأمريكي: إن الاتفاق سيضمن «مروراً مجانياً طويل الأمد» عبر المضيق، بينما يوضح الجانب الإيراني أنه سيمنح فقط فترة مجانية مدتها 60 يوماً، وبعد انتهاء هذه الفترة سيتفق مع عُمان على قواعد الإدارة وتحصيل رسوم الخدمات. ما الخلاف الجوهري بين الطرفين في ملف المضيق؟ وإضافة إلى ذلك، قال ترامب مراراً: إن أمريكا تريد أيضاً تحصيل رسوم عبور في مضيق هرمز. ما مدى احتمال حدوث ذلك؟
لا يمكن الآن إلا انتظار نتائج المفاوضات التالية، لأن البنود الـ 14 ليست سوى أحكام إطارية، ومن الصعب التنبؤ بالتطورات المحددة وحتى بالنتيجة النهائية. أما بالنسبة إلى الخلاف الجوهري، فقد ذكرت جزءاً منه سابقاً. من زاوية القانون الدولي والنظام الدولي، فإنه يعكس نزاعاً بين مبدأ حرية الملاحة الذي دافعت عنه الهيمنة البحرية الأمريكية طويلاً، وبين مطالب الدول المطلة على المضيق بالسعي إلى حق إدارة المضيق.
في قضية المضائق، لا يزال هناك خلاف كبير حالياً، وقد أنشئت أنظمة مختلفة لمضائق مختلفة. على سبيل المثال: شهدت مضائق البحر الأسود التركية تاريخياً صراعاً طويل الأمد بين بريطانيا وألمانيا، وبريطانيا وروسيا «الاتحاد السوفييتي»، وأمريكا والاتحاد السوفييتي. وقبل الحرب العالمية الثانية، أُنشئ نظام إدارة عبر تسويات بين الأطراف المختلفة، وتمتلك تركيا فيه حقوقاً كبيرة. لكن مضيق هرمز لم يُنشئ نظاماً مقابلاً لفترة طويلة. في الماضي، هددت إيران مرات عدة بإغلاق المضيق، لكنها لم تنفذ ذلك فعلياً. أما هذه المرة، فلم تغلق إيران المضيق فحسب، بل طالبت بإنشاء نظام مرور تديره إيران وعُمان بصورة مشتركة ويحصّل رسوماً. من زاوية القانون الدولي، لهذا الطلب قدر من المعقولية، لكن تحوله في النهاية إلى نظام سيظل مرهوناً بتقدم المفاوضات، ولا سيما بما إذا كانت أمريكا ستتنازل.
من حيث النتيجة النهائية، أخشى أن أمريكا لن تتخلى بالكامل عن حق حرية المرور في المضيق، وتترك لإيران إنشاء نظام كما تشاء، كما أن إيران لن تسمح للمضيق بالعودة إلى وضعه السابق الخالي تماماً من القيود. هذه في جوهرها مناورة بين مبدأين، وهي أيضاً مناورة جيوسياسية بين أمريكا وإيران حول قيادة المضيق، بل ربما تكون صراعاً بين النظام البحري في الخليج الذي تقوده أمريكا، والنظام البحري الذي تسعى إيران إلى أن تقوده دول المنطقة. لكن الشكل النهائي للنظام في المستقبل لا يزال من الصعب جداً التنبؤ به الآن.

من منظور أوسع، سبق أن طرحت مفهوم انقسام «الشرقين الأوسطين». كيف ستؤثر عملية المصالحة الأمريكية الإيرانية الحالية، سواء وصلت في النهاية إلى اتفاق أم لا، في إعادة تشكيل ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط؟ كيف يمكن أن تعيد المفاوضات الأمريكية الإيرانية تشكيل علاقات دول الخليج مع إيران ومع «إسرائيل»؟ وهل قد تشعر السعودية ودول أخرى بأنها مهمشة، أو مهددة أمنياً بسبب تقدم الاتفاق الأمريكي الإيراني؟
سيدفع هذا الاتفاق حتماً إلى إعادة تشكيل نمط المنطقة في الشرق الأوسط. أعتقد أن ملامح ثلاثة أنماط من موازين القوى بدأت تظهر حالياً، رغم أنها لم تتضح تماماً بعد.
الأول: خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية، كانت السعودية تدفع دائماً باتجاه توحيد قوى جديدة. يرى الرأي العام الدولي أن هناك حالياً معسكراً قيد التشكل، ودافعه الأساسي أربع دول: السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان. ومن بينها، تُعد باكستان دولة من خارج الإقليم، لكنها أيضاً من الدافعين إلى المفاوضات الأمريكية الإيرانية. وقد وقّعت السعودية مع باكستان اتفاق ضمانات أمنية. ورغم أنه لم يحدد علاقة حلفاء بوضوح، فإن التعاون الأمني بدأ فعلياً. بل إن السعودية أدخلت هذا العام جزءاً من القوة العسكرية الباكستانية. كما أعربت تركيا عن رغبتها في الانضمام، ولدى مصر أيضاً هذه الرغبة.
تدفع هذه الحرب الدول المتحالفة إلى السعي نحو نمط من التعاون السياسي والأمني المشترك للحذر من «إسرائيل» وإيران. ورغم أن هذا النمط لم يتضح بعد، فإن رد الفعل هذا، بقيادة السعودية، يستحق الاهتمام. فهو يحترس من استمرار تعاظم «إسرائيل»، ويقلق أيضاً من أن تنهض إيران من جديد بسبب الاتفاق الأمريكي الإيراني.
الثاني: هو إعادة بناء وإعادة تنظيم «محور المقاومة» بقيادة إيران. رغم أن «محور المقاومة» تعرض لانتكاسات شديدة، فإن القوى المختلفة فيه لا تزال تمتلك في هذه الجولة من الصراع رغبة وقدرة على التحرك المشترك: فقد ضرب العراقيون القواعد الأمريكية، وواصل حزب الله القتال مع «إسرائيل»، وأطلقت قوات الحوثيين بصورة رمزية صواريخ باتجاه جنوب «إسرائيل»، وهددت بإغلاق مضيق باب المندب. لذلك، لا يزال «محور المقاومة» موجوداً بوصفه قوة كلية تقودها إيران. كما أن البنود الـ 14 لم تطلب من إيران حل «محور المقاومة»، ولم تطلب منها التخلي عن القدرة على تطوير الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى. لذلك، ومن أجل الحفاظ على نفوذها الإقليمي، ستعيد إيران على الأرجح بناء القوى المتحالفة معها وإعادة تنظيمها.
الثالث: هو معسكر الدول التي انضمت إلى «اتفاقات أبراهام». منذ عام 2020، انضمت أربع دول عربية إلى هذه الاتفاقات، وهي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. تعرضت الإمارات والبحرين لضربات إيرانية كبيرة في هذه الحرب، بل إن الإمارات بدأت فعلاً تعاوناً أمنياً مع «إسرائيل» ونشرت منظومة «القبة الحديدية». في المستقبل، من المرجح أن يتعزز تعاون الدولتين مع «إسرائيل» بدرجة أكبر، وأن تستخدم «إسرائيل» ذلك للتغلغل في منطقة الخليج وتعزيز التعاون الشامل مع الإمارات والبحرين.
لذلك، قد يظهر في المستقبل نمط جديد من ترتيب القوى في الشرق الأوسط يشبه: معسكر تقوده السعودية، ومعسكر تقوده إيران «وهما معسكران لديهما الكثير من المصالح التي قد تتقاطع مع بعضها البعض، والتي قد يسهل تقاطعها الكثير من العوامل، ربما أهمها: العلاقات المصلحية المتنامية مع الصين - المترجم»، والمعسكر الثالث هو معسكر «اتفاقات أبراهام» الذي تقوده أمريكا/«إسرائيل».
في هذه العملية، سيتراجع الدور القيادي الأمريكي، لأن دول الخليج فقدت الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية، ولأن الخلافات بين أمريكا و«إسرائيل» زادت، ولأن ثقة إيران في مواجهة أمريكا تعززت.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1284