بيع قوة العمل من وجهة نظر أخرى...

بيع قوة العمل من وجهة نظر أخرى...

تعتبر قوة العمل سلعة كغيرها من السلع الموجودة في السوق، لها قيمتها الحقيقية، ولها السعر الذي تباع به وينحرف عن القيمة الحقيقية تبعاً لظروف سوق العمل وتقلباته. فالقيمة الحقيقية لقوة العمل هي تكاليف تجديدها (غذاء، سكن، لباس، حاجات روحية، إلخ) إلا أن سعرها البيعي هو ما يتم دفعه مقابل شراء رب العمل لقوة عمل العامل بغض النظر عن تكاليف تجديدها.

فمثلاً متوسط تكاليف تجديد قوة العمل في سورية لأسرة تتألف من خمسة أشخاص يزيد عن 5,000,000 شهرياً بناء على الأسعار الرائجة، في حين أن الحد الأدنى للأجور (الحد الأدنى لسعر بيع قوة العمل) يبقى عند حد 92,790 ليرة فقط لا غير، فتكاليف معيشة أسرة العامل تعتبر من تكاليف تجديد قوة عمله، وبالتالي من قيمتها (قوة العمل) الحقيقية.

حجم الفجوة بين سعر البيع والقيمة الحقيقية لقوة العمل

يتضح من المثال السابق أن ما يغطيه الحد الأدنى للأجور من متوسط تكاليف المعيشية وبالتالي متوسط قيمة تجديد قوة العمل يشكل ما لا يزيد عن 1.85% فقط لا غير وبالنظر إلى أنها في تناقص مستمر من شهر إلى آخر نوضح من خلال الجدول التالي نسبة تغطية الحد الأدنى للأجور لوسطي تكاليف المعيشة من بداية عام 2022 حتى نهاية شهر آذار من عام 2023:

1120a

من الواضح في بيانات الجدول السابق أن متوسط تكاليف المعيشة في ارتفاع مستمر بشكل شهري على طول الفترة الموضحة بالجدول والممتدة إلى 16 شهراً، فقد ارتفعت تكاليف المعيشة من بداية عام 2022 حتى نهايته بنسبة 97.9%، وارتفعت خلال الربع الأول من عام 2023 بنسبة 41% من متوسط تكاليف المعيشة في نهاية عامة 2022. وبالتالي فإن معدل التغير الشهري التراكمي لزيادة متوسط تكاليف المعيشة بالاستناد إلى الفترة المذكورة سابقاً يقدر بحوالي 6.6%. في حين معدل التغير الشهري التراكمي لتغطية الحد الأدنى للأجور بالاستناد للفترة ذاتها يقدر بحوالي 5.5%شهرياً ما يعني، أن معدل تغطية الحد الأدنى للأجور لتكاليف المعيشة ينخفض شهرياً بشكل وسطي بنسبة 5.5% تقريباً. ما يعني أنه في تاريخ 3-31-2024 ستصبح نسبة تغطية الحد الأدنى للأجور من متوسط تكاليف المعيشة حوالي 0.9% تقريباً مع ثبات الحد الأدنى على ما هو عليه.
ولكن وكما هو معروف فإن دخل الفرد لا يعتمد فقط على أجره الذي يتقاضاه، وإنما العامل في سورية يعمل بأكثر من وظيفة من أجل محاولاته لسد الفجوة المرعبة بين الحد الأدنى للأجور وبين متوسط تكاليف المعيشة، علماً أن معظم العاملين يعملون قرابة 16 ساعة بشكل يومي، وبالتالي فإن متوسط الأجر للفرد سيرتفع نسبياً ونوضح من خلال الجدول التالي المقارنة بين متوسط الأجر ومتوسط تكاليف المعيشة للفترة السابقة ذاتها:

1120b

واستناداً إلى بيانات الجدول السابق يتضح لنا أن معدل تغطية متوسط الأجر لمتوسط تكاليف المعيشة في انخفاض مستمر، ويبلغ معدل التغير التراكمي الشهري لنسبة التغطية حوالي -6% تقريباً، وبالتالي فإن معدل تغطية متوسط الأجر سيقدر بعد ثلاث سنوات ب 0.5% من متوسط تكاليف المعيشة مع ارتفاع متوسط الأجور وتكاليف المعيشة بناء على معدل التغير التراكمي المحسوب.

الخلاصة:

إن الاستمرار بالسياسات الليبرالية المتوحشة التي أدت إلى بيع قوة العمل بسعر لا يغطي 4.8% بأحسن الأحوال من تكاليف تجديدها يعني ضمناً التدمير الممنهج للقوى العاملة والقضاء عليها وإفناءها عن بكرة أبيها، فما عجزت عنه الأوضاع العسكرية التي ألمت بالبلاد خلال السنوات الماضية، فإن الحرب الاقتصادية الداخلية قبل الخارجية على الشعب كفيلة بإنجازه والنجاح به من وجهة نظر الإدارة الحكومية للبلاد، وبالتالي فإذا ما أخذنا الأمر من وجهة نظر اقتصادية وكمية فإن هدف الحكومة المنشود (القضاء على القوى العاملة) ستصل إليه خلال السنوات الثلاثة القادمة كحد أقصى. وأي حديث عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هو كلام فارغ ما لم يتم الاهتمام بشكل جدي بالعوامل التي تؤثر بشكل مباشر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحديداً رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب وتكاليف المعيشة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1120
آخر تعديل على السبت, 06 أيار 2023 22:02