معادن التحوّل الأخضر وخرائط النفوذ العالمي 2- من يملك سلسلة القيمة؟
عروة درويش عروة درويش

معادن التحوّل الأخضر وخرائط النفوذ العالمي 2- من يملك سلسلة القيمة؟

يلعب تطوّر نموذج الاقتصاد في بلد ما دوراً كبيراً في طموحه الصناعي الحالي. فقد بنت بعض الدول الغنية بالمعادن تاريخياً مؤسسات «دولة تنموية» لتعزيز الصناعة، بينما خضعت دول أخرى لفترات من الإصلاحات النيوليبرالية أو التدخل الخارجي الذي أضعف قدرة الدولة. وتشكل هذه الإرثيات التاريخية آفاق اليوم للصعود في سلسلة القيمة.

بعد أن وقفنا في الجزء الأول عند خريطة الدول التي تمتلك المعادن الحرجة وتحوّلها إلى ساحات صراع جيو-استراتيجي، ينتقل هذا الجزء إلى مستوى أعمق: كيف تحاول بعض هذه الدول تحويل امتلاك الخام إلى نفوذ صناعي. من خلال دراستي حالتي تشيلي وإندونيسيا، يُظهر النص كيف يحدّد إرث الدولة، ونموذجها الاقتصادي، وقدرتها المؤسسية، ما إذا كانت المعادن أداة للتحرّر الصناعي أم مجرد وقود لاقتصادات الآخرين.
على أحد طرفي الطيف، تمثل تشيلي حالة قدرة دولة مرتفعة نسبياً متجذرة في إرثٍ تنموي. ففي منتصف القرن العشرين، سعت تشيلي إلى التصنيع عبر «إحلال الواردات» وأنشأت وكالات مثل: «كورفو» عام 1939 لدفع الصناعات الاستراتيجية. وقد بنت «كورفو» ومؤسسات مماثلة نخبة من التكنوقراط المهرة، واستثمرت في قطاعات من الطاقة إلى التصنيع، ما جعل تشيلي- بمعايير أمريكا اللاتينية- دولة «عالية القدرة» تملك وكالات تنموية ذات استقلالية وكفاءة. لكن تشيلي شهدت أيضاً فترة نيوليبرالية راديكالية (عصر بينوشيه، 1973 إلى 1990) جرى خلالها تفكيك كثير من السياسات الصناعية عبر «العلاج بالصدمة» من تحرير وخصخصة. وفُتح قطاع التعدين لرأس المال الأجنبي، باستثناء «كوديلكو» في النحاس، وتُركت المبادرات اللاحقة إلى حدّ كبير لصالح مقاربات السوق الحر.
حتى بعد الانتقال الديمقراطي في تسعينيات القرن الماضي، حافظت تشيلي على نموذج موجّه للتصدير، ولم تُعِد هيكلة اقتصادها المعدني جذرياً. ولم تبدأ موجة جديدة من القادة (مثل الرئيس: غابرييل بوريك) في محاولة إحياء النهج التنموي للدولة إلا حديثاً «مثل: استراتيجية الليثيوم لعام 2023 التي تتضمن شركة ليثيوم مملوكة للدولة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص». لذا تبدو تشيلي اليوم هجينة: مؤسسات قوية وخبرة تقنية بفضل الإرث التنموي المبكر، لكن قطاع تعدين موجّه بالسوق بفعل عقود من النيوليبرالية. وهذا يمكّن تشيلي من تجريب سياسات صناعية مُعقّدة الآن، غير أنّ الإجماع السياسي قد يتأرجح لأن أثر النيوليبرالية الأيديولوجي لم يختفِ تماماً، وبعض الأطراف ليس من مصلحتها دعم التنمية التي تقودها الدولة.
لنقارن ذلك بإندونيسيا التي اتبعت مساراً قومياً صناعياً حازماً، خاصةً في عهد الرئيس جوكوي، مع تحديات في متانة المؤسسات. ففي عهد سوهارتو: «النظام الجديد 1967 إلى 1998» طوّرت إندونيسيا بعض قدرة الدولة، وسياسات محتوى محلي «سيطرة الحكومة على النفط عبر «برتامينا» وحصص في بعض المناجم». لكن الأزمة المالية الآسيوية وما تلاها من حقبة «ريفورماسي» بعد 1998 جلبا لا مركزية وتحريراً لجزءٍ من السلطة على التعدين، إذ صار بإمكان المقاطعات إصدار تراخيص التعدين، ما أدى إلى فوضى في أول عقد في الألفية. في عام 2009، أصدرت إندونيسيا قانون تعدين جديد، أعاد مركزية السيطرة، ونصّ صراحة على هدف القيمة المضافة المحلية. وقد مهّد ذلك لحظر صادرات المعادن غير المعالجة في 2014 و2020، وهي تدخلات دولة جريئة لفرض التصنيع.
بالتالي، تحمل إندونيسيا إرثاً من نزعة قومية «سيادة الموارد تحظى بتأييد شعبي قوي في ضوء تاريخ السيطرة الأجنبية على المناجم» وإطاراً بيروقراطياً أضعف من تشيلي. وقد كانت الدولة الإندونيسية فعّالة في قرارات سياساتية محددة،
كالتراخيص السريعة، وتسهيل المصاهر الممولة صينياً، لكنها أقل فعالية في تنظيم معايير العمل والبيئة في تلك الصناعات الجديدة. باختصار، تحاول إندونيسيا لعب دور «الدولة التنموية» عبر أدوات سياساتية لصنع الصناعات، لكن بأسلوب حوكمة أكثر ارتجالاً وشخصانية. وقد يتدخل تاريخ الفساد والمحسوبية في اتساق التنفيذ. ومع ذلك، خلقت خبرة تصدير المواد الخام «مثل: رؤية شركة «فريبورت-ماكموران» تُصدّر نحاس «غراسبرغ» لعقود» إجماعاً سياسياً على ضرورة فرض المعالجة المحلية، حتى إن أغضب ذلك الشركاء في الخارج.
باختصار، يهمّ تاريخ أنماط السياسة بقدرٍ هائل. فبلد مثل تشيلي الذي بنى يوماً جهاز دولة تنموية يستطيع إحياء هذا النفس الآن لدفع القيمة المضافة، وإن كان ذلك في مواجهة أعراف نيوليبرالية راسخة. وبلد مثل إندونيسيا الذي اختبر مراحل متباينة بين التحرير والتدخل يستطيع اليوم اختيار سياسة صناعية أكثر جرأة «كما فعل في النيكل». أما بلدان، مثل: الكونغو الديمقراطية، أو كثير من الدول الأفريقية- التي جرى إفراغ مؤسساتها بفعل الصراع أو الإملاءات الخارجية- فتواجه تسلقاً أشد انحداراً: إذ عليها بناء القدرة والإجماع من نقطة انطلاق أضعف. الإرث التاريخي ليس قدراً، لكنه يحدد الشروط الابتدائية للهروب من فخ المواد الخام.
لتجسيد هذه الأفكار، نتناول كيف تحاول دول بعينها الصعود في سلسلة قيمة معادن التحول الأخضر، كلٌّ باستراتيجية وتحديات مختلفة:


تشيلي


لطالما كانت تشيلي قوة سلع أولية «أكبر منتج للنحاس وثاني منتج لليثيوم عالمياً»، لكنها تسعى الآن صراحةً إلى التقاط قيمة أكبر في المراحل اللاحقة. ففي عام 2023، أعلن الرئيس غابرييل بوريك عن «استراتيجية وطنية لليثيوم» طموحة تهدف إلى تحويل قطاع الليثيوم في تشيلي. وبموجب الخطة، تؤكد الدولة التشيلية دوراً أكبر بكثير: ستتولى شركة ليثيوم مملوكة للدولة قيادة جميع مشاريع الليثيوم بالشراكة مع القطاع الخاص، وكُلّفت شركة النحاس الحكومية «كوديلكو» بالتفاوض على حصص ملكية للدولة في العمليات القائمة. الرؤية الاستراتيجية هي ألا تكتفي تشيلي بتصدير كربونات الليثيوم، بل أن تُنتج أيضاً مواد بطاريات، مثل: الكاثودات عبر شراكات تجلب التكنولوجيا.
وتُجسّد اتفاقية «كوديلكو–إس كيو إم» هذا النهج الجديد. فشركة «إس
كيو إم» التشيلية الخاصة هي من أكبر منتجي الليثيوم في العالم، وتُشغّل مسطح أتاكاما الملحي، بموجب عقد إيجار ينتهي عام 2030. وفي أواخر 2023، أبرمت تشيلي صفقةً مفادها أن تمنح «إس كيو إم» للأمانة العامة حصة أغلبية في عمليات أتاكاما مقابل تمديد حقوقها حتى 2060. وبذلك تكسب الدولة- عبر «كوديلكو»- السيطرة على جوهرة الليثيوم التشيلية، مع الإبقاء على تشغيل «إس كيو إم» بحصة أقلية. وتصف الحكومة ذلك بأنها شراكة «تاريخية» بين العام والخاص، تُعزّز الرقابة الوطنية، وتحوّل أرباحاً أكبر إلى الدولة.
ويقول مؤيدون: إن الصفقة تُنوّع «كوديلكو» وتُسرّع تطوير الليثيوم بالاستفادة من خبرة «إس كيو إم». أما المنتقدون فيرون أن تشيلي قدّمت شروطاً سخية أكثر من اللازم، إذ أشار اقتصادي إلى أن «إس كيو إم» ستحتفظ بنحو نصف إيرادات أتاكاما المستقبلية، واعتبر ذلك «تنازلاً عن السيادة»، مُقدّراً أن تشيلي كان يمكن أن تكسب أكثر بكثير عبر نموذج عام كامل. أياً يكن، تُرسّخ الصفقة نموذجاً جديداً: لن تسمح تشيلي بعد الآن باستغلالٍ خاص خالص لليثيوم؛ ستكون الدولة شريكاً مالكاً وتريد توجيه الاستثمارات اللاحقة.
كما تحاول تشيلي تعزيز معالجة الليثيوم محلياً. ففي عام 2018 أطلقت «كورفو» برنامجاً يقدّم ليثيوماً بأسعار مخفّضة لشركات توافق على إنتاج مواد بطاريات داخل تشيلي. في البداية، اختيرت شركات، مثل: «بوسكو-سامسونغ» الكورية الجنوبية، وشركة «سيتشوان فولين» الصينية، إلى جانب شركة كيماويات تشيلية، لإنتاج مواد كاثود وهيدروكسيد الليثيوم. غير أنّ المحاولة الأولى انهارت بحلول 2020- فشل مشروع «بوسكو-سامسونغ» وجرى إلغاء خطط أخرى لأسباب متعددة «عوائق تنظيمية وتغيرات السوق وغيرها». ومن الدروس المستفادة، أعادت تشيلي المحاولة في 2022 إلى 2023، مستقطبةً هذه المرة «بي واي دي» الصينية- أكبر صانع مركبات كهربائية في العالم- و«تسينغشان» الصينية، لتقديم مقترحات مصانع كاثود ضمن حوافز مشابهة. لكن بحلول 2025 انسحبت الشركتان أيضاً، مُشيرتين إلى انهيار أسعار الليثيوم وظروف سوق غير مواتية. كانت «بي واي دي» تخطط لمصنع كاثود من نوع «إل إف بي» بقيمة 290 مليون دولار «طاقة 50,000 طن سنوياً»، و«تسينغشان» لمصنع «إل إف بي» بقيمة 233 مليون دولار. وكان انسحابهما ضربةً واضحة: إذ أشارت «كورفو» إلى أن الشركتين تأثرتا بـ «الهبوط الحاد في الأسعار»، وربما ردعتهما كذلك محدودية مدة اتفاقية الإمداد التفضيلي التي تمتد فقط حتى 2030. تُبرز هذه المشاريع المتعثرة صعوبة الطريق: حتى مع حكومة راغبة وتوافر الليثيوم، قد تُفشل تقلبات السوق العالمية جهود التعميق الصناعي.
مع ذلك، تواصل تشيلي الإصرار. فقد أطلقت «كورفو» بالفعل جولةَ مناقصة جديدة، تعرض هذه المرة إمدادات ليثيوم مواتية من «ألبِمارل» - المشغل الآخر في أتاكاما- حتى عام 2043 للشركات التي تستثمر في تشيلي. وفي الوقت نفسه، كانت شركتان صينيتان- «بي واي دي» و«تسينغشان»- قد بدأتا إعداد مشروعات مشتركة جديدة لإنتاج مواد كاثود البطاريات في تشيلي، وأبدت شركة فرنسية «بلو سوليوشنز» اهتماماً بتقنيات البطاريات ذات الحالة الصلبة في تشيلي. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الخطط ستتحقق على نطاق واسع أم ستواجه عقبات إضافية.
تحقيق ذلك يتطلب تجاوز اعتماد تشيلي على رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا الأجنبية. فحتى مع قدرة الدولة العالية، تبقى تشيلي متشابكةً مع قوى السوق العالمية: أي هبوط في أسعار النحاس أو الليثيوم يضغط على إيرادات الحكومة، وقد يقلّل الدعم السياسي لمشاريع صناعية مكلفة. والتحدّي القادم هو ما إذا كانت السياسات الجديدة المشتركة بين الخاص والعام ستصمد أمام تغيّر الحكومات، «مثل احتمال مقاومة الخصوم السياسيين أو الإدارات المقبلة»، وستقود فعلاً إلى صناعات محلية قابلة للحياة. حتى الآن، تمثل تشيلي بلداً يملك الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية للسعي إلى ما هو أبعد من دور المواد الخام، لكنه يظل مقيّداً بتبعيات بنيوية للأسواق والشركاء الخارجيين. باختصار، ستكشف رحلة تشيلي ما إذا كانت دولة عالية القدرة تستطيع حقاً إعادة كتابة قواعد «لعنة الموارد» بإضافة قيمة داخلية.


إندونيسيا


تقدّم إندونيسيا مثالاً درامياً على مُصدّر موارد يصعد قسراً في سلسلة القيمة، استراتيجية أثمرت تصنيعاً سريعاً في معالجة النيكل، وإن كان ممولاً ومقوداً إلى حدّ كبير من شركات أجنبية «لا سيما صينية». ومع إدراك إندونيسيا أن تصدير خام النيكل لا يدرّ فوائد كبيرة، طبّقت خلال العقد الماضي سياسات أشد صرامة لـ «حظر تصدير المعادن غير المعالجة وإجبار القيمة المضافة محلياً». وكان حجر الزاوية هو حظر تصدير خام النيكل: أُعلن لأول مرة عام 2014 مع تطبيق جزئي، ثم فُرض بالكامل ابتداءً من كانون الثاني 2020. كان المنطق بسيطاً: إذا أراد الأجانب نيكل إندونيسيا، فعليهم الاستثمار في معالجته داخل إندونيسيا. وكانت النتائج مذهلة من حيث الإنتاج. فقد ظهرت عشرات المصاهر الجديدة لتحويل الخام إلى فيرونيكل، ونيكل حديد خام، ومنتجات وسيطة من النيكل بدرجة مناسبة للبطاريات. وبحلول 2022 أصبحت إندونيسيا أكبر منتج للنيكل في العالم بفارق كبير، وكان متوقعاً أن تُنتج قرابة مليوني طن من النيكل سنوياً بحلول 2024، ما يعادل نحو 40 إلى 43% من الإمداد العالمي. ويشير بعض المحللين إلى أنّ إندونيسيا، مع احتساب نيكل الحديد الخام، ومنتجات النيكل المُعتّم الجديدة للبطاريات، قد تمثل أكثر من 70% من نمو الإمداد العالمي للنيكل في السنوات الأخيرة.
غير أنّ هذا «الازدهار النيكلي» تموّل أساساً برأس مال وتكنولوجيا أجنبيين. فبعد الحظر، تدفقت الشركات الصينية بسرعة بما يُقدّر بـ 30 مليار دولار لبناء المصاهر والبنية التحتية المرتبطة بها. وكانت دوافعها تأمين النيكل لمصانع الفولاذ غير القابل للصدأ في الصين، ولمُنتجي بطاريات المركبات الكهربائية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي دعمت مثل هذه الاستثمارات. من المشاريع الرائدة «منتزه مورووالي الصناعي IMIP» - مجمع ضخم للنيكل والمعادن طوّرته «تسينغشان» الصينية وشريك إندونيسي. ويستضيف IMIP وحده عدداً كبيراً من المصاهر ومصانع الفولاذ غير القابل للصدأ، ويُعد «أكبر منتزه لمعالجة النيكل في آسيا»، ويشغّل نحو 120,000 عامل «90% إندونيسيون و10% صينيون». كما يجري تطوير مركز آخر في «ويدا باي» في هالماهيرا.

_____result
من خلال جذب عمالقة صينيين في الفولاذ والمواد البطارية، نجحت إندونيسيا في الانتقال خطوة إلى الأمام: فهي الآن لا تُصدّر الخام، بل منتجات وسيطة، وتبدأ إنتاج كبريتات النيكل والمواد الأولية للبطاريات محلياً. تُظهر هذه السياسة مدى قوة استخدام احتكار الموارد كرافعة: قالت إندونيسيا للشركات عملياً: «ابنوا المصانع هنا أو تفقدون الوصول إلى نيكلنا». إنها حالة تدرّس في كيفية توظيف قومية الموارد لفرض التصنيع. تتحدث السلطات الإندونيسية عن ذلك كإنجاز: تضاعفت قيمة صادرات النيكل، وتوظف إندونيسيا الآن عدداً أكبر في وظائف أعلى قيمة، وهناك حديث عن إنتاج بطاريات، أو حتى مركبات كهربائية محلياً، مع سعي جاكرتا لاستقطاب «تسلا» ومصنّعين صينيين لإنشاء خطوط تجميع.
لكن حدود النموذج بدأت تظهر. فصناعة النيكل اللاحقة في إندونيسيا تعتمد بشدة على الشركات الصينية، ما يطرح سؤالاً: من الذي يملك في النهاية سلسلة القيمة؟ ومن يجني الحصة الأكبر من الأرباح؟ بحلول 2023؟ كانت الشركات الصينية تسيطر على نحو 75% من طاقة تكرير النيكل في إندونيسيا، عبر الملكية المباشرة أو الشراكات. وتملك «تسينغشان» وحدها- عبر شركات تابعة ومشروعات مشتركة- أكثر من 66% من IMIP وأجزاء كبيرة من مشاريع أخرى. في هذا السياق، يبدو دور الشركات الإندونيسية والحكومة أقرب إلى «المضيف» أو الشريك الأقلية. وهذا يدفع بعضهم للقول: إن إندونيسيا استبدلت اعتماد الخام باعتماد جديد على المستثمر الأجنبي، وإن كانت المعالجة تتم داخلياً الآن. وتدرك السلطات ذلك، وبدأت تطالب بحصص محلية أعلى في مشاريع جديدة، وباتفاقات نقل تكنولوجيا وباستخدام أكبر للعمال الإندونيسيين في المستويات المهارية الأعلى.
هناك أيضاً تكاليف بيئية واجتماعية كبيرة. فالتمدد السريع للمصاهر اقترن بمحطات فحم لتأمين كهرباء رخيصة، وبنفايات سامة ومشكلات سلامة. ففي IMIP أدت ظروف العمل إلى توترات بين العمال الصينيين والإندونيسيين؛ وفي عام 2023 أسفر اشتباك في مصهر عن وفاة عاملين (صيني وإندونيسي) وإصابة العشرات بعد احتجاجات على ظروف العمل. وتشير تقارير إلى أن الحوادث القاتلة شائعة- فقد توفي 34 عاملاً بسبب حرائق وانفجارات في IMIP في عام 2023 وحده- وأن العمال الصينيين يشغلون غالباً الوظائف التقنية الأعلى أجراً، بينما يتولى الإندونيسيون أعمالاً أخطر، ما يخلق احتقاناً. كما يشكو السكان المحليون من التلوث: دخان الفحم وغبار النيكل أثّرا في جودة الهواء، وتضررت مصائد الأسماك بسبب تصريف المياه العادمة. وهذه الآثار الصناعية تضع الدولة الإندونيسية أمام امتحان تنظيمي ومؤسسي: هل تُشدد المعايير وتخاطر بإبعاد المستثمرين، أم تُبطئ، وتدفع ثمناً اجتماعياً وبيئياً متزايداً؟
إضافةً إلى ذلك، أفرزت سياسة الحظر تبعات قانونية وجيوسياسية. فقد طعن الاتحاد الأوروبي بحظر النيكل الإندونيسي في «منظمة التجارة العالمية»، وفي أواخر 2022 أصدرت المنظمة حكماً ضد إجراءات إندونيسيا باعتبارها قيود تصدير غير عادلة. استأنفت إندونيسيا وتجاهلت عملياً الحكم، وأكّد الرئيس جوكوي أن الحظر حق سيادي للتنمية، بل وسّع السياسة لتشمل
حظر تصدير البوكسيت ابتداءً من 2023. أدى ذلك إلى احتكاك مع الشركاء التجاريين. وفي المقابل، منحت أهمية إندونيسيا في النيكل نفوذاً: إذ تتفاوض أمريكا الآن على اتفاق تجارة للمعادن الحرجة مع إندونيسيا، كي يُحتسب النيكل الإندونيسي ضمن شروط حوافز المركبات الكهربائية في «قانون خفض التضخم IRA». بعبارة أخرى، فرضت إندونيسيا نفسها على الطاولة قسراً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1257