البنية الماركسية بين التجربة السوفييتية والصعود الصيني «2»
في الجزء الأول من هذا المقال، ناقشنا الخلفية النظرية للمقارنة بين التجربة السوفييتية والصعود الصيني، وتوقفنا عند الفارق بين «اقتصاد الحرب» الذي فرضته الشروط الجيوسياسية على الاتحاد السوفييتي، وبين مسار الإصلاح والانفتاح الذي أعاد الصين إلى ما يعتبره جون روس أقرب صيغة ممكنة إلى البنية الماركسية الأصلية.
جون روس
في هذا الجزء، نتناول كيف تترجم الصين هذا الفهم عملياً عبر تعميق «اجتماعية العمل» بأبعادها المختلفة، ثم نناقش مسألة الرخاء المشترك وحدود الاستهلاك الترفي بوصفها اختباراً نظرياً واقتصادياً للاشتراكية في مرحلتها الأولى.
حالياً، تواجه الصين وضعاً جديداً. رغم النجاح الكبير في التنمية الاقتصادية، ظهرت تحديات جديدة. كانت المهمة الأساسية في السابق حل مشكلة التخلف الشديد، أما الآن فالمهمة تتحول إلى بناء اقتصاد متقدم جداً ومتطور. في هذا السياق، استخدمت الصين الجوانب الخمسة الأكثر أهمية من «اجتماعية العمل» كما لخصها ماركس:
أولاً: اجتماعية العمل داخل دورة إنتاج واحدة، وهي جوهر نظرية تقسيم العمل لدى آدم سميث. بلغة الاقتصاد الغربي الحديث، يعني هذا زيادة «المنتجات الوسيطة». والمنتجات التي تُستهلك داخل دورة إنتاج واحدة «المثال لشرح ما يقوله الكاتب هو السيارة، فقِطع السيارة المتعددة-الهيكل والمحرك والعجلات…الخ - يتم صنعها في أكثر من مصنع، وهي وسيطة لأنّها مصنّعة كي تدخل في منتج نهائي آخر». هذا
شكل من أشكال اجتماعية العمل، وهو شكل قوي جداً. ومنذ تحليل آدم سميث لتقسيم العمل في «ثروة الأمم» كان ذلك معروفاً.
لتحقيق تطور أعمق، يجب دفع بناء البنية التحتية بقوة. قدرة الصين على تشكيل تقسيم عملٍ واسع النطاق جاءت من البناء المستمر للبنية التحتية وتحسينها. الصين ما زالت تدفع بناء البنية التحتية، وتؤكد الحاجة إلى «سوق وطنية موحدة» على مستوى البلاد. لم يتحقق بعد تكامل شامل لتقسيم العمل داخل نطاق الاقتصاد الوطني الواحد.
ثانياً: اجتماعية العمل عبر الزمن، أي الاستثمار الثابت. هذا يعني أن آلة ما لا تُستخدم في دورة إنتاج واحدة فقط، بل في دورات متعددة. «يقصد الكاتب أن «اجتماعية العمل عبر الزمن» تعني أن الإنتاج يعتمد على تراكم عمل سابق مُختزن في آلات واستثمارات طويلة الأمد تُستخدم لسنوات، مثل: روبوت تجميع السيارات الذي يجسد معرفة وجهداً استثمارياً متراكماً، ويشارك في إنتاج آلاف السيارات، ما يجعل كل سيارة نتيجة تراكم اجتماعي ممتد عبر الزمن لا جهد لحظي فقط. في الاقتصاد يسمى هذا «رأس المال الثابت» لأنه يبقى ويعمل عبر الزمن، مختلفاً عن «رأس المال المتداول» مثل: المواد الخام والمنتجات الوسيطة». هذا هو شكل اجتماعية العمل عبر الزمن.
ثالثاً: رفع مهارات قوة العمل. بالمقارنة مع الاقتصادات المتقدمة، تكون قوة العمل في الاقتصادات المتخلفة أقل في مستوى التعليم والمهارة. كيف تكتسب قوة العمل المهارة؟ وكيف تتلقى التعليم؟ عبر نظام التعليم. التدريب المهاري يمر بالمدرسة، والتعليم العالي، والتدريب أثناء العمل. جوهر ذلك هو استخدام عمل الآخرين، مثل: عمل المعلمين والمدربين، لرفع كفاءة وقدرة العمال المشاركين مباشرة في الإنتاج. هذا هو مسار اجتماعية العاملين.
رابعاً: البحث والتطوير، أي العلم. العلم في جوهره عملية «اجتماعية المعرفة». وبمعنى ما، على مدى الزمن، العلم هو الأكثر اجتماعية بين جميع المجالات، والدليل أننا ما زلنا نستخدم هندسة أُنشئت قبل أكثر من 2500 سنة. ذلك أنّ المعرفة العلمية تراكمية: إذا اكتُشفت لا تُنسى. لكن في زمن ماركس أو آدم سميث، كان البحث والتطوير في الإنتاج أقرب إلى أن يعمل الفرد داخل المصنع على تحسين عمله بنفسه. اليوم توجد مؤسسات بحثية تضم عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف من الباحثين، وتستثمر أموالاً ضخمة في البحث العلمي. هذا يعكس اجتماعية إنتاج المعرفة.
تدفع الصين حالياً بقوة لتطوير «قوى إنتاجية جديدة النوعية». طرح شي جين بينغ في هذا المجال بالغ الدقة، لأنه يوسع تحليل ماركس لاجتماعية العمل، ويطبقه على عملية اجتماعية إنتاج المعرفة. هذا يسمح للصين بأن تتحول إلى اقتصاد متقدم جداً، وقوي علمياً وتكنولوجياً.
خامساً: العولمة، أي اجتماعية العمل على المستوى الدولي. يضم هذا البند عناصر النقاط الأربع السابقة، لكنه يتميز بعوامل بين الدول، مثل: الرسوم الجمركية وسعر الصرف وغيرها، لذلك له خصوصية، ويُدرج منفصلاً كنقطة خامسة هي: اجتماعية العمل الدولية. تدفع الصين هذا المسار عبر دعم قوي للعولمة، بينما تظهر أمريكا ميلاً للابتعاد عن العولمة. رغم ذلك، حققت الصين نتائج ملحوظة في دفع اجتماعية العمل الدولية.
لذلك، منذ عام 1917، كانت العملية كلها في تطور الاقتصاد الاشتراكي امتداداً للمسار الأساسي الذي حلله ماركس: ارتفاع اجتماعية العمل. وفي هذا المسار، كانت الصين الأقرب إلى ما توقعه ماركس. لكن علينا أن ندرك أن قدرة الصين على دفع هذا الطريق كانت ممكنة بفعل شروط جيوسياسية محددة. لو كان تهديد الهجوم العسكري الأمريكي وشيكاً في ذلك الوقت، لما أمكن اختيار هذا الطريق. ربما كانت الصين ستضطر إلى بناء نظام اقتصادي أقرب إلى نموذج الاتحاد السوفييتي في ثلاثينيات القرن العشرين، لأن السياسة الاقتصادية مرتبطة بصورة وثيقة بالوضع الجيوسياسي، والأمن السياسي يبقى دائماً في موقع الأولوية.
الفهم النظري الصحيح
يعود نجاح الصين منذ عام 1978 أساساً إلى أنها قيّمت الوضع الدولي بصورة
صحيحة. لم يكن التوتر غائباً، فقد كانت هناك تهديدات، لكن لم تظهر حالة حرب شاملة وشيكة. هذا أتاح للصين أن تُنشئ بنية اقتصادية هي الأقرب تاريخياً إلى ما تصوره ماركس.
في الواقع، ما زالت توجد أنماط إنتاج صغيرة لم تبلغ درجة عالية من الاجتماعية، ومسار اجتماعية العمل لم يكتمل. صحيح أن الاقتصاد الحديث يقوم أساساً على الإنتاج الكبير، لكن نسبة معتبرة من النشاط الاقتصادي ما زالت في إطار الإنتاج الصغير، مثل كثير من المتاجر الصغيرة وصالونات الحلاقة. المجال الأكبر في ذلك هو الزراعة. لذلك تتقدم اجتماعية العمل ببطء شديد وعلى نحو تدرجي.
في عام 1972 كان الاتحاد السوفييتي ناجحاً اقتصادياً، وكان نموه ما يزال أعلى من أمريكا. لكن من منظور نظري، وجدت أن وضعه الاقتصادي لا ينسجم مع طرح ماركس. كان منفصلاً نسبياً عن الاقتصاد العالمي، أي أنه في جانب كبير لم يشارك في اجتماعية العمل الدولية. في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كان الاقتصاد العالمي يتجه إلى التكامل تحت قيادة أمريكا. كان بإمكان الاتحاد السوفييتي محاولة الاندماج في هذا النظام العالمي المعولم، لكنه لم يفعل ذلك. وبهذا أبعد نفسه عن مسار اجتماعية العمل الدولية.
في الوقت نفسه، أمّم الاتحاد السوفييتي أنماط الإنتاج الصغيرة، مثل: المطاعم المحلية والمتاجر المجتمعية وأدرجها في القطاع المملوك للدولة، وهذا لا يطابق طرح ماركس لأن هذه الأنماط ليست إنتاجاً اجتماعياً واسع النطاق. في مرحلة ما كان الريف السوفييتي في القاعدة المحلية مليئاً بالكفاءات والحيوية. من عام 1965 حتى أوائل الثمانينيات زاد عدد الفنيين المسؤولين عن تشغيل المعدات المتخصصة في المزارع 50%، وزاد عدد الخبراء 1.8 مرة. لكن بعد تفكك الاتحاد السوفييتي اختفى كل ذلك.
كما فُرضت الجماعية الزراعية من أعلى إلى أسفل. هذا لم يكن تطوراً عضوياً من أسفل إلى أعلى يجعل الزراعة أكثر اتساعاً في الحجم، بل كان فرضاً من أعلى. من زاوية اقتصادية كان مجازفة.
في عام 1978 بدأت الصين «الإصلاح والانفتاح». شملت الإجراءات فتح الباب أمام التجارة الدولية، أي المشاركة في اجتماعية العمل الدولية، وإلغاء الجماعية الزراعية واستبدال كومونات الشعب بنظام «مسؤولية التعاقد الأسري»، وتطبيق السياسة التي عُرفت لاحقاً باسم «الإمساك بالكبير وترك الصغير»، أي نقل المشروعات الصغيرة تدريجياً خارج ملكية الدولة.
يمكن اعتبار هذا خطوة أساسية نحو البنية الاقتصادية الماركسية. لذلك استنتجت نظرياً أن الاقتصاد الصيني ينبغي أن يحقق نتائج كبيرة. وإذا لم يحدث ذلك فسيعني أن معرفتي النظرية خاطئة. لذا قررت متابعة تطوره عن كثب. بحلول نحو عام 1981 كان الاقتصاد الصيني قد حقق نجاحاً كبيراً، ولم تعد هناك حاجة للقلق. نشرت في مطلع 1992 مقالاً باللغة الروسية بعنوان «لماذا ستنجح الإصلاحات الاقتصادية في الصين، بينما ستفشل روسيا وأوروبا الشرقية؟»، وكان يشرح لماذا ستنجح إصلاحات الصين، ولماذا كانت إصلاحات روسيا محكومة بالفشل، وكانت خلاصات التحليل واضحة.
في روسيا، كنت أدافع عن تعلمهم من التجربة الصينية التي كانت ناجحة آنذاك، لكن معظم الناس لم يوافقونني. كانوا يقولون: «لماذا تركز كثيراً على الصين؟ إنها دولة فقيرة. عليك أن تنظر إلى اليابان أو أمريكا أو ألمانيا». كنت أقول: إن السياسة الاقتصادية في الصين صحيحة على المستوى النظري الجذري. وإذا لم تقتنعوا الآن، فلنتفق أن نناقش بعد 10 سنوات، وستجدون أن ما أقوله كان قائماً على دليل. خلال هذه السنوات تعرفت إلى كثير من أصدقاء روسيا والاتحاد السوفييتي، وبنيت علاقات واسعة اقتصادياً وسياسياً. من الواضح أنني لم أنجح في إقناع روسيا بتعلم تجربة الصين.
البحث ينبغي أن يبدأ بقراءة ما كتبه ماركس فعلاً، وبقراءة الحقائق ذات الصلة. وأعيد ما قلته للناس سابقاً: ممارسة الصين تنسجم مع تحليل ماركس للتطور الاقتصادي. وكانت «حظوظ» الصين أنها حصلت على فترة سلام سمحت لها بدفع التنمية، وتأكيد صحة ما قاله ماركس.
الحد الأدنى من الاستهلاك الترفي
السماح بوجود الرأسماليين هو في الواقع أحد محاور الخلاف المهمة بين النموذج الاشتراكي السوفييتي والنموذج الاشتراكي الصيني. في كتاب «التحول الكبير خلال قرن: العالم والصين» أشرت إلى أنه في المرحلة الأولية من الاشتراكية لن يُقضى على الرأسماليين، وأن دخلهم من الملكية إذا استُخدم لدفع إنتاج اقتصادي مفيد، فسيحظى بدعم كبير. لكن بسبب وجود الرأسماليين، سيذهب جزء من دخل الملكية بصورة لا مفر منها إلى الاستهلاك الترفي لا إلى الاستثمار، ويجب خفض هذا الاستهلاك الترفي إلى أدنى حد ممكن.
هذا ما تفعله الصين الآن، مثل: عدم تشجيع التفاخر بالثروة، وعدم تشجيع بعض أنشطة الترف، مثل: سباق الخيل، ووضع «إشارات حمراء وخضراء» لرأس المال. لكن هذه الإجراءات، وخصوصاً قواعد «الإشارات الحمراء والخضراء» لرأس المال، أثارت انتقادات كثيرة. الشعب الصيني الذي مر بثورة اشتراكية يحمل عادة حساً قوياً بالمساواة، لذلك «الرخاء المشترك» ليس سعي الحزب الشيوعي فقط، بل هو رغبة عامة، فهل رفض تباهي الأغنياء والإفادة من الموارد العامة لأجل ذلك، هو موقف تشترك فيه كل الدول الماركسية، أم أنه خاص بالمجتمع الصيني؟ أرى أن مسألة الرخاء المشترك مثال آخر يبرز ابتكاراً نظرياً مهماً في الصين. سبب الإعجاب بها أنها أجابت عن مسألة جديدة تخص عصراً جديداً.
بالعودة إلى النموذج السوفييتي، إذا كانت كل الأشياء مؤممة فلن تظهر مسألة اللامساواة بهذا الشكل البارز. لأن في أي مجتمع تكون اللامساواة في الدخل أقل بكثير من اللامساواة في الثروة. لذلك إذا لم يوجد رأسماليون فلن تظهر تلك اللامساواة الكبيرة الناتجة عن تفاوت الثروة. وبالمقارنة، يكون المجتمع أكثر مساواة بدرجة عالية. هذا لا يعني أن اللامساواة تختفي بالكامل، لكنه أقل بكثير من المجتمع الرأسمالي.
لكن المشكلة أن تأميم كل شيء في المرحلة الأولية من الاشتراكية هو، ضمن إطار ماركس، ممارسة «يسارية» متشددة. أي أن القضاء على رأس المال دفعة واحدة لا يطابق ما طرحه ماركس عن الاستيلاء «التدريجي» على الملكية. الفكرة التي تدعو إلى تأميم شامل وفوري تقفز فوق مرحلة طويلة من التطور. وبمصطلحات ماركسية، هذا «مغامرة».

هذا يحقق مساواة، لكنه لا يخلق، بلغة ماركس، أفضل نظام اقتصادي. هذا أقرب إلى المساواة الحسابية، أو ما يمكن تسميته «الفقر المشترك»، وليس إلى أقصى تطوير ممكن للقوى المنتجة. لكن هذا ليس جوهر الاشتراكية، لأن الاشتراكية ليست مشروع «الفقر المشترك». ماركس لم يساوِ الاشتراكية بالمساواة. هدفه كان تحقيق التنمية الشاملة للإنسان، وبعبارته الوصول إلى حالة «لكل حسب حاجته». لكن عندما يوجد في الاقتصاد قطاع عام مهيمن ومعه برجوازية، تظهر مشكلة اللامساواة الناتجة عن الثروة.
ماذا قال ماركس عن ذلك؟ قال: إن الرأسمالي يحصل على الربح عبر الاستحواذ على فائض عمل الطبقة العاملة، لكنه يستخدم هذا الربح في اتجاهين، الأول: الاستثمار، أي دفع تطور القوى المنتجة. الثاني: تخصيص جزء منه للاستهلاك الترفي. هذا هو التعريف الاقتصادي–التقني للاستهلاك الترفي: الاستهلاك الذي يُدفع من الثروة والربح. قد يبدو خارجياً كشراء «فيراري» أو ما شابه، لكن هذا ليس تعريفه التقني.
ما الذي نستنتجه؟ من جهة، لا يمكن القضاء على الرأسماليين بالكامل، لأن فرض ذلك يقود إلى النموذج السوفييتي، لكنه ليس الشكل الأكثر إنتاجية. ومن جهة أخرى، طالما يوجد رأسماليون مع قطاع عام مهيمن، فسيذهب جزء من دخلهم إلى الاستهلاك الترفي. من منظور تطور القوى المنتجة، هذا سلبي لأن هذه الأموال كان يمكن أن تذهب إلى الاستثمار. ومن زاوية المساواة البشرية والانسجام الاجتماعي والاستقرار، هذا غير مرغوب أيضاً.
إذن ما الحل؟ الحل هو «الرخاء المشترك». معناه أنه عندما يستثمر الرأسماليون لتطوير الإنتاج ينبغي دعم ذلك. إذا أراد شخص أن يصبح رأسمالياً ويبني شركة ناجحة للغاية، ويخلق ثروة، ويصنع منتجات جيدة، ويوفر وظائف لعشرات الآلاف، فهذا يُعد شيئاً إيجابياً. ثم ينبغي بذل الجهد لتخفيض إنفاق الرأسماليين على الاستهلاك الترفي إلى أدنى درجة. هذا الإنفاق لا يمكن منعه تماماً، لكنه يجب أن يُقلَّص قدر الإمكان.
كيف تتعامل الصين مع هذه المسألة؟ في أمريكا، الاستهلاك الترفي يكاد لا يخضع لأي قيد، وهذا يضر الاقتصاد الأمريكي أيضاً، لأن جزءاً كبيراً من الاقتصاد يُستهلك في توزيعات أرباح تُستخدم للاستهلاك الترفي. وهذا أحد أسباب انخفاض مستوى الاستثمار في أمريكا. هناك مفارقة: نسبة أرباح الشركات من الاقتصاد في أمريكا تواصل الارتفاع، بينما نسبة الاستثمار المنتج من الاقتصاد تواصل الانخفاض. هذا يعني أن قسماً متزايداً من الأرباح يُستهلك في الاستهلاك الترفي بدل أن يُستثمر لدفع النمو.
لذلك من الضروري بناء نظام يشجع الاستثمار ويقيد الاستهلاك الترفي. وهذا أحد الأسس النظرية المهمة لفكرة الرخاء المشترك. لهذا أساس نظري واضح جداً. إذا أردتم المزيد يمكنكم قراءة «رأس المال» الجزء الثاني لماركس.
تقييد استهلاك السلع الترفيهية ليس مطلباً يخص المجتمع الصيني وحده، أو الاقتصاد الاشتراكي وحده. هذا تحليل نظري عام. في أي مجتمع يجب أن يوجد فائض اقتصادي يتجاوز استهلاك غالبية السكان، لأن استهلاك كل شيء غير ممكن. إذا استُهلك كل شيء، سينهار الاقتصاد بعد سنوات، بسبب غياب تجديد الإنتاج على نحو منتج.
وجود الفائض الاقتصادي ضروري لأنه شرط الاستثمار. في المجتمع الاشتراكي، إذا استُخدم الفائض للاستثمار فهذا أمر إيجابي، لأنه يدفع النمو ويزيد الاستهلاك لاحقاً. الهدف النهائي من التطور الاقتصادي ليس الاستثمار بذاته، بل رفع مستوى استهلاك السكان جميعاً. لكن لتحقيق نمو واستهلاك مرتفعين يجب الحفاظ على مستوى استثمار كافٍ. لذلك ينبغي تقليل الفائض المهدور إلى الحد الأقصى، أي ذلك الجزء من الفائض الذي يذهب إلى الاستهلاك الترفي، ولا يتحول إلى استثمار.
بالنسبة للصين، معالجة هذه المسألة مهمة لأن النموذج السوفييتي لم يكن يتضمن هذه المشكلة. إذا لم يوجد رأسماليون فلن يكون هناك من يعيش على ثروة رأسمالية. لذلك، تشكل فكرة الرخاء المشترك وتطورها هو نتاج خاص لاقتصاد «السوق الاشتراكي» في الصين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267