(الدبس) تشكو همومها فهل من مجيب؟
غزل الماغوط غزل الماغوط

(الدبس) تشكو همومها فهل من مجيب؟

الشركة العربية المتحدة للصناعة «الدبس»، واحدة من الشركات القليلة التي لم تنل منها الأزمة وظروف الحرب رغم وقوعها في منطقة ساخنة، حيث استمر إنتاجها طيلة السنوات الماضية، ولم تتوقف عن العمل سوى 12 يوماً بفعل مشاكل الكهرباء.. واقع الشركة اليوم، معاناتها مع انقطاع الكهرباء، وقدم الآلات وارتفاع تكاليف الإنتاج، ومعاناة عمالها في ظل الظروف المعيشية الصعبة، جميعها كانت محاور تناولتها قاسيون في زيارتها إلى الشركة.

نقص العمالة
يتصدر نقص العمالة قائمة الصعوبات التي تعترض عمل الشركة، إذ تعاني «الدبس» من تسرب العمال بفعل ظروف شتى، كالتوقيف والهروب والخطف والخدمة الاحتياطية، حيث تراجع عدد عمالها في 2012 إلى نحو 800 عاملٍ بعد أن بلغ في السابق عدة آلاف، ليصل العدد اليوم إلى 522 عاملاً فقط حتى نهاية الشهر الفائت.
ورغم ندب عشرات العمال إلى الشركة، (من بينهم 34 عاملاً من الخماسية، و59 من المغازل، ومن الشركة الحديثة 22، إلى جانب 33 من الفرات، و5 من شركتي إدلب للغزل والخيوط وعاملان من الخزف وآخر من وسيم)، فإن الشركة تعاني من عدم ضخ دماء شابة فيها، ذلك أن أغلب العمال المندوبين كبار في السن، ومن الصعب تدريبهم على آلات جديدة تختلف عمّ اعتادوا عليه لسنوات، ولذلك فقد تم تشغيل معظمهم في الأعمال الخدمية بدلاً من الإنتاجية.  
وبسبب تدني الأجور إلى حد كبير ولا سيما للفئتين الرابعة والخامسة يحجم كثيرون عن التقدم للعمل ضمن عقود سنوية في الشركة، وهو ما ينطبق على سائر جهات القطاع العام، ولحل هذه المشكلة على مبدأ «الرمد أهون من العمى» استبدلت العقود السنوية بعقود الخبرة، ما أتاح للعامل الحصول على تعويضات ترفع من سوية أجره قليلاً.

حال العمال
مع ذلك تبقى الأجور في الشركة منخفضة للغاية إذ تقدر وسطيا بنحو 35 ألف ليرة، وهو ما لا يكفي حتى أجرة منزل بالنسبة لكثير من العمال المهجرين، ما يضطرهم إلى العمل في مكان آخر لتأمين مستلزمات حياتهم الأساسية، حيث يعمل البعض منهم بمعدل 16 ساعة يومياً.
أحد العمال اختصر حاله ورفاقه بعبارة «لقمتنا مغمسة بالدم»، وهي للأسف مقولة مألوفة في أوساط العمال السوريين، الذين يعملون لساعات طويلة وبأجور مجحفة للغاية، واشتكى عمال آخرون من حاجتهم إلى الأحذية الواقية، وإلى بديل عادل لقيمة الوجبة الغذائية التي تتجاوز ثلاثين ليرة يومياً، وهو مبلغ لا يشتري حتى بيضة!
وفي المقابل أبدى عمال آخرون تحفظاً في الحديث عن همومهم، والسبب على حد تعبير أحدهم: أن الإعلام لا يتحدث عن واقعهم بإنصاف، وهو ما يؤكد مسؤولية الإعلام، ولا سيما العمالي منه في استعادة هذه الثقة التي تراجعت بفعل انحياز وسائل الإعلام ووقوفها المستمر ضد مصلحة العمال.

مهنة شاقة
قد يبدو العمل في شركات النسيج أمراً يسيراً بالنسبة إلى البعض لأنها تتعامل مع الأقمشة والخيوط، لكن الواقع خلاف ذلك تماماً، فالصناعات النسيجية تصنف كواحدة من المهن الشاقة، وتتطلب دقة عالية في التعامل مع آلات النسج بأنواعها المختلفة، ويعاني عمالها من الحرارة والرطوبة المرتفعتين بفعل آلات التبخير والغسيل إلى جانب التعامل مع الأصبغة الكيميائية ذات الروائح النفاذة، إضافة إلى الزغب المتطاير الذي يترك العمال عرضة للربو والأمراض التنفسية الأخرى، ولا ننسى طبعاً الضجيج العالي في صالات الإنتاج.

حوافز لا تُحفز
تؤكد اللجنة النقابية في الشركة على مساعيها المتكررة لتعديل قانون الحوافز وزيادة التعرفة اليومية بما يتناسب مع الوضع الحالي، وهو مطلب يعاد تدويره كل عام، كما يعاد تدوير الوعود بتنفيذه من قبل الجهات المعنية دون اتخاذ أية إجراءات فعلية في هذا الصدد.
ويشكل الحد المعياري للحوافز والبالغ 70 % من الإنتاج ظلماً كبيراً للعامل ولا سيما أن معظم الآلات قديمة - يعود بعضها إلى عام 1974-  وتعاني من اهتلاك بالغ يجعل من المستحيل تحقيق هذه النسبة ولو توافرت جميع الشروط المثالية، من خبرة العامل وجودة الغزول وعدم انقطاع التيار الكهربائي.

مطالب محقة
مظلمة تؤكدها إدارة الشركة، والتي طالبت بتعديل النسبة إلى 65%، لكن المطلب قوبل برفض قاطع، والمشكلة كما توضح الإدارة تتعلق بالعقلية التي يتعامل بها المسؤولون مع الشركة، فرغم أزمة امتدت سبع سنوات ما زالت وزارة المالية تتصرف وكأن شيئاً لم يحصل في البلاد، وهو ما حصل أيضاً عند دراسة مشروع ملاك عددي للشركة بناء على لجنة شكلت لهذا الغرض، وأقرت بحاجة الشركة إلى 1049 عاملاً، وتمت الموافقة على 750 عاملاً فقط، دون وجود أي سبب منطقي لذلك، وكأن الأمر «مشايلة» لا أكثر.. والحجة الحاضرة دائماً هي ترشيد النفقات.

باختصار
يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى عدم تحقيق الطاقة الإنتاجية المخططة لتشمل نقص عدد العمال، ما أدى إلى فاقد كبير في الإنتاج والمبيعات وقدم الآلات بشكل عام، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي حوالي 679 ساعة، ما يعادل 28 يوم عمل، وانخفاض الفولتاج وحدوث الرفات الكهربائية، وتشغيل مولدة الكهرباء لمدة 357 ساعة استهلكت خلالها نحو 51730 لتراً من المازوت.
أما الأسباب التي أدت إلى عدم تحقيق المبيعات المخططة فترجع إلى ارتفاع سعر صرف الدولار، والارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الإنتاج، خاصة المازوت والكهرباء والقطع التبديلية إلى جانب العقوبات الاقتصادية.
ولذلك فإن تذليل هذه العقبات يكمن في عدم قطع التيار الكهربائي وتحقيق استقراره، ورفد الشركة بالعمالة اللازمة لاستمرار العملية الإنتاجية، طبقاً لحاجتها من العمال، وليس لما يقره المسؤولون في وزارة المالية خلف مكاتبهم، وتحديث خطوط الإنتاج عبر استبدال الآلات المتهالكة بالتكنولوجيا الحديثة، وهو ما من شأنه أن يرفع من سوية الشركة، ويزيد إنتاجها، بما ينعكس إيجابياً على وضع السوق بشكل عام، ولا ننسى طبعاً وقبل كل شيء: منح العمال أجوراً منصفة تتناسب مع الوضع المعيشي الذي آلت إليه البلاد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
829