«الميكروبات والإنزيمات» الغربية ورقة ضغط خطرة يجب استبدالها!

«الميكروبات والإنزيمات» الغربية ورقة ضغط خطرة يجب استبدالها!

ربما يكون موضع مقالنا من أكثر الحلقات صمتاً في الصناعة الحديثة: السلالات الميكروبية الصناعية ومستحضرات الإنزيمات. فهي لا تشكل في المنتج النهائي الذي يشتريه المستهلك سوى بضع نقاط مئوية من التكلفة، أو أقل من ذلك، لكنها تحدد ما إذا كانت التسعة أعشار الباقية من المواد الخام والطاقة والعمل البشري ستُستخدم بكفاءة أم لا.

«وحدة النقد البنّاء»


من اللحم والبيض والحليب إلى زجاجة البيرة، تقف في الخلفية سلالة بكتيرية لا تُرى، وزجاجة إنزيم لا تحمل اسماً. وعندما تُضيّق الشركات الأوروبية والأمريكية العملاقة هذا الصمام في الخفاء، تكون رفوف المتاجر التي يرتادها الناس العاديون في البلاد المفروض عليها العقوبات، كما الحال في روسيا، أول من يتذوق الألم. لكنّ الألم أحياناً هو نقطة البداية لصحوة أمة ونهضتها.

في عام 2023، عندما كان علماء فرع سيبيريا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم يجرون دراسة جدوى لمشروع بناء مركز «تكنولوجيا التحفيز الحيوي»، تركوا في التقرير فقرة تحذيرية تثير الذعر: «يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة التي قد تنتج عن انقطاع إمدادات الإنزيمات ومستحضرات الإنزيمات المستوردة. في حال التوقف عن استخدام هذه المنتجات، سيزداد استهلاك الأعلاف المركبة في المجال الزراعي على نحو واضح، بنسبة تصل إلى 1.5 إلى 2 ضعفين، وهذا سيؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وسيزيد من تضخم أسعار الغذاء. وفي الوقت نفسه، ستتراجع قدرة روسيا على تصدير الحبوب، ما سيترك أثراً سلبياً في ميزان المدفوعات الدولي. وفي حال غياب مستحضرات الإنزيمات المستوردة، قد ينخفض إنتاج الإيثانول بنسبة 15%».
بعد ثلاث سنوات، بدأت هذه الكلمات التي لم تجذب انتباه العالم الخارجي في ذلك الوقت، تتحقق في الحياة الاقتصادية اليومية الروسية بدقة باردة. قلة قليلة من الناس تدرك أنه خلف تغير أسعار الحليب والجبن والبيض واللحوم أو أسعار المشروبات الكحولية، تخوض أوروبا وأمريكا حرباً رمادية ضد روسيا في «نقطة اختناق» داخل سلسلة صناعة الغذاء: السلالات الميكروبية الصناعية ومستحضرات الإنزيمات.

تحدد السلالات الميكروبية الصناعية ومستحضرات الإنزيمات، إلى حد كبير، كفاءة صناعة الغذاء الحديثة. ومن زاوية بنية المنافسة العالمية، يظهر هذا السوق بخصائص واضحة: هيمنة مطلقة من الشركات العابرة للقوميات فائقة الضخامة، واحتلال أوروبا وأمريكا واليابان قمة الموقع البيئي الصناعي.
بعد موجة مكثفة من عمليات الدمج والاستحواذ في السنوات الأخيرة، انحصرت قمة الصناعة في اسمين: «نوفونيسيس Novonesis»، و«دي إس إم-فيرمينيتش DSM-Firmenich». هاتان المجموعتان من الشركات، مع عدد قليل من مثيلاتها، ظلت لفترة طويلة تتحكم في معظم حصة سوق الإنزيمات الصناعية العالمية، وتقبع بثبات في قمة الموقع البيئي. لا ينبغي أبداً التقليل من وزن هذه الأسماء لمجرد أنها غريبة وغير مألوفة.
لنأخذ اللحوم والبيض والحليب، وهي أكثر ما يمس كل إنسان مباشرة. من دون مستحضرات الإنزيمات الحديثة، سيزداد استهلاك الأعلاف في تربية الحيوانات بدرجة كبيرة، وسترتفع التكاليف تبعاً لذلك، وسيصبح الضغط على استهلاك الناس العاديين من الحبوب الأساسية أكثر وضوحاً. سوق الغذاء الروسية في الوقت الحالي عينة نموذجية من ذلك.

من زاوية الثروات الجغرافية، تمتلك روسيا مساحات واسعة من التربة السوداء، وهي من كبار مصدّري الحبوب الخام في العالم. لكن خلف هذا الثراء توجد عيوب طبيعية. فبخلاف الأمريكيتين، حيث تشكل الذرة وفول الصويا أساس العلف على نطاق واسع، تعتمد تربية المواشي في روسيا بدرجة عالية على محاصيل محلية مقاومة للبرد، مثل: الشعير والجاودار.
من تناول خبز القمح الكامل لن يصعب عليه أن يفهم أن جدران خلايا هذه الحبوب صلبة على نحو استثنائي. وما تحتويه من «السكريات المتعددة غير النشوية NSP» لا تستطيع الحيوانات وحيدة المعدة، مثل: الخنازير والدجاج، امتصاصه، بل يشكّل في الجهاز الهضمي مادة هلامية عالية اللزوجة، تغلف البروتينات والنشويات الثمينة الأخرى. يستطيع الإنسان أن يستخدم هذه الآلية الفسيولوجية لإنقاص الوزن، لكن هدف صناعة تربية الحيوانات مختلف تماماً، فسوء تغذية الحيوان وأمراض الجهاز الهضمي عدوّان كبيران بالنسبة إلى هذه الصناعة. قبل العقوبات، كانت مستحضرات الإنزيمات التي توفرها الشركات العابرة للحدود تحل هذه المشكلة بهدوء وسلاسة.

هذه الإنزيمات ذات التركيب الدقيق، كانت مثل مشرط على المستوى الجزيئي، تقطع السلاسل الجزيئية للسكريات المتعددة غير النشوية، وتحرر العناصر الغذائية المحبوسة داخلها. وحين ينقطع توريد إنزيمات الأعلاف من الشركات الأوروبية والأمريكية العملاقة، أو حين تُستخدم بدائل غير ناضجة، تنخفض كفاءة تحويل العلف لدى الحيوانات «FCR». وهذا يعني أن إنتاج الرطل نفسه من اللحم، أو اللتر نفسه من الحليب، يحتاج إلى استهلاك كمية أكبر من الحبوب. وحتى الخسارة الصغيرة في معدل التحويل، عندما تُضرب في القاعدة الضخمة لقطاع تربية الحيوانات الروسي، تتحول إلى زيادة مذهلة في استهلاك الحبوب الخام.
لهذا، عند تقييد أو انقطاع مستحضرات الإنزيمات، لن يكون أمام مصانع الأعلاف سوى إعادة المواد الخام مرتفعة التكلفة إلى التركيبات، لترتفع تكلفة كل طن علف بشكل مباشر، ثم تنتقل هذه التكلفة على امتداد السلسلة الصناعية إلى تصنيع اللحوم وإمدادات البيض.
أما في طرف «الحليب»، فإن تقييد السلالات الميكروبية والإنزيمات يوجّه ضربة تكاد تكون بنيوية. وهذا بالتحديد هو السبب الجوهري للظاهرة المتناقضة ظاهرياً في روسيا اليوم: «فائض في الحليب الخام، وارتفاع في أسعار الحليب على الرفوف».
صناعة الألبان الروسية، وخصوصاً الأصناف كثيفة الاعتماد على التخمير، مثل: اللبن، واللبن الرائب، والجبن، كانت تعتمد في الماضي على مورّدين أوروبيين فيما يخص بادئات التخمير المباشرة «DVS» بنسبة كانت تصل إلى أكثر من 80%.
الأكثر تعقيداً، أن هذا الانهيار المفاجئ في البيئة الميكروية الصناعية لا يمكن، في المدى القصير، تعويضه عبر الالتفات إلى الصين وغيرها من القنوات البديلة. فالواقع القاسي هو أن الصين نفسها لم تحقق بعد اختراقاً جوهرياً في جزء التصنيع العميق للألبان والمخبوزات الراقية من هذه الأحجية.

لذلك تظهر في المنتجات الجديدة فجوة واضحة عن «البضاعة الأصلية» في مؤشرات أساسية، مثل: استقرار دهن الحليب، ومعدل الخفق، ونقاء النكهة. وحتى داخل الصين نفسها، وفي قطاع الشاي والقهوة المزدهر، ما تزال المواد الخام الراقية الموجهة للشركات الصناعية، مثل: الزبدة اللامائية الخاصة بالمخبوزات، وقواعد غطاء الحليب، تعتمد إلى الآن بصورة رئيسية على الاستيراد.
وهكذا تشكل مشهد مخالف للمنطق للوهلة الأولى: إنتاج الحليب الخام الأساسي في روسيا ظل مستقراً بدعم من المجموعات الزراعية الكبرى والإعانات الحكومية، بل ظهرت في بعض المناطق فوائض جزئية بسبب التشبع المرحلي للاستهلاك المحلي. لكن بسبب نقص بادئات التخمير الراقية وإنزيمات المعالجة، عجزت المصانع المحلية عن تحويل هذه الكميات من الحليب الخام بكفاءة واستقرار إلى جبن ولبن عاليي الجودة. وارتفعت تكاليف المعالجة، وزادت الخسائر، ثم أضيفت إليها علاوة القنوات الناتجة عن البحث في كل مكان عن سلاسل توريد بديلة، وفي النهاية انتقل العبء كاملاً إلى رفوف البيع بالتجزئة.

 

________result

لكن هذا الأثر الهائل للرافعة لا يقتصر إطلاقاً على الأعلاف وتربية الحيوانات. أقرب مثال آخر هو الغسيل. ما اعتاد عليه الناس اليوم من عبارات، مثل «تنظيف فعال حتى بالماء البارد» و«رغوة قليلة وخالٍ من الفوسفات وأكثر صداقة للبيئة»، تقف خلفه مجموعة من الإنزيمات تعمل نيابة عن الإنسان: البروتياز يفكك بقع الدم والحليب، والليباز يتعامل مع الزيوت، والأميلاز يعالج بقع الأرز والنشويات، أما السيلولاز فيعيد للأقمشة القطنية بريقها ويزيل التكتلات. هذه الإنزيمات هي التي جعلت المنظفات قادرة، في درجات حرارة ماء أقل، وبمضافات كيميائية أقل، وتركيبات خالية من الفوسفات وأكثر صداقة للبيئة، على تحقيق نتائج مساوية، بل متفوقة على أساليب الغسيل القديمة القائمة على الحرارة العالية والقلويات القوية. فإذا سُحبت الإنزيمات من التركيبة، فإما أن الملابس لن تنظف جيداً، وإما أن الصناعة ستعود إلى المياه الساخنة جداً، وإلى كميات كبيرة من الفوسفات. عندها سيتراجع التقدم البيئي الذي حققته صناعة المنظفات الحديثة خلال عقود إلى نقطة البداية تقريباً.
وعند التوغل أكثر في عمق الصناعة، يصبح تأثير مستحضرات الإنزيمات الحديثة أكبر لا أقل.


تلك المشكلة ما حلّها؟


إذا أرادت المصانع استخدام بدائل محلية، فهذا يعني أن ما يجب تغييره ليس فقط العامل الحفاز في خزان التخمير، بل منطق التحكم الرقمي للمصنع كله. وهذه الحلقة البيئية المغلقة، التي تتكون من الخوارزميات والمعدات وبراءات الاختراع والمعايير، هي الحبل الحقيقي الذي يخنق الدول المتأخرة عندما تواجه الانقطاع.

بمجرد أن تعدّل الشركات الغربية العملاقة سياسة ترخيص السلالات، أو تضع عرقلة صغيرة في سلسلة الإمداد، تصبح مئات وآلاف الأطنان من خزانات التخمير أمام خطر التحول إلى حوض من المياه الفاسدة. لكنّ هذا الألم العميق الناتج عن «الكبر من دون قوة» ووجود شرايين الحياة في أيدي الآخرين، هو ما تبلور اليوم في إرادة جماعية لدى الصناعة الصينية وصانعي القرار فيها لدفع استقلال السلالات الأساسية مهما كان الثمن.
نقاط التعطل لا تقف عند السلالة نفسها. فحتى لو امتلك المرء القدرة على تصميم سلالات مستقلة، فإن جعل سلالة واحدة «تكبر وتُنقّى وتُستخدم جيداً» يحتاج إلى سلسلة كاملة من الأدوات في المراحل السابقة، وهذه السلسلة لم تمسك الصين بها بالكامل حتى الآن.
المفاعلات الحيوية الراقية التي تتحمل مهمة «صناعة السلالات وتربيتها»، ووسائط الفصل الحيوي التي تحدد كفاءة التنقية، ما تزال الصين المحلية فيها متأخرة عن المستوى الدولي المتقدم. والأخطر من ذلك، هو طرق الاختبار والتحليل. فقد تحدث عاملون في الصناعة عن أنه في عام 2022، بلغت نسبة المشتريات المستوردة من ثلاثة أنواع من الأجهزة التحليلية الدقيقة التي لا غنى عنها في التصنيع الحيوي، وهي أجهزة الكروماتوغرافيا، ومطيافات الكتلة، وأجهزة المطيافية، نحو 80%، و80%، و75% على التوالي. أما الأعمدة الكروماتوغرافية، ومصادر الأيونات، ومحللات الكتلة وغيرها من المكونات الأساسية، فتملك حواجز تقنية شديدة الارتفاع، وما يزال مستوى توطينها منخفضاً كذلك.

وباستخدام تشبيه أشباه الموصلات، يبدو الأمر كما لو أن بلداً تعلم أخيراً تصميم الرقائق، لكنه اكتشف أن آلة طباعة الرقائق، ومعدات قياسها وفحصها، لا تزال كلها بحاجة إلى الاستيراد من الخارج. إن استقلال السلالات يجب أن يُستكمل مع سلسلة الأدوات الكاملة خلفها، أي «معدات صناعة السلالات + أجهزة الاختبار»، حتى يمكن القول: إن المصير أصبح فعلاً في اليد.
على مدى سنوات طويلة، ظل أصحاب البصيرة داخل القطاع وخارجه يشعرون بقلق عميق من اعتماد الصين الخارجي في السلالات الميكروبية الصناعية، ومستحضرات الإنزيمات، والمواد الوراثية الأصلية، مثل: السائل المنوي والأجنة المجمدة للماشية والدواجن، وكذلك في وسائل تقنية كثيرة داخل صناعة الغذاء، مثل: أجهزة الكروماتوغرافيا، ومطيافات الكتلة، وأجهزة المطيافية، والمفاعلات الحيوية، ووسائط الفصل الحيوي. وقد بذلوا جهوداً لا تتوقف في الدعوة والدفع، إلى أن تبلورت أخيراً سلسلة من السياسات الصناعية. ومن الدولة إلى الشركات، بدأت موارد كبيرة تُستثمر في دعم القوى المحلية.
في هذه الحملة المضادة الكبرى، تحولت منتجات الألبان وتصنيع اللحوم، وهي فئات مرتبطة بالمعيشة الأساسية، إلى ساحة المعركة الرئيسية في اقتحام الصعوبات.
في الماضي، كانت بادئات التخمير الأساسية الخاصة باللبن الراقي والجبن الجاهز للأكل لدى شركات الألبان الكبرى، التي ازدهرت في موجة ترقية الاستهلاك، محتكرة تقريباً على مدى سنوات طويلة من الشركات الأوروبية العملاقة. وكانت صعوبة تطوير بادئات التخمير المباشرة لا تقل عن صعوبة تربية أرز عالي الغلة في أرض مالحة قلوية.

ولانتزاع هذه الساحة، خاضت الشركات المحلية والمؤسسات البحثية ما يمكن وصفه بـ«مسيرة طويلة في الطين» امتدت أكثر من عشرة أعوام. خرج الباحثون من المختبرات، وتوغلوا في مزارع هضبة تشينغهاي-التبت، ومراعي ألتاي في شينجيانغ، وورشات التخمير التقليدية النائية في منغوليا الداخلية. ومن آلاف الأنواع من اللبن اليدوي وقطع الحليب المخمرة، جمعوا سلالات برية ذات قدرات مقاومة طبيعية محتملة. ثم عبر الفحص عالي الإنتاجية والتحليل الجيني متعدد الأوميكس، بدأوا تدريجياً في عزل وتدجين وتحسين سلالات من هذا البنك المحلي، سلالات تناسب خصائص الأمعاء لدى الصينيين من جهة، وتتحمل قوة القص العالية، وضغط التخمير عالي الكثافة في المصانع الحديثة من جهة أخرى. هذا الاستقلال الكامل، من مخزون الموارد البدائية إلى نظام التعبير الصناعي، يزيل شيئاً فشيئاً امتياز التسعير الذي تمتعت به الشركات العابرة للقوميات في تخمير الألبان الراقية.
وفي الوقت الحالي، يسير الاختراق تقريباً على مسارين.

المسار الأول: هو إحلال الواردات الذي دفعه «التنافس الداخلي» القاسي. فقد حققت شركات محلية مثل «غوانغدونغ ييدولي» و«شاندونغ ويلونغ بايو» تقدماً كبيراً في مجالات الإنزيمات الصناعية الكبرى وإنزيمات الأعلاف، عبر الفحص المستقل والتحسين الجزئي للسلالات. ولم تكتف إنزيمات الأعلاف بإنجاز إحلال الواردات أساسياً والسيطرة على معظم السوق المحلية، بل اقتربت جودتها من مستوى الدول المتقدمة أو تجاوزته، وأصبحت واحدة من الأصناف القليلة من إضافات الأعلاف القادرة على التصدير وجلب العملات الأجنبية.
فعلى سبيل المثال: أصبحت «ييدولي» أكبر منتج محلي لمستحضرات إنزيمات الأعلاف، وتشمل منتجاتها الأساسية الإنزيمات المركبة للأعلاف، والفيتاز، والزيلاناز، وقد حصلت على تسجيل رسمي في أكثر من ستين بلداً ومنطقة.
هذه القدرة التي صُقلت في بيئة شديدة التنافس، حيث تُحسب الأرباح بالفواصل الصغيرة جداً، منحت الشركات الصينية سرعة تكرار وتطوير لا تستطيع الشركات الغربية العملاقة بلوغها.
بينما اعتادت الشركات الغربية الاتكاء على رسوم براءات الاختراع، وتمتد دورات بحثها وتطويرها غالباً إلى سنوات، تعمل شركات التصنيع الحيوي الخاصة الصينية على تكرار التركيبات وتطويرها بوحدة زمنية تُقاس بالأسابيع، وتنزل أسعار إنزيمات الأعلاف من عرشها العالي، وتصدّر إلى العالم، بصورة نظامية، «الحل الصيني» ذي القدرة التنافسية القاتلة في التكلفة.

المسار الثاني: هو التمسك بقوة بفرصة «تجاوز المنعطف» التي جلبتها البيولوجيا التركيبية. في هذا المضمار، لا تُعد الصين متأخرة.
أمام بيئة تنافسية عميقة التغير، تسعى الشركات التقليدية العملاقة في أوروبا وأمريكا واليابان إلى مزيد من الاندماج والاستحواذ لرفع درجة التركّز وتعزيز قدرتها التنافسية. فهي تعتمد على جدار عميق جداً من براءات الاختراع، ومكتبات ضخمة من السلالات الناضجة، وعلاقات توريد مرتبطة منذ عقود بعملاء عابرين للقوميات في المصب، مثل: «بروكتر آند غامبل»، و«يونيليفر»، و«نستله».
لكن في تاريخ تطور صناعة الغذاء الصينية، لا تُحصى المعارك التي لحقت فيها الصين بالآخرين بنهضة قوية ثم قلبت الموازين في النهاية. على سبيل المثال: إن قلق «الخنق التقني» الذي كان معروفاً على نطاق واسع في عبوات «تترا باك» صار اليوم مفككاً بالكامل. قصة «تترا باك» تؤكد مبدأ صناعياً بسيطاً: طالما أن الدولة المتأخرة تمتلك قدرة كاملة على تصنيع آلات الصناعة الأم، وقدرة داعمة في المواد الأساسية، فإن كثيراً من الاحتكارات التي بنتها قطاعات فرعية في المراحل الأعلى بفضل ميزة السبق، ستسوى في النهاية بواسطة رأس المال الصناعي الضخم والقوة الهندسية، لتصبح طريقاً واسعاً قائماً على نسبة السعر إلى الأداء.

النموذج نفسه يتكرر الآن في مجال التصنيع الحيوي. الميزة التي بنتها أوروبا وأمريكا في التصنيع الحيوي جاءت من التراكم الطولي على محور الزمن: عقود من تعديل السلالات، وتجميع براءات الاختراع، وربط العملاء. هذه ميزة حقيقية وعميقة، ولا ينبغي الاستخفاف بها. أما الانقلابات المتكررة في الصناعة الصينية، فتكشف مسار تطور مميزاً آخر: ميزة القطاع الصناعي الصيني غالباً ما تظهر في البعد الأفقي، أي في حجم المنافسين. الكثافة الأفقية تستطيع في النهاية، غالباً، أن تملأ فجوة الزمن الطولية بالقوة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280