هل يقابل «صعود الشرق» بشكل حتمي «تراجع الغرب»؟

هل يقابل «صعود الشرق» بشكل حتمي «تراجع الغرب»؟

لو نظرنا إلى المرحلة الراهنة من زاوية مراحل التطور التاريخي الأمريكي، هل تعيش أمريكا الآن انسحاباً إمبراطورياً، أم تقف عند نقطة بداية «دورة تاريخية جديدة» قلقة؟
وهل تكفي المصطلحات التي يستخدمها المراقبون كثيراً، مثل: «الصفقة الكبرى» مع الصين أو «مناطق النفوذ»، لوصف الواقع بدقة؟

جيا مين


تالياً، جزء من الحوار مع جيا مين، الباحث البارز في «مؤسسة شنغهاي لأبحاث التنمية»، للحديث عن الأمر.
قبل أن يبدأ ترامب زيارته الرسمية إلى الصين، كان العالم كله يتكهن بما سيتحدث عنه الطرفان تحديداً. من أكثر ما كان موضع اهتمام: قضية تايوان، وقضايا التجارة والاقتصاد، وقضية إيران، وقضية روسيا وأوكرانيا، وقضايا التكنولوجيا، مثل: الذكاء الاصطناعي... وكان لكل شخص رأي مختلف. بعضهم رأى أن الصين وأمريكا ستديران الخلافات حول مختلف الملفات، وأن السؤال هو: هل يمكن إنشاء آليات حماية؟ وهل سيُوقّعان طلبات شراء، وغير ذلك؟ نحن بحاجة إطار كبير واتجاه عام لمعالجة كل قضية بحسب خصوصيتها، وهذا يأخذنا إلى نقطة وردت في البيانين الرسميين الصيني والأمريكي، وهي التموضع الجديد للعلاقات الصينية-الأمريكية: «علاقة الاستقرار الاستراتيجي البنّاء».

قدم الجانب الصيني وصفاً محدداً جداً لعبارة «علاقة الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»: استقرار إيجابي تكون فيه الغلبة للتعاون، واستقرار سليم تكون فيه المنافسة مضبوطة، واستقرار طبيعي تكون فيه الخلافات قابلة للسيطرة، واستقرار دائم يكون السلام فيه قابلاً للتوقع. يمكن أن نرى بوضوح أن الكلمة المفتاحية في التموضع الجديد للعلاقات الصينية-الأمريكية هي «الاستقرار». و«الاستقرار» هنا ليس تعبيراً فارغاً، بل يتضمن تفاصيل محددة جداً.
مثلاً: الاستقرار الإيجابي الذي تكون فيه الغلبة للتعاون. بالنسبة إلى العلاقات الصينية ـ الأمريكية الحالية، ربما تكون القنوات الرئيسية للتعاون هي التبادل الإنساني والثقافي، وإنفاذ القانون المشترك وغير ذلك.
ثم الاستقرار السليم الذي تكون فيه المنافسة مضبوطة. هذا أيضاً اختراق كبير. في الماضي، لم يكن الجانب الصيني يميل كثيراً إلى استخدام كلمة «المنافسة» لوصف العلاقات الصينية- الأمريكية، بل كان يبرز التعاون دائماً. لكن من واقع العلاقات الصينية-الأمريكية اليوم، أصبحت المنافسة موجودة في كل مكان، ولذلك وضع الطرفان «المنافسة» على الطاولة بصراحة. الكلمة محايدة إلى حد كبير. ففي الرياضة، والتجارة، والسياسة، ومجالات أخرى، توجد منافسة ظاهرة أو خفية. وشخصية الأمريكيين تجعلهم يجرؤون على احتضان المنافسة. وغالباً ما تكون المنافسة مرحلية وموجهة نحو النتيجة والغاية.

إن عناصر «المنافسة» الموجودة في العلاقات الصينية-الأمريكية تشير أكثر إلى التكنولوجيا، والاقتصاد، والتنافس على السوق العالمية، ولا تشير إلى أي سيناريو صراع مباشر. لذلك أرى أن معنى «المنافسة» في التعبير الرسمي يميل إلى الحياد والإيجابية. وما دام الطرفان لا ينخرطان في منافسة خبيثة، بما في ذلك إجراءات الحواجز التجارية والولاية القضائية طويلة الذراع التي يجيدها الجانب الأمريكي أكثر من غيره، فإن الاستقرار السليم القائم على منافسة مضبوطة يمكن أن يتحقق.
ومثلاً: الاستقرار الطبيعي الذي تكون فيه الخلافات قابلة للسيطرة يشير أساساً إلى الخلافات التي تظهر بين الصين وأمريكا في مجال الجغرافيا السياسية العالمية، مثل: النزاع الروسي- الأوكراني، وقضية إيران. لا يمكن إنكار وجود الخلافات بين الطرفين، بل قد تكون حادة ومتعارضة. لذلك فإن بناء وضع طبيعي عبر مفاوضات واتصالات قابلة للسيطرة ومؤسسية أمر ضروري جداً. أما «الاستقرار الدائم الذي يكون السلام فيه قابلاً للتوقع»، فلا شك أنه يشير إلى قضية تايوان، وهي موضع المصلحة الجوهرية للصين.
لقد خصص الرئيس شي فقرة للحديث عن قضية تايوان في محادثات الرئيسين الصيني والأمريكي: «قضية تايوان هي أهم قضية في العلاقات الصينية- الأمريكية. إذا عولجت جيداً، فإن علاقات البلدين يمكن أن تحافظ على استقرارها العام. وإذا لم تُعالج جيداً، فإن البلدين سيصطدمان، بل قد يدخلان في صراع، ما يدفع العلاقات الصينية-الأمريكية كلها إلى وضع بالغ الخطورة. «استقلال تايوان» والسلام في مضيق تايوان لا يجتمعان كما لا يجتمع الماء والنار. والحفاظ على السلام والاستقرار في مضيق تايوان هو القاسم المشترك الأكبر بين الصين وأمريكا. وعلى الجانب الأمريكي أن يتعامل مع قضية تايوان بأقصى درجات الحذر».

 

________result


إن طرح الصين هذه المرة لـ«علاقة الاستقرار الاستراتيجي البنّاء بين الصين وأمريكا» يعني وضع بوصلة للعلاقات الصينية-الأمريكية خلال السنوات الثلاث المقبلة، بل ولمدة أطول. هذه نقطة مهمة جداً، وأنا أعبّر عن تأييدي العميق لهذا المفهوم. إن «الاستقرارات» الأربعة تغطي أربعة أبعاد للعلاقات الصينية-الأمريكية، من التعاون إلى المنافسة، ومن الخلافات إلى الصراع. وهي بمثابة بناء مخطط استراتيجي، أو يمكن القول: إنها خريطة إرشادية للتنفيذ، أقامت إطاراً لتفاعل قابل للتشغيل والتوقع بين الطرفين.
وزير الخارجية الأمريكي قال في مقابلة مع NBC في بكين: إن أمريكا تعترف بـ«الاستقرار الاستراتيجي البنّاء». وآخر الأخبار، أن ورقة الحقائق التي نشرها موقع البيت الأبيض بشأن زيارة ترامب إلى الصين ذكرت هذا التعبير أيضاً. لكن من الواضح أن الجميع ينتظرون كيف سيتحرك الجانب الأمريكي لتحقيق ذلك عملياً. برأيك، ما نوع «مطابقة الساعات» أو عملية التنافس والتفاوض التي ستحدث بين الصين وأمريكا في المستقبل؟
هذا سؤال كبير، والإجابة عنه تحتاج إلى شيء من المراجعة. منذ زمن طويل، كان الأمريكيون، عند تعاملهم مع التعريفات أو التعبيرات التي تقترحها الصين بشأن العلاقات الصينية-الأمريكية، وحتى ما قبل لقاء الرئيسين في بكين هذه المرة، ينظرون إليها دائماً بموقف متعالٍ وانتقائي. وهو ما أسميه عادة باسم «فخ الغطرسة»، الذي أصبح بالفعل مظهراً مرضياً من مظاهر الهوس الأمريكي بالصين.
مثلاً: طرحت الصين سابقاً بناء نمط جديد من العلاقات بين الدول الكبرى، وقالت: إن المحيط الهادئ يتسع للصين وأمريكا. لكن في النهاية، أساء الجانب الأمريكي فهم ذلك وحرّفه، واعتبر أن الصين تريد أن تصبح القائد، وأن أمريكا لا يمكن إلا أن تكون في المرتبة الثانية، وأن الصين تريد قيادة أمريكا. ثم طرحت الصين لاحقاً مقترح عدم الصراع، وعدم المواجهة، والتعاون المربح للجميع، لكن أمريكا لم تأخذه بجدية.
أنا أرى أن أمريكا وقعت في «فخ الغطرسة والجهل»، وأنها ظلت تتردد داخل هذا الفخ لعقود طويلة. إذن، هل تستطيع النخبة الأمريكية اليوم أن تقبل «علاقة الاستقرار الاستراتيجي البنّاء»؟ أعتقد أن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت والمراقبة بصبر.
نحن نتوقع أن يرد الجانب الأمريكي بإيجابية، لكن علينا أيضاً أن نرى بهدوء أنه في عالم اليوم، لا يمكن للمرء أن يكتسب ثقة الآخرين حقاً إلا بالاعتماد على تنمية الذات وتقوية الداخل. من هذا المعنى، وصلنا الآن فعلاً إلى مرحلة رمي الكرة إلى الجانب الأمريكي، لنرى هل يمكنكم أن تقبلوا مثل هذا التوقع بالاستقرار الاستراتيجي؟ انطلاقاً من التاريخ والتجربة السابقة، سيواجه هذا الأمر بالتأكيد انتقادات داخل أمريكا، بل وربما مقاومة كبيرة، لكن هذه المقاومة يمكن توقعها. لم تخرج أمريكا بعد من «فخ الغطرسة»، إذ تعتقد أن الصين لن تستطيع أبداً تجاوز أمريكا، كما لو أن القوة التكنولوجية الصينية ستظل دائماً خلف أمريكا. لكن هل الواقع كذلك؟ لقد أعطى الواقع جوابه. والجانب الآخر هو الجهل، أي تجاهل ما حققته الصين من تطور في الاقتصاد والمجتمع ومعيشة الناس. الآن، كثير من السياح الغربيين الذين يأتون إلى الصين، ومنهم سياح أمريكيون، يرون أن الصين تفعل أشياء كثيرة على نحو أفضل من أمريكا، بل تمتلك مزايا نسبية في مجالات كثيرة، فتتكون لديهم انطباعات حقيقية كثيرة. هؤلاء الناس العاديون، في الواقع، أقرب إلى الأرض من النخب، وأكثر قدرة على فهم الصين اليوم.


صعود وتراجع وبداية دورة جديدة!


بالنسبة إلى زيارة ترامب إلى الصين هذه المرة، رأت وسائل إعلام دولية كثيرة أنه جاء «مكسور الخاطر» بسبب حرب إيران وأزمة مضيق هرمز، بل رأوا أنه «يطلب شيئاً» من الصين في هذه الملفات، مع أن ترامب وروبيو وغيرهما نفوا ذلك. وربما يعود سبب هذا الاعتقاد في الخارج إلى تقدير معيّن للوضع بين الصين وأمريكا. بعضهم يرى أن «صعود الشرق وتراجع الغرب» يتسارع، وبعضهم يرى أن هذا زمن تراجع أو انسحاب الهيمنة الأمريكية، وبالطبع هناك من يتعامل بحذر مع تحول موازين القوى بين الصين وأمريكا... كيف تنظر إلى هذه الآراء المختلفة؟ هل تحوّل الوضع بين الصين وأمريكا خطي أم اهتزازي؟ وإذا نظرنا من خلال الخبرة التاريخية، فإن عملية انتقال اليد بين قوى كبرى تكون غالباً طويلة ومختلطة وخطيرة جداً. ما رأيك في ذلك؟ إضافة إلى ذلك، كيف هو الوضع الداخلي والخارجي الذي يعيشه ترامب الآن، ولا سيما الوضع الداخلي، وما الأوراق التي يملكها؟
خلال الفترة الماضية، أصبح مفهوم «صعود الشرق وتراجع الغرب» رائجاً جداً، وامتد أثره إلى الدول الغربية أيضاً. إذا عدنا إلى السياق التاريخي الذي ظهر فيه هذا المصطلح، فيمكننا أن نعتبره وصفاً لأداء نموذج حكمنا، ونظامنا الاجتماعي، واستجابتنا للعوامل الخارجية في فترة معينة، وكان هذا الأداء يتمتع فعلاً بمزايا. أرى أن لهذا المفهوم إشارة زمنية محددة، ولا يعني تعميماً مطلقاً. الآن، يعمّم بعض الناس هذا المصطلح، كما لو أنهم يرون أننا نصعد دائماً، وأن الغرب ينحدر دائماً، وهذا لا ينسجم مع بعض الحقائق التي يجب إدراكها.

مثلاً: نقول: إن «تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية وجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب، وأن ينجحا معاً، وأن ينفعا العالم»، ونقول: إن «الصين وأمريكا قادرتان تماماً على إنجاح كل منهما الأخرى وتحقيق الازدهار المشترك»، وإن «على الصين وأمريكا أن تكونا شريكتين وصديقتين، فهذا درس التاريخ وحاجة الواقع» ... أعتقد أنه إذا كنا نوافق على هذه التعبيرات والآراء، فإن مصطلح «صعود الشرق وتراجع الغرب» لا يبدو قائماً في هذا السياق. إن إنجازات الصين التنموية لا تحتاج مني إلى تفصيل، لكن حين نتحدث عما إذا كانت أمريكا في مرحلة هبوط، فأنا شخصياً أتبنى موقفاً حذراً. أميل أكثر إلى الاعتقاد بأن «أمريكا تقف عند نقطة بداية دورة تاريخية جديدة من تطورها».
أنا باحث في التاريخ الأمريكي، وأريد أن أغيّر زاوية النظر، وأن أروي الأمر من خلال دورة تطور أمريكا نفسها. إذا بدأنا من عام 1776، فهذا العام هو الذكرى الـ 250 لاستقلال أمريكا. وإذا بدأنا من عام 1783، حين أبرمت الولايات الثلاث عشرة الأمريكية الدستور، فإن مسار استكشاف بناء الدولة الأمريكية يمتد لأكثر من 240 عاماً. وإذا قسمنا التاريخ الأمريكي إلى ثلاثة أقسام، كل قسم منها نحو 80 عاماً، يمكن أن نجد أن أمريكا شهدت في نحو 240 عاماً ثلاث مراحل تاريخية رئيسية.

المرحلة الأولى: تمتد من تأسيس أمريكا إلى الحرب الأهلية الأمريكية، وأسميها «مرحلة بناء الدولة مؤسسياً». المقصود ببناء الدولة مؤسسياً هو سلسلة الاستكشافات المؤسسية التي جرت بعد إقرار الدستور وتأسيس الحكومة الفيدرالية، وكانت مصحوبة في الوقت نفسه بتوسع مستمر في القارة الأمريكية. وكانت نتيجة هذا التوسع المؤسسي اتساع الأراضي، وكذلك انتشار نظام العبودية في الجنوب، وهو أكثر العناصر تدميراً داخل البنية المؤسسية. وأسمي ذلك سرطان أمريكا. وفي النهاية، ومع توسع أمريكا وتطور اقتصادها، انفجرت الخلايا السرطانية، ما أدى إلى الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب. وهكذا انتهت السنوات الثمانون الأولى من مسار تأسيس أمريكا بالحرب الأهلية.

المرحلة الثانية: هي ما بعد الحرب الأهلية، حين تشكلت السوق الوطنية الموحدة في أمريكا فعلاً. من ستينيات القرن التاسع عشر إلى أربعينيات القرن العشرين، أسمي هذه المرحلة «مرحلة بناء الدولة سوقياً». المقصود ببناء الدولة سوقياً هو السوق الداخلية الأمريكية. فمع التوسع غرباً، أصبحت أمريكا دولة تطل على محيطين، وبنت سوقاً داخلية ضخمة للإنتاج والاستهلاك. وفي الوقت نفسه، بدأت أمريكا السعي إلى التأثير العالمي، وبيع السلع في أنحاء العالم، وتوسيع نطاق نفوذها، والسعي إلى الهيمنة المالية والنقدية. في هذه المرحلة، صعدت أمريكا إلى قمة العالم عبر الحروب الخارجية والحربين العالميتين، وسط مسار متعرج.

المرحلة الثالثة: من عام 1940 إلى عام 2020، أسميها «مرحلة بناء الدولة بالإيديولوجيا» في أمريكا. أصبحت أمريكا دولة عالمية كبرى، فمن جهة كانت تسعى إلى الحفاظ على مكانة الهيمنة، ومن جهة أخرى دخلت في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي. سواء تعلق الأمر بالحلم الأمريكي، أو بالحرية والديمقراطية، فإن أمريكا في هذه الفترة شددت على بناء الإيديولوجيا وتصدير القيم. لكن في الوقت نفسه تراكمت التناقضات الداخلية أكثر فأكثر. غير أن أمريكا لم تحل هذه التناقضات عبر حرب أهلية، أو حرب خارجية، بل عبر حرب اجتماعية وثقافية لا تنتهي. وباتت حادثة اقتحام الكابيتول في عام 2021 علامة على انتهاء الدورة الثالثة في التاريخ الأمريكي.
إذن، مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبحسب هذا الانتظام، إلى أي مرحلة تاريخية دخلت أمريكا من جديد؟ أستخدم هنا بجرأة مصطلحاً واحداً: «مرحلة بناء الدولة بالذكاء الاصطناعي»، أي أن قدرة الابتكار التكنولوجي الجديدة، مع قوى التطور الاجتماعي الجديدة في أمريكا، تقودها إلى دخول دورة تاريخية جديدة.

بداية الدورة الجديدة لها خصائص واضحة. فمن جهة، تعيش أمريكا اضطراباً في الاستقطاب السياسي، ونزاعات حول القضايا الاجتماعية، وما زالت «الحرب الأهلية» المرئية وغير المرئية حاضرة. ومن جهة أخرى، يتشكل أيضاً توافق حول إعادة بناء الهيمنة الأمريكية عبر الابتكار التكنولوجي، وتحقيق «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». أكبر أداة لتحقيق هذا الهدف هي مجال الذكاء الاصطناعي. وللحصول على قيادة تكنولوجية جديدة، يجب أن تكون التكنولوجيا والمواهب في المرتبة الأولى عالمياً، ويمكن لرأس المال، والجيش، ومكانة الهيمنة، أن تزيد الأمر قوة.
أمريكا منغمسة بشكل كلي في هذه الجولة من الثورة التكنولوجية التي يقودها الذكاء الاصطناعي. ولهذا تحديداً، بلغ التوتر في هذه الدورة التاريخية الأمريكية، وفي علاقتها بالصين، مستوى لا مثيل له، كأنه تشابك كمي. وهذا يفسر المنافسة والتدافع الشديدين بين أمريكا والصين، ويتنبأ على نحو كامل أيضاً بأن الصين وأمريكا ستصلان في لحظة ما في المستقبل إلى وقف القتال، والهدنة، ثم التعاون مجدداً. هذه حقاً ماراثون مصيري بين قوى كبرى مترابطة المصير.
لا أستطيع أن أتنبأ بما إذا كانت أمريكا ستصبح عظيمة مرة أخرى. لكن المؤكد، أن أمريكا في الدورة الجديدة تشترك مع كل بداياتها التاريخية السابقة في سمة واحدة، وهي أنها تدخل مرحلة مضطربة نابضة بالحيوية، وطموحة جداً في الوقت نفسه.
الصين اليوم في مرحلة صعود تاريخي ومرحلة نهضة. واستخدام المنافسة كتشبيه للعلاقات الصينية-الأمريكية ينسجم مع الواقع. أحد الطرفين يعتمد نموذجاً تنموياً يضع الشعب في المركز، ويشدد على الشمول والمنفعة المشتركة. والطرف الآخر يرفع شأن الفرد، وتحركه السوق، وتعلو فيه المصالح على غيرها. أي النموذجين أفضل أو أسوأ؟ يمكن للطرفين أن يختبرا ذلك في المستقبل وعلى مدى أطول، عبر سباق ماراثوني طويل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279