لماذا أصبحت سلامة العمال قضية تفاوضية؟
إلياس زيتون إلياس زيتون

لماذا أصبحت سلامة العمال قضية تفاوضية؟

لطالما تساءل العمال: لماذا لا تمتلك معظم المنشآت الصناعية الكبرى والمتوسطة عيادة أو مستوصفاً صغيراً داخل موقع العمل؟ 

ولماذا لا تتوافر سيارة إسعاف جاهزة للتعامل مع الحالات الطارئة في منشآت يعمل فيها مئات العمال يومياً؟
ولماذا يغيب الطبيب المقيم أو حتى الكادر الصحي القادر على تقديم الإسعافات الأولية والتعامل مع الإصابات المهنية ريثما يتم نقل المصاب إلى المشفى؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، وليست ترفاً فكرياً، بل تفرض نفسها كلما وقع حادث عمل، أو تعرض عامل لإصابة، أو احتاج إلى تدخل طبي عاجل داخل منشأته. وهي أسئلة أعاد طرحها البيان الأخير الصادر عن لجنة متابعة عمال شركة زنوبيا، عندما أشار إلى أن بعض البنود التي لم تنفذ بعد... تتعلق مباشرة بالصحة والسلامة المهنية، ومنها: وضع سيارة الإسعاف في الخدمة، وتفريغ طبيب للعمل داخل المعمل، واستكمال تجهيزات الوقاية والسلامة المهنية.
والسؤال الأهم هنا: ما الكلفة الحقيقية لتأمين هذه المتطلبات؟ ونسبتها من مجموع الكلف العامة حتى يغصّ بها أصحاب المليارات؟
عندما تقرر منشأة صناعية افتتاح خط إنتاج جديد، أو توسيع منشآتها، أو إنشاء صالة بيع مباشرة، أو شراء معدات وآلات إضافية، فإنها غالباً ما تجد التمويل اللازم وتمضي بالمشروع باعتباره استثماراً ضرورياً لتوسيع النشاط وزيادة الإيرادات. ولا أحد يعترض على ذلك، بل إن تطوير العملية الإنتاجية أمر مطلوب وضروري. لكن المفارقة تظهر عندما يتعلق الأمر بإنفاق جزء بسيط من هذه المبالغ على صحة العمال وسلامتهم. عندها تبدأ الحسابات الدقيقة، وتصبح التكاليف عبئاً، وتتحول أبسط متطلبات الحماية المهنية إلى مطالب مؤجلة، أو مؤجلة إلى أجل غير معلوم.


لا تعجز الميزانية إلا عند حقوق العمال


في الواقع، لا يمكن مقارنة كلفة تجهيز عيادة صغيرة داخل منشأة يعمل فيها مئات العمال، أو تخصيص سيارة إسعاف، أو التعاقد مع طبيب مقيم أو ممرض مؤهل، بحجم الإنفاق الذي تضخه الشركات في جوانب أخرى من نشاطها. كما لا يمكن اعتبار توفير الخوذ الواقية، والألبسة المناسبة، ووسائل الحماية من المخاطر المهنية، ترفاً إضافياً يمكن الاستغناء عنه عند أول ضائقة مالية.
فالسلامة المهنية ليست خدمة اجتماعية تقدمها المنشأة متى شاءت وتمتنع عنها متى شاءت، بل هي جزء أساسي من شروط العمل اللائق. والعامل الذي يقضي ساعات طويلة بين الآلات والمعدات والمواد الكيميائية والورش والمستودعات ليس أقل استحقاقاً للحماية من أي أصل إنتاجي آخر داخل المنشأة.
وإذا كانت الآلات تخضع للصيانة الدورية حفاظاً على استمرارية الإنتاج، فمن باب أولى أن يخضع العنصر البشري، وهو أهم عناصر العملية الإنتاجية، للرعاية والحماية. لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تماماً. فالآلة تتعطل فيتم إصلاحها فوراً، بينما يتعرض العامل للإصابة أو المرض المهني ويترك لمواجهة النتائج وحده، وخاصة إذا كان خارج مظلة التأمينات الاجتماعية، أو يعمل ضمن أشكال تشغيل غير مستقرة.
وتشير منظمة العمل الدولية باستمرار إلى أن الحوادث والأمراض المهنية تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه سوق العمل عالمياً، وأن الوقاية تبقى أقل كلفة بكثير من معالجة النتائج. فإصابة عامل واحد قد تعني توقفه عن العمل لأيام أو أشهر، وخسارة جزء من دخله، وتحميل أسرته أعباء إضافية، كما تعني في الوقت نفسه خسارة للمنشأة التي تفقد خبرة إنتاجية وقوة عمل مدربة. لذلك فإن النظر إلى إجراءات السلامة المهنية بوصفها كلفة إضافية يكشف فهماً قاصراً لطبيعة العملية الإنتاجية نفسها.


عمال زنوبيا يفاوضون على سلامتهم


ما يلفت الانتباه، أن الحراك العمالي في عدد من المنشآت خلال الفترة الأخيرة لم يقتصر على المطالبة بالأجور والتعويضات، بل امتد ليشمل المطالبة بشروط العمل الآمن والصحي. وهذا تطور مهم يعكس إدراكاً متزايداً لدى العمال بأن حقوقهم لا تبدأ وتنتهي عند الراتب، وإنما تشمل بيئة العمل التي يقضون فيها معظم ساعات يومهم.
ومن هنا فإن المطالبة بعيادة داخل المنشأة، أو بطبيب مقيم، أو بسيارة إسعاف، أو بتجهيزات وقاية وسلامة مهنية، ليست مطالب كمالية ولا امتيازات خاصة. إنها حقوق أساسية تفرضها طبيعة العمل ذاته، وتصبح أكثر إلحاحاً كلما ازداد عدد العمال وحجم المخاطر المرتبطة بالعملية الإنتاجية.
إن العامل لا يذهب إلى منشأته بحثاً عن الأجر فقط، بل يذهب أيضاً وهو يفترض أن حقه في الصحة والحماية مُصان. لذلك فإن أي نقاش جدّي حول تطوير الإنتاج وتحسين الأداء الاقتصادي لا يمكن أن يتجاهل شروط السلامة المهنية. فالإنتاج الحقيقي لا يقاس بعدد الآلات وخطوط الإنتاج وحدها، بل بمدى احترام الإنسان الذي يقف خلفها ويشغلها.
ولعل الرسالة الأهم التي حملتها مطالب عمال زنوبيا، هي أن الصحة والسلامة المهنية ليست بنداً هامشياً يمكن تأجيله، بل جزءاً لا يتجزأ من الحقوق العمالية. وحين يضطر العمال إلى النضال من أجل سيارة إسعاف أو طبيب أو أدوات وقاية، فإن المشكلة لا تكون في مطالبهم، بل في واقعٍ جعل أبسط حقوق الحماية موضوعاً للتفاوض، بعد أن كان يفترض أن يكون أمراً بديهياً ومسلماً به.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287