طلاب الجامعات السورية: أسرى مزاجية الأستاذ الجامعي. وتعديل الشهادة الجامعية في سورية أصعب من الدراسة نفسها

على الرغم من أننا نعتبر من البلدان التي لا تزال تعتمد على المناهج النظرية في التدريس في معظم الاختصاصات الجامعية و المعاهد المتخصصة، و على الرغم من الضعف الملحوظ في الأساليب المتبعة في التدريس، تعتبر الدراسة الجامعية في سورية الأصعب في الوطن العربي، ولكن ليس بسبب المستوى المتطورلمناهجها، بل بسبب تخلف الادوات وبسبب الفساد المتفشي بين أروقتها، و مزاجية الأستاذ الجامعي التي تحكم آلية تصحيح أوراق الطلاب، و حرمانهم من الحصول على العلامة التي يستحقونها في أغلب الأحيان، هذا أن قدر لهم الحظ النجاح في مقرراتهم الجامعية، في مخالفة صارخة لأخلاقيات المهنة والقانون على حد سواء، نقول البعض كي لا نشمل نسبة من الأساتذة الجامعين الذين لا زالوا رغم الفساد المحيط بهم من كل جانب متمسكين بآداب المهنة وأخلاقيات المعلم القدير.

الأمر الذي دفع بعض الشباب الراغب في الحصول على شهادة جامعية إلى السفر لدراسة في جامعات أجنبية، تفاديا منه لكل الصعوبات والاجحاف الذي من المحتمل أن يصادفه، فيما لو أختار الدراسة في جامعات سورية، إضافة إلى استحالة حصوله على معدل عالي يميزه عن غيره من الخرجين في سوق العمل، و الرغبة في الحصول على شهادة معترف بها دولياً من جامعات لها مكانتها عالمياً، لا سورياً وهنا تكمن المشكلة الأكبر التي تواجه خرجين الجامعات العالمية عندما يعودن للعمل في سورية فالشهادات العالمية التي يحملونها أياُ كان مصدرها، تحتاج إلى التعديل رغم أن الجامعات السورية إن كانت مصنفة علمياُ فهي دون شك تحتل ذيل القائمة عالمياً .

مشاكل الطالب الجامعي السوري.
تكمن معظم مشاكل الطلاب في الجامعات السورية على اختلاف الاختصاصات، في مزاجية الأستاذ الجامعي التي تحكم العملية التعليمية بكافة جوانبها، تدريساُ، أو تصحيحاً و.....إلى أخر ما تتضمنه العملية التعليمية.

( م،س ): طالب في قسم الإعلام بجامعة دمشق يصف ل  قاسيون ما يعانيه الطالب في الجامعات السورية .
يقول:الطالب الجامعي في سورية يعتبر حقلاً لتجارب الأساتذة الراغبين في سطوع نجمهم، أملاً في أن ينالهم منصب ما، أو مرتبة عالية، فتجد بأن مثل هؤلاء الأساتذة الجامعيين يتفننون في وضع الأسئلة الامتحانية التعجيزية، التي لم نعرف لها مغزى، في الامتحانات المؤتمتة، كذلك السؤال الذي يطلب من الطالب ترتيب الأفكار ترتيباً منطقياً، دون وجود رابط بين الأفكار، وطبعاً هذا الترتيب و فق منطق الأستاذ لا المنطق المطلوب توفره، أو كذلك السؤال الذي يطلب اختيار الترتيب الثالث الصحيح،
يضيف ل «قاسيون» لكن السؤال الأكثر غرابة هو ذلك الذي يسأل الطالب في حالة الأتمتة ما هو الجواب الصحيح في سؤال وضع فيه خمس خيارات خاطئة!.... وفي كل مرة كان يظهر فشل إحدى هذه النماذج الامتحانية كان أستاذ المقرر يبتدع نموذجاً جديداً من الأسئلة أكثر تعقيداً، وكأن ثمة ثأر بين هذا الأستاذ و التلاميذ.
و يتحدث (م،ق) ل«قاسيون»: في قسم الأدب العربي في جامعة دمشق أيضاً، معاناة أخرى، فيقول: في كثير من الأحيان لا يستطيع أستاذ المادة تدريس كل المقرر خلال الفصل الدراسي أما لكثرة المناسبات الوطنية أو الأعياد، أو لظرف قاهرة تتعلق بأستاذ المادة نفسه، فيقوم بتحديد ما هو مطلوب من المقرر و استبعاد ما هو غير مطلوب، و نحن طبعا نتقيد بكلام الأستاذ، لنفاجئ في الامتحان بأن بعض الأسئلة هي من الفقرات غير المطلوبة بموجب قراره هو مما يؤدي إلى حمل معظم الطلاب لهذه المادة، و كأنه كذبة الأول مكن نيسان.
أما (ع،س): طالب في كلية الحقوق، يتحدث ل قاسيون عن صعوبة تقديم أي اعتراض أو شكوى على أستاذ المادة في الجامعة في حال شعر الطالب بالظلم في نتيجة الامتحان، من سيحاسب الأستاذ المقصر أو المستهتر فمعظمهم أما أن يكونوا مدعومين من جهة رسمية ما، وأما هم في مناصب رفيعة في الحكومة ، ففي حال تقدمت بأي شكوى ستوضع اللجان الصورية للتحقيق، والنتيجة طبعاً لصالح الأستاذ، وهنا سأكون بعد ذلك تحت رحمت هذا الأستاذ طالما أنه أستاذ المادة التي ظلمت بها.
ويؤكد (ح،ف): طالب في كلية الإعلام بجامعة دمشق ما يقوله (ع،س) فهو ومجموعة من طلاب الإعلام تعرضوا لمثل هذه الحالة وتقدموا بشكوى ضد الظلم الذي لحق بهم من الأستاذ الجامعي وتم تهديدهم بالفصل من قبل المسؤولين عنهم بالجامعة، وطبعاً نتيجة التدقيق التي قامت به الجامعة كان لصالح الأستاذ، وفي الفصل الذي يليه أخبرنا أستاذ المادة في أول محاضرة بأن أسماء الطلاب الذين تقدموا بشكوى ضده موجودة معه، وكأنه يقول لهم لن تستطيعوا فعل شيء معي, ولن أغير في أسلوب معاملتي مع الطلبة أبداً بما معناه (بلطو البحر)   
يتحدث ( ه، ال) ل قاسيون: و هو أيضاً طالب في قسم الإعلام في جامعة دمشق، ثمة أساتذة لا يمكنك فهم ما الذي يريدونه من السؤال، حتى تتمكن من الإجابة بشكل الصحيح، فالسؤال واضح لكن الجواب الذي يريده الأستاذ غير معروف، فهو لا يتقد بالمنهاج، طبعاً هناك أسئلة من خارج المنهاج تهدف إلى معرفة المستوى الفكري و والثقافي لطالب، لكن وليس هذا نوع من الأسئلة التي أتحدث عنها.
يقول (ه،ال):  حملت  أحد المقررات الدراسية لأربع مرات قبل أن أنجح به في المرة الخامسة، و في المرات الأربع الأولى كنت متأكداً من النجاح (100%100) ولكن لم أرفع المادة، ففي المرة الأولى أجبت على الأسئلة اعتمادا على ما فهمته من المقرر، و في المرة الثانية أجبت حرفياً على السؤال كما ورد في الكتاب ، و في المرة
 الثالثة جمعت بين حرْفية الجواب و وما فهمته، والمرة الرابعة كذلك الأمر لكن دون جدوى، فقررت في المرة الخامسة عدم دراسة المادة والتقدم للامتحان (لرفع العتب) كما يقال خصوصاً بعد أن أخبرني زميل لي بأنه نجح في المقرر دون أن يعرف حتى اسم المقرر فراح يجيب على الأسئلة بكتابة كل ما خطر في باله من أفكار قرأها في مقررات أخرى, و الغريب أنه نجح في المقرر من المرة الأولى و إليكم ما حدث في المرة الخامسة، كتبت في الإجابة عن السؤال الأول الأساسي كل ما خطر في بالي من جمل وردت معي في نفس المقرر أثناء الدراسة حتى لو لم يكن لها علاقة بالسؤال، أما جواب السؤال الثاني كان هو نفسه ما كتبت في السؤال الأول ولكن بتغير ترتيب الجمل فقط و الغريب أنني في هذه المرة نجحت في المادة رغم أن نفسها تكررت في سؤالين و هي غير صحيحة، للأسف أنا لا أبالغ فهذه هي الحقيقة...؟.

 النجاح بالحظ و « الفساد» أو شيء أخر :
بات كثير من الطلاب يؤمن بأن النجاح في بعض المقررات الجامعية يعتمد على أحد الأمرين، أما الحظ أو الرشوة، والحالات التي تثبت صحة هذا الاعتقاد كثيرة حسب ما يقوله الطلاب في جامعات سورية.
ف(م،م) طالب في قسم الهندسة في جامعة دمشق، وهو أحد الحالات التي تؤكد صحة هذا الاعتقاد .
يقول ل قاسيون: حملت إحدى المواد ثلاث مرات دون أن أتمكن من النجاح بها ولم أصدق ما يقال عن أن أستاذ المادة لا يعطي الطالب علامة النجاح دون أن يدفع له رشوة مقابل ذلك، ففي المرة الثالثة التي حملت بها هذا المقرر كان أحد أصدقائي ممن سيقدم نفس قد نصحني بدفع رشوة لأستاذ المادة بدل كل هذا التعب، و لكني قررت التقدم للامتحان بجهدي، لكن النتيجة كانت نجاح صديقي في المقرر وحملي للمقرر وأنا الذي حفظت المقرر عن ظهر قلب، و قررت أخير بعد أن أدركت أن لا جدوى من عنادي أن أدفع كغيري من الطلاب حتى أتمكن من النجاح في المقرر .
أما (ن،ط) يقول ل قاسيون: وهو متخرج من قسم الإعلام بجامعة دمشق. سأعترف لكم بأمر حدث معي و مع صديقي في أحد الامتحانات التي قدمناه معا، فقد جلسنا  خلف بعض في القاعة، طبعاً لنساعد بعضنا في الإجابة على الأسئلة الأربعة الواردة في الامتحان، هذا ما يسمى (الغش في الامتحان)، فأنا أخذت منه الإجابة على سؤالين و هو أخذ مني الإجابة على السؤالين الآخريين، لتكون أجابتنا متطابقة إلى درجة لو كان من يصحح أوراق الامتحان قد صحح فعلاً لتنبه إلى التطابق بين الورقتين، وعند صدور نتائج الامتحان لهذا المقرر حملت أنا هذا المقرر بدرجة (30%)، وصديقي نجح في المادة بدرجة (75%)، فكيف نجح صديقي ورسبت أنا في المقرر أليس هذا دليل على أن الأوراق الامتحانية لا تصحح كما يجب، و أن الحظ لعب دوراُ كبير في هذه الحالة .
(ص،ع) كانت طالبة في كلية الحقوق بجامعة دمشق قبل  أن تتخرج من الجامعة بوقت قياسي دون أن تعيد أي سنة، علماً أنه من المعروف أن كلية الحقوق تعرف بأنها (مقبرة الطلاب).
وعندما سألناها في قاسيون كيف استطاعت التخرج والنجاح بهذا الوقت القياسي، كان جوابها التالي: بالمال طبعاً كنت أدفع ثمن النجاح بالمواد للأساتذة الذين يعرف عنهم تقاضيهم لرشوة مقابل النجاح، و هذا لا يعني أن معظم الأساتذة مرتشون،  أما المقررات التي يعرف عن أساتذتها النزاهة كنت أدرس مقرراتهم وأنجح بها و هكذا تخرجت .   
وفي حالة أخرى يشاع بين الطلاب في قسم الإعلام بجامعة دمشق، أن أحدى الطالبات المحجبات قصدت مكتب أساتذة المقرر الذي توقف تخرجها عليه بعد أن يئست من النجاح فيه لتخبره بوضعها، عله يساعدها خصوصاً أنه من المعروف بين الطلاب أن النجاح في مقرر هذا الأستاذ يعتمد على الحظ حسب قول الطلاب، لكن جواب الأستاذ كان مفاجئاً فقد رهن الأستاذ نجاح الطالبة في المقرره بخلعها للحجاب، لكن الطالبة رفضت وعزفت عن التقدم إلى امتحان هذا المقرر مادام لهذا الأستاذ. هل هذه القصة صحيحة...؟ لم يتسنى لنا الوصول لصاحبة هذه القصة لكن انتشارها بين الطلبة يجعلها أقرب للتصديق خصوصاً إذا ما سمعنا ما يدور حول هذا الأستاذ من أحاديث ومشاكل يعرفها معظم طلاب قسم الإعلام بحسب ما يؤكده الطلبة.   

 من يصحح أوراق الامتحان :
يقوم بعض الأساتذة الجامعين بإعطاء مهمة تصحيح الأوراق الامتحانية لبعض الطلاب في المراحل الجامعية المتقدمة، متجاهلين مستقبل طلبتهم، وعدم كفاءة من يوكلون لهم هذه المهمة.
هذا ما يؤكده ( ل، م ) طالب الأدب العربي بجامعة دمشق  لقاسيون
يقول: أخبرني أحد الطلاب في الجامعة عن طالب في سنوات متقدمة أنه ممن يوكل إليه أستاذ أحد المقررات مهمة تصحيح الأوراق الامتحانية للسنوات الادنى، ونصحني أن أتقرب منه حتى أستفيد من صداقته في مساعدتي بالنجاح في المقرر عندما يحين وقت تقدمي له، كما أني سمعت نفس الكلام من عدد من الطلاب الآخرين مما يؤكد صدق ما قيل لي،
فهل مستقبلنا رخيص في عيون مثل هؤلاء الأساتذة حتى يضعوه في يد من لا يمتلك الكفاءة الكافية لتصحيح أوراقنا الامتحانية
 
تعديل الشهادة الجامعات الأجنبية :
لا تقتصر المعاناة على الطلاب الذين درسوا في جامعات سورية بل تتعداها إلى أولئك الطلاب الذين درسوا وتخرجوا من جامعات أجنبية أروبية أو عالمية، وقرر العودة إلى الوطن ليضع ما تعلمه طوال فترة دراسته الجامعية في خدمة الوطن، لكن العقبات التي تفرضها القوانين المؤسسات التعليمية الجامدة و المعقدة تجعل من يحصل على شهادة جامعية من خارج سورية يفكر مراراً وتكراراً قبل أن يعود إلى سورية خشية الدخول في معممة تعديل الشهادة الجامعية وإن كانت صادرة عن الجامعة تحتل مركز متقدماً على سلم الترتيب العالمي للجامعات، على الرغم من أن جامعاتنا السورية، إن كان لها تصنيف عالمياً فهي بلا شك تتربع في ذيل القائمة.
إن مشكلة تعديل الشهادات الجامعية في سورية تعتبر من أكثر الصعاب التي تواجه السوريين ممن يحملون شهادات جامعات عربية أو أجنبية، بما تتضمنه من روتين خانق بيروقراطية معقدة .
(غ،م) خريج هندسة كميبوتر من جامعة في موسكو يصف معانات التي تصادفه في تعديل شهادته الجامعية.
يقول ل قاسيون رجعت إلى سورية بعد تخرجي من جامعة في روسية
ومنذ ذالك الحين وأن أنتظر الجهات المعنية أن تصادق على تعديل شهادتي الجامعية دون جدوى في كل مرة يضع المعنيون في مكتب تعديل الشهادات الجامعية حججاً و مبررات غير منطقية، لعدم انتهائهم من تصديق شهادتي وشهادة عدد كبير من أصدقائي الذين عادوا معي في روسية  إضافة إلى سوء المعاملة التي نتلقاها من الموظفين في هذا المكتب و قلت التهذيب في أسلوب الكلام و كأنهم يتصدقون علينا بعملهم هذا، و المشكلة ليس شخصية  بل هي مشكلة عامة يعاني منها معظم خرجي الجامعات الأجنبية بعد عودتهم إلى سورية  .
و السؤال الذي نطرحه على المسؤولين عن قطاع التعليم، وعلى من يرسمون السياسات التعليمية كيف نبني الوطن و المواطن بمثل هذه الكوادر التي أن وجدت لديها الخبرة غاب عنها الضمير و النزاهة في عملها فبعض ضعاف النفوس حولوا مهنة أستاذ الجامعة إلى ما يشبه السمسرة وباتت مهنة أستاذ الجامعة التجارة مربحة أكثر من تجارة الذهب نفسها، فهل ما يحدث في الجامعات السورية يمت للإصلاح بصلة وهل يتوقع المعنيون عن هذا القطاع الهام تخريج شباب سوري قادرعلى المساهمة في بناء و تقدم الوطن ...؟