البنية الماركسية بين التجربة السوفييتية والصعود الصيني «1»
في عام 2025، نشر المؤرخ الاقتصادي جون روس كتاباً جديداً بعنوان «التحول الكبير خلال قرن: العالم والصين»، عرض فيه بصورة منهجية الاتجاه العام للعالم، وتحديداً «الرأسمالية الطفيلية» في أمريكا بوصفها أكبر عائق أمام التنمية العالمية. وانطلاقاً من المقارنة بين الشرق والغرب، والمقارنة بين الصين والاتحاد السوفييتي، ناقش من منظور ماركسي مزايا الصين، وإسهاماتها، ومسار تطورها. تالياً، وعلى مساحة مقالين، سنعرض أبرز ما جاء في مقابلة أجرتها صحيفة «غوانتشا» الصينية مع روس، مطلع هذا العام حول ما جاء في كتابه.
جون روس
خلافاً لبعض الباحثين اليساريين في الغرب، أنت تعترف بنجاح النموذج السوفييتي، والأهم، أنك تشير أيضاً إلى فشله. تقول في كتابك «التحول الكبير خلال قرن: العالم والصين» إن النموذج السوفييتي لا يصلح للدول الاشتراكية في المرحلة الأولية، وأن أزمات الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية في سبعينيات القرن العشرين، وكذلك «المعجزة الاقتصادية» التي حققتها الصين منذ عام 1979، كلها تؤكد ذلك. كما تشير إلى أن الاتحاد السوفييتي فيما بعد انحرف عن البنية الاقتصادية الماركسية، بينما خلق «الإصلاح والانفتاح» الذي بدأته الصين منذ عام 1978 عملياً نمطاً اقتصادياً أقرب إلى الماركسية. في المقابل، يرى بعض اليساريين الغربيين أن النموذج السوفييتي هو «الأرثوذكسية الاشتراكية»، وأن الصين في نظرهم تطبق «رأسمالية الدولة» و«التحريفية». إذن، كيف تُعرّف «البنية الاقتصادية الماركسية»؟ وبالمقارنة مع البنية الاقتصادية السوفييتية، ما الفروق الأساسية، وما المزايا؟
لفهم هذه المسألة، ينبغي أن نعود إلى عام 1917. في ذلك العام، مع اندلاع ثورة أكتوبر في روسيا، انتقل بناء الاقتصاد الاشتراكي من المستوى النظري إلى مستوى الممارسة. ومنذ ذلك الحين فقط صار لدينا «ممارسة اشتراكية».
كان ماركس شخصاً يهتم بالممارسة، ولا يقوم بتخمينات بلا سند. طرح مجموعة من المبادئ بالغة الأهمية، لكن توضيح كيفية تطبيق هذه المبادئ، وفهم منطق عملها الفعلي يتطلب بحثاً يرتكز إلى الواقع. إذن، قبل عام 1917، ما هي أهم الأطروحات الجوهرية التي قدمها ماركس؟
أولاً: يشير تحليل ماركس الأساسي إلى أن تقدم المجتمع البشري وتطوره يقومان على ارتفاع درجة «اجتماعية العمل/الإنتاجية الاجتماعية للعمل Socialization of labor/Work» باستمرار. هذا يعني أن أشكال الإنتاج تنتقل من الصغير إلى الكبير تدريجياً. وفي حياته، ولا سيما في مطلع القرن العشرين، كانت القطاعات الرئيسية، مثل: السكك الحديدية، والمصارف، وصناعة الحديد والصلب، وصناعة السيارات، قد اتسمت بخصائص إنتاج اجتماعي عالي الدرجة. لكن في المجال الاقتصادي، كانت هناك أجزاء كثيرة لم تتحول بعد إلى إنتاج اجتماعي، مثل: الزراعة التي ظلت تقوم على صغار الفلاحين، وكذلك أنماط، مثل: المتاجر الصغيرة والمطاعم وصالونات الحلاقة. لذلك كان التطور شديد اللاتوازن، لكن ما يدفعه إلى الأمام هو ارتفاع درجة اجتماعية العمل، وهو ما يقود في النهاية إلى الاشتراكية.
أشار ماركس في «البيان الشيوعي» إلى أن الطبقة العاملة بعد أن تمسك بالسلطة ستستخدم سيطرتها السياسية «تدريجياً» للاستيلاء على كل رأس مال البرجوازية. انتبهوا إلى أنه شدد على «تدريجياً» لا على «دفعة واحدة». فالقطاعات ذات الإنتاج الاجتماعي العالي ستُستلم بسرعة أكبر، لكن الاقتصاد كله لن يصبح ملكية دولة على نحو سريع بالكامل. السبب أن اجتماعية الإنتاج شديدة اللاتوازن: بعض أجزاء الاقتصاد لا تزال منخفضة الاجتماعية، وبالتالي، لم تبلغ بعد حالة اجتماعية كاملة.
ثانياً: في «نقد برنامج غوتا» شرح رؤيته للمرحلة الأولية من الاشتراكية، أي الاشتراكية بوصفها خارجة من رحم الرأسمالية. أشار مثلاً إلى أن أهم قوة منتجة، أي قوة العمل، ستبقى لفترة بوصفها سلعة. بعبارة أخرى، وفق التعبير الشائع «الأجر بحسب العمل». إضافة إلى ذلك، وبسبب أن جزءاً كبيراً من الاقتصاد لم يتحول بعد إلى إنتاج اجتماعي، ستستمر علاقات السوق الضرورية، لأن تنظيم ملايين المنتجين الصغار بفعالية عبر التخطيط غير ممكن، إذ إنهم يخضعون لعلاقات السوق. هذا هو جوهر الفكرة.
بعد ذلك، في عام 1917 تحول سؤال بناء الاشتراكية من نقاش نظري إلى مهمة عملية. لننظر إلى مراحل هذه العملية: المرحلة الأولى من 1917 إلى 1921، وفيها طُبق في الاتحاد السوفييتي ما يسمى «شيوعية الحرب». كان ذلك لأن البلاد كانت في حرب أهلية، وكل الترتيبات كانت تُبنى على نتيجة الحرب، وكل الأفعال كانت تُقاس بمعايير عسكرية. لذلك، على سبيل المثال: لم يكن تزويد المدن بالغذاء يتم عبر علاقات السوق: إما الشراء مباشرة من الفلاحين، أو عند الضرورة إرسال فرق جمع الحبوب إلى الريف لمصادرة الحبوب لضمان إمداد المدن.
دعم الفلاحون هذه السياسة لأن انتصار البلاشفة كان يعني أنهم سيحصلون على الأرض، بينما انتصار «الجيش الأبيض» كان سيعني استعادة الأرض منهم. لذلك، رغم أن شيوعية الحرب لم تكن جيدة في التطبيق، وكانت الظروف قاسية، وفق منظور ذلك الوقت، اختار الفلاحون دعم البلاشفة.

بحلول عام 1921 كانت الحرب الأهلية قد انتهت بوضوح، ولم يعد الفلاحون مستعدين لتحمل ما أُجبروا عليه خلال شيوعية الحرب. في العام نفسه طرح لينين «السياسة الاقتصادية الجديدة»، ما عنى إعادة بناء علاقات السوق. وفي الاتحاد السوفييتي كان إجراء مهم، هو استبدال نظام جمع الفائض بضريبة على الحبوب، إذ يدفع الفلاحون ضريبة عينية في البداية، ثم تحولت لاحقاً إلى نقدية. أصبح هذا الإصلاح ممكناً بفضل الانتصار في الحرب الأهلية، وأعاد تأسيس علاقات السوق. لكنه أثار سؤالاً استراتيجياً: إذا اعتمد الاتحاد السوفييتي على علاقات السوق وحدها، وهو اقتصاد متخلف، فكيف سيطور الصناعة المتقدمة والصناعة الثقيلة؟
لذلك شهدت الفترة من 1921 إلى 1929 نقاشاً مشهوراً في الاتحاد السوفييتي حول كيفية تحقيق التصنيع. وفي هذا النقاش قدم الاقتصادي يفغيني بريوبراشينسكي أحد أكثر الطروحات اتساقاً، مؤكداً ضرورة إعطاء الأولوية لتطوير الصناعة الثقيلة.
لكن من أين تأتي الموارد المطلوبة لتطوير الصناعة الثقيلة، أي الصناعة المتقدمة؟ الطريق الوحيد هو الحصول عليها من الفلاحين. لذلك دعا إلى تسعير السلع الصناعية بأسعار مرتفعة وتسعير المنتجات الزراعية بأسعار منخفضة. فعلياً، كما قال، هذا شكل من «التراكم الاشتراكي البدائي». باختصار، تُستخرج الموارد من الفلاحين لتُستخدم في بناء صناعة ثقيلة متقدمة.
الطرح الثاني قدمه قائد بلشفي آخر هو بوخارين. قال: إن استقرار الاتحاد السوفييتي يعتمد على علاقة العمال بالفلاحين. وإذا جرى وفق طرح بريوبراشينسكي انتزاع الموارد بالقوة من الفلاحين، فسيدمر ذلك علاقة الفلاحين بالعمال، ما يهدد بقاء الاتحاد السوفييتي. لذلك يجب الحفاظ على تحالف العمال والفلاحين، وهذا يعني عدم خفض أسعار المنتجات الزراعية، بل إبقاءها عند مستوى طبيعي معقول. الفلاحون يحتاجون إلى سلع استهلاكية من المدن، والريف لا يستطيع إنتاج تنوع السلع الصناعية. لذلك سيزوّد الفلاحون المدن بالغذاء مقابل السلع الاستهلاكية المطلوبة. رأى بوخارين أن تطور الصناعة في هذا النموذج قد يكون أبطأ، لكنه سيكون أكثر استقراراً.
في عام 1929 حُلّت المشكلة بطريقة أخرى. كان كل من بريوبراشينسكي وبوخارين يفترضان وجود علاقات سوق بين القطاع الصناعي الحضري والقطاع الزراعي، وكان الخلاف حول ما الإجراء داخل هذا الإطار. في ذلك العام حُسم الأمر: أُلغيت علاقات السوق بالكامل. فُرضت «الجماعية» في الزراعة، وكل وحدات الاقتصاد الحضري، بما فيها المتاجر المحلية وصالونات الحلاقة وغيرها من المشروعات الصغيرة، جرى في الأساس تأميمها. وفي الوقت نفسه وُضعت الصناعة الثقيلة في موقع أولوية مطلقة.
لماذا اتُخذ هذا الخيار؟ لم يكن الدافع اقتصادياً فقط، بل جاء من حاجة جيوسياسية. تحليل ستالين، الذي ثبت لاحقاً أنه صحيح، قال: إن الاتحاد السوفييتي سيواجه هجوماً عسكرياً من الدول الرأسمالية. لذلك، لحماية الاتحاد السوفييتي، كان لا بد من وضع بناء الصناعة العسكرية في المركز الأول.
في خطاب مشهور عام 1931 قال ستالين: إن الاتحاد السوفييتي متأخر عن الغرب بمئة عام، وأن أمامه عشر سنوات فقط للحاق به، وإلا فسيُدمَّر. كان هذا التقدير دقيقاً جداً، وربما فاق توقعاته، لأن الاتحاد السوفييتي تعرض فعلاً بعد عشر سنوات، في عام 1941، لغزو عسكري.
كان حكم ستالين على الوضع الجيوسياسي صحيحاً: الاتحاد السوفييتي سيواجه هجوماً عسكرياً. ومنذ صعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933 عرف الاتحاد السوفييتي بوضوح من هو الطرف المحتمل للهجوم. لذلك، لإقرار أولوية مطلقة للصناعة الثقيلة، وبالتالي للصناعة العسكرية التي تعتمد عليها، وضع الاتحاد السوفييتي سياسات اقتصادية مناسبة.
لتحقيق ذلك، كان لا بد من تشويه الاقتصاد بدرجة كبيرة، لأن هذا النوع من الصناعة الثقيلة كثيفة رأس المال لا يستطيع البقاء داخل آلية اقتصاد السوق. لذلك كان لا بد من دعمها عبر الإعانات وخفض تكاليف المدخلات وغيرها لضمان استمرارها. هذه الظواهر من التشويه الاقتصادي شرحها لين ييفو بتفصيل في كتابه «معجزة الصين»، كما درس آليات تشغيل هذا النوع من الاقتصاد على نحو معمق.
هذا قاد حتماً إلى ما أسميه «اقتصاداً مُنظَّماً» يتجاوز معنى التخطيط المعتاد. أي أن أدق حلقات الاقتصاد كانت تخضع لضبط صارم. مثلاً: في موسكو وفلاديفوستوك، وهما على مسافة آلاف الكيلومترات، كان بيع أقلام الرصاص بسعرين مختلفين يُعدّ عملاً غير قانوني. لماذا بناء مثل هذا النظام؟ لضمان أن كل الموارد يمكن حشدها نحو الأولوية القصوى: تطوير الصناعة الثقيلة والصناعة العسكرية. من زاوية اقتصادية قد لا يبدو هذا النظام الأكثر عقلانية، لكنه كان فاعلاً.
لماذا كان فاعلاً؟ لأن تقدير ستالين الجيوسياسي ثبت أنه صحيح، وتأكد ذلك في عام 1941. فاز الاتحاد السوفييتي في الحرب في النهاية. ولو لم يتم تطوير الصناعة العسكرية والصناعة الثقيلة في ثلاثينيات القرن العشرين، لما أمكن صد الغزو النازي. لذلك، من منظور اقتصادي قد يُحكم على النموذج بأنه غير عقلاني، وبأنه لا يطابق ما تخيله ماركس، لأن كل شيء جرى تأميمه دفعة واحدة، لا «تدريجياً»، كما أُلغي السوق دفعة واحدة أيضاً. لكن من منظور جيوسياسي كان الخيار صحيحاً وضرورياً بالكامل.
لذلك اعتُبرت «الطريق السوفييتية» نموذجاً أرثوذكسياً/صارماً يجب اتباعه. لكنها لم تكن متسقة مع تصور ماركس: لم يتم الاستيلاء على الملكية الرأسمالية «تدريجياً»، بل جرى الأمر دفعة واحدة، وأُلغيت علاقات السوق دفعة واحدة، وغير ذلك.
غير أن وضعاً جديداً بدأ يتشكل بعد عام 1945. في ثلاثينيات القرن العشرين كان هناك نمط اقتصاد شبه مكتفٍ ذاتياً. أي أن الاقتصاد العالمي كان منقسماً إلى إمبراطوريات وكتل، وكان مستوى التجارة الدولية منخفضاً جداً. لذلك كان اقتصاد الاتحاد السوفييتي على هذا النحو: جماعية قسرية للزراعة، وفرض إنتاج اجتماعي من أعلى إلى أسفل، وتأميم حتى وحدات صغيرة، مثل: المطاعم المحلية. لكن هذا الاقتصاد كان منفصلاً عن الاقتصاد العالمي وخارج عملية «اجتماعية العمل» على المستوى الدولي.
الانفصال عن الاقتصاد العالمي لم يكن خياراً في البداية. في ثلاثينيات القرن العشرين لم تكن هناك حلول كثيرة. لكن بعد عام 1945، ومع تثبيت الهيمنة الأمريكية، تشكل نظام اقتصادي عالمي مختلف تماماً. بدأ نظام عالمي مُعولَم يتكون تدريجياً، وبدأت الدول الرأسمالية تستفيد من اجتماعية العمل الدولية، وهو جانب مهم من اجتماعية العمل. ولم تعد الاقتصادات الغربية غارقة في أزمة ثلاثينيات القرن العشرين، بل بدأت بالنمو السريع.
الاتحاد السوفييتي لم يتكيف مع هذا التغير. ما بُني في ثلاثينيات القرن العشرين كان اقتصاد حرب في جوهره، وقد نجح. كل أصدقائي الروس، وأنا أتفق معهم، يرون أنه كان لا بد من ذلك في ثلاثينيات القرن العشرين. الدليل أنهم ربحوا الحرب العالمية الثانية. لا شيء أهم من ربح تلك الحرب.
لكن بعد عام 1945 واجه الاتحاد السوفييتي مهمة جديدة: كيف ينافس على مدى عقود طويلة الاقتصادات الغربية التي كانت قد أصبحت شديدة التكامل. لم يُجرِ الإصلاحات الضرورية، وهذه الإصلاحات في جوهرها تشبه الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت الصين تطبيقها منذ عام 1978.
يمكن النقاش حول توقيت الإصلاحات التي كان ينبغي للاتحاد السوفييتي تنفيذها. هناك رأي يقول: إنها يجب أن تبدأ في عام 1945 مع نهاية الحرب العالمية الثانية. وهناك رأي آخر يقول: إن تهديد السلاح النووي الأمريكي يعني أن الاتحاد السوفييتي لم يحصل على ضمان أمان فعلي، إلا بعد أن طور سلاحاً نووياً، وامتلك القدرة على إيصال هذا السلاح إلى الأراضي الأمريكية. وقد امتلك هذه القدرة في أواخر خمسينيات القرن العشرين وبدايات ستينياته. لذلك قد يكون من غير المناسب بدء الإصلاح فور نهاية الحرب، وربما كان يجب تأجيله إلى أواخر الخمسينيات، أو بدايات الستينيات.
في ذلك الوقت تقريباً كان على الاتحاد السوفييتي التحول إلى بنية أقرب إلى ما طرحه ماركس. كان ينبغي على الأقل تفكيك الجماعية الزراعية بدرجة كبيرة، لأن الجماعية السابقة كانت مفروضة من أعلى، ولم تكن نتيجة تطور اقتصادي طبيعي منطقي. كان لا بد من تحرير الإنتاج الصغير من القطاع المملوك للدولة، لأن هذه الأشكال ليست إنتاجاً اجتماعياً عالي الدرجة، وتأميمها ليس مناسباً. وكان على الاقتصاد أيضاً أن ينفتح على الخارج. هذه الإجراءات تتطابق في الجوهر مع ما اتخذته الصين حين بدأت «الإصلاح والانفتاح» عام 1978.
فتحت الصين اقتصادها على الخارج، وشاركت في اجتماعية العمل الدولية، وحررت الإنتاج الصغير من القطاع المملوك للدولة، مع إبقاء الإنتاج الكبير عالي الاجتماعية ضمن القطاع العام، وألغت الجماعية الزراعية. نتج عن ذلك: إلغاء الجماعية الزراعية، وتحرير الإنتاج الصغير، ودفع الانفتاح الاقتصادي. هذا أعاد البنية الاقتصادية الصينية إلى الإطار الذي تصوره ماركس، وهو ابتكار كبير. إنه مختلف عن النموذج السوفييتي، لكنه أقرب إلى أطروحات ماركس النظرية، وقد أثبت الواقع نجاحه الكبير، وأثبت أيضاً أن توقع ماركس كان صحيحاً. لذلك، منذ عام 1978 أصبحت الصين أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في التاريخ. أي أن هذا النجاح الاقتصادي الكبير لم يبتعد عن الماركسية. هذا يعني أن هذا المسار كان صحيحاً، وأنه ينسجم فعلاً مع الاتجاه الذي توقعه ماركس. بالمقابل، كان نموذج الاتحاد السوفييتي في ثلاثينيات القرن العشرين في جوهره بناء اقتصاد حرب.
عند بدء الصين إصلاحاتها عام 1978 كان دنغ شياو بينغ واضحاً جداً في شرحه لهذه الفكرة. قال: إن الصين تتوقع فترة سلام. وثبت لاحقاً أن هذا التقدير صحيح، فقد استمرت هذه الفترة 46 سنة من السلام. المقصود بالسلام هنا هو عدم اندلاع حرب بين القوى الكبرى، وعدم اندلاع حرب بين الصين والقوى الكبرى، وليس المقصود غياب النزاعات المحلية، بل غياب الحرب العالمية. أكد دنغ أن الاحتمال الوحيد الذي قد يجبرنا على التخلي عن «الإصلاح والانفتاح» هو تهديد حرب وشيك. إذا ظهر هذا الوضع، فسيكون لا بد من إعادة إعطاء الأولوية لتطوير الصناعة العسكرية. لذلك، كان تطور الصين الاقتصادي منذ 1978 أقرب إلى ما طرحه ماركس، وأكثر نجاحاً من أي نموذج آخر، مع ضرورة تقييمه ضمن السياق الجيوسياسي.
في أواخر سبعينيات القرن العشرين وبدايات ثمانينياته، أصدر دنغ شياو بينغ حكمه المهم، بأن «السلام والتنمية هما الموضوعان الرئيسيان في العالم اليوم»، وبدأت عملية الإصلاح والانفتاح تتوسع على مستوى البلاد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266