ما الذي يُبيّته الاتحاد الأوروبي تجاه الصين حقاً؟

ما الذي يُبيّته الاتحاد الأوروبي تجاه الصين حقاً؟

مع انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي الصيفية، يجد الاتحاد نفسه في مرحلة تتشابك فيها التعديلات الداخلية مع الضغوط الخارجية.

يانغ تشي


من الداخل: تراجع أثر الصدمة التي ألحقها التضخم المرتفع باقتصاد الاتحاد الأوروبي، لكن مفاعيله لا تزال مستمرة، إذ تبقى تكاليف معيشة السكان مرتفعة، ويتباطأ تعافي الاستهلاك والاستثمار. كما أن التحول في مجال الطاقة يتواصل، لكنه يجلب معه ارتفاعاً في التكاليف وإعادة تشكيل للبنية الصناعية. وتتباطأ وتيرة النمو في بعض الصناعات الأساسية، بينما تواجه المزايا التنافسية التقليدية تحديات جديدة.
من الخارج: يرزح الاتحاد الأوروبي كذلك تحت قدر كبير من عدم اليقين. فطول أمد الأزمة الأوكرانية يواصل الضغط على الاتحاد الأوروبي في المستويات الأمنية والمالية والسياسية، كما أن تجدد التوتر في الشرق الأوسط يزيد من اضطراب سوق الطاقة العالمية. أما ألمانيا، بوصفها قلب الاقتصاد الأوروبي، فقد خفّضت مؤخراً توقعاتها للنمو الاقتصادي مرة أخرى، وهذا يوضح من جانب آخر، أن قاعدة التعافي في الاتحاد الأوروبي لا تزال هشة.

أما السياسة الاقتصادية والتجارية تجاه الصين، فليست محور التركيز الوحيد، لكنها تبقى دائماً نقطة أساسية يصعب تجاوزها. والسبب في ذلك، أن كثيراً من النقاشات الحالية في الاتحاد الأوروبي تعود في النهاية إلى سؤال واحد: في ظل التحولات السريعة في بنية الاقتصاد العالمي والنظام الصناعي، كيف يستطيع الاتحاد الأوروبي الحفاظ على قدرته التنافسية، وإعادة البحث عن توازن بين النمو والأمن؟
هناك مسار يقوم على دفع التحديث الصناعي عبر الإصلاح الداخلي، وتحسين بيئة الاستثمار، وخفض الكلفة المؤسسية، ورفع كفاءة الإنتاج. وهناك مسار آخر يميل أكثر إلى استخدام أدوات الدفاع التجاري وسياسات الحماية الصناعية، من أجل منح الصناعات المحلية وقتاً للتكيّف وهامشاً للمناورة.

تقف الصين في قلب هذا النقاش. لذلك، فإن احتمال ظهور احتكاكات تجارية أوضح بين الصين والاتحاد الأوروبي في المستقبل لم يعد مسألة اقتصادية وتجارية ثنائية فقط. فهو يعكس، في ظل الضغط الاقتصادي والانتقال الصناعي والقلق الجيو-أمني، سؤالاً أعمق داخل الاتحاد الأوروبي: هل سيواصل التمسك بالانفتاح، أم سيعزز أدوات الدفاع أكثر؟
بحسب تقارير وسائل إعلام ألمانية، توصلت الأطراف في اليوم الأول من القمة إلى توافق على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يعمّق الحوار مع بكين، وأن يستخدم أدواته السياسية على نحو أسرع في الوقت نفسه. وإلى جانب ذلك، يجب على المفوضية الأوروبية أن تضع إجراءات جديدة لمواجهة مشكلة «فائض القدرة الإنتاجية» في المجال الصناعي، ومن بين المقترحات المطروحة، فرض رسوم جمركية أوروبية على غرار النموذج الأمريكي. وهناك فكرة أخرى تطلب من الشركات الأوروبية أن تحقق تنويعاً في مصادر الإمداد في المجالات الحيوية، مع التخطيط أيضاً لإنشاء «مكافأة التنويع» «Diversifizierungs-Bonus» لتحفيز الشركات التي تفعل ذلك.

ولفهم سبب وصول سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين إلى ما هي عليه اليوم، يمكن تتبعها عبر عدة محطات رئيسية: طرح «التعريف الثلاثي» للصين في عام 2019، وصدور «تقرير التنافسية الأوروبية» الذي أعده دراغي في عام 2024، ثم الاجتماع التنسيقي المغلق الذي عُقد داخل الاتحاد الأوروبي في نهاية الشهر الماضي حول القضايا الاقتصادية والتجارية والأمن الصناعي المرتبطة بالصين.


ظهور «التعريف الثلاثي»


في آذار 2019، أصدرت المفوضية الأوروبية وثيقة «الرؤية الاستراتيجية الأوروبية ـ الصينية». وقد عُدّت هذه الوثيقة لاحقاً، على نطاق واسع، نقطة تحول مهمة في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين. عرّفت الوثيقة الصين للمرة الأولى بطريقة معقدة إلى حد كبير: فهي في الوقت نفسه «شريك تعاون»، و«منافس اقتصادي»، و«خصم مؤسسي». وهذا هو ما صار يُعرف لاحقاً باسم «التعريف الثلاثي» للصين.
لا تكمن أهمية هذا التعريف في الألفاظ المستخدمة فقط، بل في أنه يعكس تغيراً في الإطار الإدراكي الأوروبي للصين. منذ ذلك الحين، لم يعد الاتحاد الأوروبي ينظر إلى الصين بوصفها طرفاً مهماً للتعاون فقط، بل بدأ يقر بأن الصين قد تشكل أيضاً منافساً طويل الأمد للاتحاد الأوروبي في النظام الصناعي، والقواعد التقنية، وطريقة تشغيل المؤسسات.

لم يظهر هذا التغير فجأة، بل كان نتيجة تراكم عوامل متعددة خلال أكثر من عشرة أعوام سابقة. بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، تبنى الاتحاد الأوروبي طويلاً، توقعاً يقوم على «دفع التغير عبر التجارة»، إذ اعتقد أن الصين ستقترب تدريجياً من نموذج الحوكمة الاقتصادية الغربي خلال اندماجها في السوق العالمية. لذلك، ظل مركز الثقل في علاقة الاتحاد الأوروبي بالصين لفترة طويلة قائماً على التعاون الاقتصادي والتجاري والاندماج في الأسواق.
لكن في منتصف العقد الثاني من القرن 21 وما بعده، بدأ الغرب، في أوروبا وأمريكا، يدرك تدريجياً أن مسار التنمية الصيني لم يسر وفق التصورات التي افترضها مسبقاً. فالصين لم تكتف بنسخ النمط الصناعي الغربي، بل شكّلت، بدلاً من ذلك، نظاماً تنموياً يؤكد التنسيق الصناعي، والاستقلال التقني، والتوجيه عبر سياسات صناعية طويلة الأمد. وبعد إطلاق خطة «صنع في الصين 2025» عام 2015 على وجه الخصوص، بدأ الغرب، في أوروبا وأمريكا، يعي بوضوح أن الصين لم تعد مجرد قاعدة إنتاج منخفضة التكلفة داخل سلسلة التصنيع العالمية، بل دخلت بصورة منهجية إلى التصنيع الراقي، والصناعات المتقدمة، ومعدات الاتصالات، والطاقة الجديدة، والتقنيات الرقمية، وغيرها من المجالات التي كانت من المزايا التقليدية للاتحاد الأوروبي.
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، كان ذلك يعني أن المنافسة لم تعد مجرد مواجهة بين شركات، بل صارت تصادماً بين قدرات أنظمة صناعية كاملة. فصناعة الآلات الألمانية، والطيران الفرنسية، وتقنيات الاتصالات في شمال أوروبا، وغيرها من نقاط القوة الأساسية في الاتحاد الأوروبي، بدأت جميعها تواجه ضغوطاً ناجمة عن الصعود السريع لقدرات الشركات الصينية.

والأهم من ذلك، أن سلسلة من الأحداث المحددة عززت أكثر هذا التحول في الإدراك. في عام 2016، استحوذت مجموعة «ميديا» الصينية على شركة الروبوتات الصناعية الألمانية «كوكا KUKA»، ما أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والصناعية الألمانية، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى الاهتمام أكثر بقضايا التقنيات الحساسة، والأمن الصناعي. ثم جاءت الخلافات حول معدات الجيل الخامس من «هواوي»، فدفعت الاتحاد الأوروبي أكثر إلى إعادة النظر في شركات التكنولوجيا الصينية من زاوية «الأمن القومي» و«الاعتماد الاستراتيجي».
في الوقت نفسه، أجبر التوتر المستمر في العلاقات الصينية الأمريكية الاتحاد الأوروبي على إعادة تقييم موقعه. في عهد حكومة ترامب، عرّفت أمريكا الصين رسمياً بوصفها «منافساً استراتيجياً»، واتخذت قيوداً تجارية وتقنية ضد الصين. ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يتبنَّ تماماً نموذج المواجهة الشاملة على الطريقة الأمريكية، فإن تصعيد المنافسة الصينية الأمريكية دفعه مع ذلك إلى إعادة النظر في دوره داخل سلاسل الصناعة العالمية والبنية السياسية الدولية.

إضافة إلى ذلك، كان هناك داخل الاتحاد الأوروبي- بعد أزمة عام 2008 المالية- قدر معين من «الإرهاق من العولمة». فقد أدت هجرة الصناعات إلى الخارج، وتراجع التصنيع، واتساع فجوة الثروة، إلى إعادة فتح النقاش في كثير من الدول الأوروبية حول توزيع مكاسب العولمة. وقد أدّى التوسع السريع للصناعة التحويلية الصينية إلى تضخيم هذا النقاش أكثر.
في الوقت نفسه، بدأ الاتحاد الأوروبي يدرك تدريجياً أن الصين لن تندمج ببساطة في النظام الغربي القائم، بل ستظل موجودة على المدى الطويل كدولة كبرى، تملك منطقها الصناعي الخاص، وبنيتها المؤسسية، وتأثيرها العالمي.
ما الذي يهتم به تقرير دراغي حقاً؟
إنّ قدرة هذا التوازن على الاستمرار طويلاً تتوقف في النهاية على شرط أكثر حساسية:
هل لا يزال اقتصاد الاتحاد الأوروبي يمتلك قدرة تنافسية كافية؟
خلال الأعوام الماضية، تباطأ النمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي على نحو مستمر، وبدأت تظهر تدريجياً مشكلات، مثل: ارتفاع تكاليف الطاقة، ونقص الاستثمار الصناعي، وتراجع قدرة الابتكار. وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي من الداخل إلى إعادة مناقشة موقعه في الاقتصاد العالمي. في هذه الخلفية تحديداً، دعت المفوضية الأوروبية الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي إلى قيادة إعداد تقرير منهجي حول مستقبل التنافسية الأوروبية.
في أيلول 2024، صدر «تقرير التنافسية الأوروبية» رسمياً. حظي هذا التقرير باهتمام واسع، ليس فقط بسبب توصياته السياسية، بل لأنه قدّم قراءة منهجية نسبياً للمشكلات البنيوية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي حالياً.
أشار التقرير إلى أن بعض الشروط الخارجية التي دعمت النموذج الاقتصادي الأوروبي لفترة طويلة تتغير. فبعد الصراع الروسي الأوكراني، أدت تعديلات بنية الطاقة الأوروبية، وتقلب أسعار الطاقة، إلى زيادة واضحة في الضغط على قطاع التصنيع. وفي الوقت نفسه، يعاد تشكيل نمط المنافسة الصناعية العالمية.
يرى التقرير، أن الاتحاد الأوروبي يواجه حالياً ضغطين تنافسيين مختلفين في النوع، أحدهما: من أمريكا. والآخر من الصين.
يتركز الضغط القادم من أمريكا أساساً في مجالات التكنولوجيا الرقمية والابتكار عالي التقنية. أما الضغط القادم من الصين، فيظهر أكثر في مستوى التصنيع والنظام الصناعي.
لكن إحدى الأفكار المهمة في التقرير، هي أن التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي حالياً لا يمكن إرجاعها ببساطة إلى المنافسة الخارجية. فقد وجّه التقرير نقداً مباشراً إلى حد كبير للمشكلات البنيوية الداخلية في الاتحاد الأوروبي.
فعلى سبيل المثال: في مسار الدفع نحو التحول الأخضر، وضع الاتحاد الأوروبي أهدافاً عالية في المناخ وحماية البيئة، لكنه كان بطيئاً في التقدم على صعيد الدعم الصناعي المرافق، وتكاليف الطاقة، وتنسيق الاستثمار. وكانت النتيجة أن بعض الشركات الصناعية تحملت ضغطاً كبيراً. وفي الوقت نفسه، لم يشكّل الاتحاد الأوروبي بعد منظومة صناعية محلية قوية بما يكفي في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وغيرهما من المجالات، بينما استمر نظامه التنظيمي في التشدد، ما زاد موضوعياً كلفة الابتكار والتوسع على الشركات.

 

-------2_result

إضافة إلى ذلك، تُعد تغيرات البنية السكانية تحدياً مهماً للتنافسية الأوروبية على المدى الطويل. يتوقع التقرير، أن يواصل عدد السكان في سن العمل داخل الاتحاد الأوروبي الانخفاض مستقبلاً، في حين يعتمد نظام الرفاه القائم بدرجة عالية على النمو الاقتصادي وقاعدة ضريبية مستقرة. وإذا لم ترتفع الإنتاجية على نحو واضح، فسيواجه النموذج الاقتصادي الأوروبي ضغوطاً مالية وصناعية متزايدة.
يشدد دراغي خصوصاً على أن أكبر خطر يواجه الاتحاد الأوروبي حالياً ليس المنافسة الآتية من دولة واحدة، بل نقص الاستثمار طويل الأمد وتراجع قدرة الابتكار. وقد أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يواجه، للحفاظ على تنافسيته طويلة الأمد، فجوة استثمارية تقارب 750 ملياراً إلى 800 مليار يورو سنوياً.
بمعنى آخر، حتى لو تمكن الاتحاد الأوروبي، عبر الحمائية، من تخفيف بعض ضغوط المنافسة الخارجية مؤقتاً، فإن مشكلاته البنيوية طويلة الأمد ستظل صعبة الحل، إذا لم يستطع بناء مزايا تنافسية جديدة في صناعات المستقبل، مثل: الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والتصنيع المتقدم، وتقنيات الطاقة.

وقد لاقت هذه الفكرة صدى لدى عدد من الاقتصاديين الرئيسيين في الاتحاد الأوروبي. فقد أشار مدير معهد فيينا للأبحاث الاقتصادية: غابرييل فيلبيرماير، بوضوح إلى أن إرجاع ضغوط التصنيع في الاتحاد الأوروبي ببساطة إلى «فائض القدرة الإنتاجية» الصيني ليس دقيقاً، وأن المزايا التنافسية للصين في مجالات، مثل: الطاقة الشمسية والبطاريات، ناتجة أكثر عن ضخامة حجم الإنتاج الصيني، واكتمال سلاسل الصناعة، واستمرار الاستثمار، وليست فقط نتيجة الدعم الحكومي.
أما مدير معهد كيل للاقتصاد العالمي: موريتس شولاريك، فيرى، أن الاتحاد الأوروبي استفاد طويلاً في الماضي من الطاقة الرخيصة، واستقرار أسواق التصدير، ومكاسب العولمة، لكن حين تغيرت الشروط الخارجية لم تواكب بنية الصناعة الأوروبية هذا التغير، وهذا أيضاً سبب مهم من أسباب ضغط التنافسية الحالي.
كما طرحت فيرونيكا غريم، العضو في «مجلس الحكماء الاقتصاديين الخمسة» في ألمانيا، أن إحدى المشكلات المهمة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي حالياً تتمثل في تعقيد إجراءات الموافقات الإدارية، وارتفاع تكاليف التنظيم، ونقص حيوية أسواق رأس المال. وهذا يدفع بعض الشركات المبتكرة ورؤوس الأموال إلى الانتقال تدريجياً إلى مناطق أكثر توحيداً ومرونة في التمويل، وخصوصاً أمريكا.
بعد صدور تقرير دراغي، ظهرت داخل الاتحاد الأوروبي قراءتان مختلفتان.
الأولى: تشدد على استعادة التنافسية عبر سياسة صناعية أكثر نشاطاً، واستثمارات مشتركة، وابتكار تقني.
الثانية: تشدد أكثر على «الأمن الاقتصادي»، و«الحماية الصناعية»، والقدرة الدفاعية في وجه المنافسة الخارجية. والتحولات الحالية في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين تجري إلى حد كبير ضمن تذبذب مستمر بين هذين المسارين.


التغييرات السريعة


في 29 أيار من هذا العام، عُقد في مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل اجتماع مغلق حول القضايا الاقتصادية والتجارية المرتبطة بالصين، وقد وصفته بعض وسائل الإعلام الأوروبية بأنه «اجتماع خاص بالصين».
رغم أن هذا الاجتماع لم يصدر عنه بيان مشترك علني كما يحدث في قمم الاتحاد الأوروبي، ولم يطرح فوراً عقوبات أو إجراءات تجارية جديدة، فإنه عُدّ من قبل كثير من المراقبين إشارة مهمة إلى تغير سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين. فبعد انتهاء الاجتماع، صرّح الجانب الأوروبي للمرة الأولى، وعلى مستوى مرتفع نسبياً، بأن العلاقات التجارية الحالية بين أوروبا والصين «غير قابلة للاستدامة».
هذه العبارة، رغم ضبطها، تحمل دلالات سياسية غير خفيفة. فهي تعني أن الصين، في نظر جزء من صناع القرار في الاتحاد الأوروبي، لم تعد فقط شريكاً تجارياً مهماً أو منافساً في السوق، بل أصبحت تُدرج أكثر فأكثر ضمن إطار النقاش حول «الأمن الاقتصادي» و«مرونة الصناعة». الخلافات بين الدول الأعضاء ظلت واضحة دائماً: ألمانيا تشدد على التعاون الاقتصادي والتجاري، وفرنسا تشدد على «الاستقلال الاستراتيجي»، وبعض دول أوروبا الشرقية تهتم أكثر بالأمن والجغرافيا السياسية، بينما تركز بعض دول جنوب أوروبا بدرجة أكبر على فرص الاستثمار والتجارة مع الصين.

العامل الأساسي الذي يدفع هذا التغير ليس الأيديولوجيا أو الجغرافيا السياسية فقط، بل الأهم هو: القلق الصناعي المتصاعد داخل الاتحاد الأوروبي. مع تعديل بنية الاقتصاد الصيني، واشتداد المنافسة في السوق العالمية، وتباطؤ نمو الاتحاد الأوروبي نفسه، بدأ عدد متزايد من صناع السياسات يقلقون من أنه إذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي الحفاظ على تنافسية الصناعات الحيوية، فقد تتعرض قاعدته الصناعية لضغط مستمر في المنافسة طويلة الأمد.
يتركز هذا القلق أساساً في مجالات السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الشمسية، والصلب، والصناعات الكيميائية، ومعدات الطاقة النظيفة. في هذه الخلفية، بدأ مفهوم «الصدمة الصينية 2.0» يظهر بصورة متكررة داخل الاتحاد الأوروبي.
لم يناقش اجتماع 29 أيار مشكلة العجز التجاري فقط، بل تناول أيضاً مسألة تنافسية النظام الصناعي الأوروبي في المستقبل. لهذا السبب تكتسب عبارة «غير قابلة للاستدامة» أهمية خاصة. فهي تعني، في نظر جزء من صناع القرار الأوروبيين، أن اختلال التوازن التجاري الحالي لم يعد يُرى كتقلب قصير الأمد، بل كصفة بنيوية. بعبارة أخرى، بدأ الاتحاد الأوروبي يقلق من أن مواصلة النموذج القائم على «انفتاح عالٍ وحماية ضعيفة» قد تؤدي إلى إضعاف بعض القدرات الصناعية أكثر.

رغم أن الاتحاد الأوروبي لا يدفع باتجاه «فك ارتباط» شامل، فإن ميله السياسي إلى «انفتاح محدود ودفاع معزز» أصبح أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في الأعوام المقبلة، من المرجح بدرجة كبيرة أن تصبح الاحتكاكات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي أكثر تكراراً. وقد يواصل الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق تحقيقات مكافحة الدعم، ورفع عتبات الوصول إلى بعض الصناعات الحيوية، وتعزيز فحص الاستثمارات والتعاون التقني.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283