قانون التقاعد المبكر نزاع حكومي جديد والضحية عمال القطاع العام

ضمن حزمة جديدة من السياسات التي ترمي إلى زيادة التثبيت والتكيف الهيكلي، والتي ترافقت بداية بمشروع يدرس حالياً لتعديل قانون العمل رقم /91 / لجهة إلغاء المرسوم (49) يحمي العامل من التسريح التعسفي واستبداله بقانون آخر يقوم على أساس العقد شريعة المتعاقدين خلافاً لكل قوانين العمل الدولية التي وقعت عليها سورية،

لجأت الحكومة  مؤخراً إلى إقرار مشروع مرسوم للتقاعد المبكر، الذي ينص حسب آخر التوافقات التي تم التوصل إليها بين الجهات المعنية على حق العاملين المدنيين في الجهات العامة والمؤمن عليهم لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتأمين والمعاشات، بالحصول على معاش تقاعدي مبكر لمن بلغت خدمته عشرين عاماً فما فوق بناء على طلب العامل وموافقة الإدارة بالإضافة إلى  إعطاء العامل تعويضاً مقداره أجر شهر عن كل سنة تزيد عن ثلاثين عاماً وبما لايتجاوز الخمس سنوات.

لكن المشروع الذي تبدي الجهات الوصائية حماسة كبيرة في تطبيقه لأنه يوفر حسب زعمها 27 مليار ويساهم في حل أزمة البطالة، اعترض عليه الاتحاد العام لنقابات العمال وليس هناك «أي حاجة ملحة وعاجلة وراهنة لهذا القانون نظراً لأن قانون التأمينات الاجتماعية رقم 78 لعام 2001 ينص على أحكام تتعلق بالخروج للتقاعد المبكر بناء على طلب العامل، كما أن المحفزات التي أوردها المشروع واردة أيضاً في أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمتعلقة بإعطاء أجر شهر عن كل سنة خدمة تزيد عن ثلاثين سنة خدمة».

ويرى اتحاد نقابات العمال أنه: «إذا كان الهدف من مشروع المرسوم هو خروج ما سمتهم المذكرة بالعمال الفائضين والمرضى والعجزة للتقاعد المبكر، فإن ذلك لن يتحقق لغياب أنظمة الضمان الصحي للمتقاعدين مما سيجعل البقاء في العمل هو أساس اختيار العمال» بالإضافة إلى الأبعاد المالية للمشروع ومصادر تمويله خاصة وأن صندوق الدين العام غير قادر على التمويل وما حول من اشتراكات تأمينية تم قطع حساباته للسنوات السابقة، وأصبح بحكم المسدد للخزينة العامة، ولا يمكن استرداده، وبالتالي فإن اللجوء إلى الاقتراض من المصارف المتخصصة كما ينص «مشروع المرسوم» سيزيد من الأعباء المالية للشركات والمنشآت والتأمينات الاجتماعية، ويزيد من خسارتها وبالتالي تحقيق عكس ما يطمح إليه المشروع في الجوهر، أما فيما يخص الوفر الذي تتحدث عنه الحكومة في حال إقرار قانون التقاعد المبكر، فهو وفر ظاهري  سيرتب على المشروع أعباء جديدة أهمها كلفته المالية في ظل محدودية موارد التأمينات الاجتماعية وعدم قدرة الشركات الإنشائية على تسديد ديونها، لأن المعاشات التقاعدية التي ستدفع في النهاية تعادل كتلة الأجور المسددة بعد حسم الضرائب والرسوم، وبالتالي الحديث عن وفر بنسبة 24% تأمينات هو ليس وفراً باعتبار أن المعاشات التقاعدية تستحق لطالبي المعاش المبكر قبل 15 ـ 20 سنة من أوانها، وهو ماسيرتب معاشات تقاعدية خلال هذه السنوات تفوق بكثير الوفر الذي تتحدث عنه الدراسة إذا تم حساب مردود عمل العامل خلال هذه السنوات.

كما أعرب الاتحاد العام لنقابات العمال عن خشيته من إصدار مشروع التقاعد المبكر لمحاذيره الاقتصادية والاجتماعية والعمالية والتي تكمن في خروج اليد العاملة المؤهلة والخبيرة وإفراغ جهاز الدولة من هذه الخبرات مما سيؤثر على الأداء والإنتاجية، كما سيؤدي المشروع إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل في ظل قصور الطلب على اليد العاملة وقلة الاستخدام في القطاع الخاص والأعباء المترتبة على زيادة عدد العاطلين وخاصة في الفئة العمرية 40 ـ 60 سنة. بالإضافة إلى أن المشروع في حال أخذ طريقه للتطبيق سيرتب على التنظيم النقابي أعباء مالية نظراً لأنه يسدد إعانات نهاية الخدمة وسطياً بحدود 30000ل.س، وهذا الرقم يشكل في حال خروج 125 ألف عامل يشملهم المشروع حوالي 2.75 مليار ليرة سورية.

وأكد إبراهيم اللوزة عضو المجلس العام لاتحاد نقابات العمال في تصريح لقاسيون: «أن مشروع التقاعد المبكر هو في النهاية مشروع للتسريح المبكر ويهدف إلى إفراغ مؤسسات الدولة من العمالة كي تصبح عملية استثمارها وخصخصتها أكثر سهولة، خاصة وأن المشروع يتزامن مع مشروع آخر، هو التعميم الذي أصدره رئيس مجلس الوزراء بشأن مكافحة الفساد في دوائر الدولة والذي سيستخدم كسيف مسلط على رقاب العمال من أجل دفعهم إلى التقاعد، خاصة وأن التعميم يعطي صلاحيات واسعة للمدراء بفصل العمال من دون اللجوء إلى القضاء». وأضاف اللوزة: «إن الحكومة الحالية هي حكومة خصخصة وتعمل خلافاً لكل التوجهات السياسية والوطنية وهي فشلت في تحقيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، منوهاً بأن معالجة البطالة تتم من خلال زيادة الاستثمارات وفتح الاعتماد لصناعات جديدة  وليس عبر تقليص الإنفاق وطرح الشركات العامة للاستثمار».

على صعيد آخر أكد مدير مؤسسة التأمينات الاجتماعية أن: «ترك العمال بشكل كبير ومفاجئ يفوق قدرة المؤسسة على الإيفاء بالتزاماتها، مشيراً إلى أنه في حال خروج 125 ألف عامل للتقاعد فإن كلفة المعاشات التقاعدية خلال خمس سنوات هي 83 مليار و 580 مليون ليرة (125000 عامل × متوسط المعاش 11139 ×60 شهراً) إضافة إلى 739 مليون هي كلفة الدفعة الواحدة للذين تزيد خدمتهم عن ثلاثين سنة، وبذلك تكون مؤسسة التأمينات الاجتماعية عاجزة كل العجز عن دفع المبالغ المذكورة بسبب وجود 55 مليار ليرة سورية في الخزينة العامة للدولة و44 مليار ليرة هي اشتراكات بعض الجهات العامة التي لم تسدد لمؤسسة التأمينات الاجتماعية والتي لم ترصد وزارة المالية أي اعتماد لها في الموازنة العامة للدولة، ليبقى مجموع الفائض الموجود لدى المؤسسة حالياً بحدود أربعة مليارات ل.س فقط، في حين أن كلفة المعاشات التقاعدية كما ذكرنا هي 83 مليار و 580 مليون ليرة سورية. بالإضافة إلى أن المؤسسة ستخسر ثمن الاشتراكات التي كانت تحسم على العمال المقترح إحالتهم على المعاش والتي تعادل 24% من كتلة الأجور وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تحمل المؤسسة أعباء مضاعفة بفقدانها اشتراكات هؤلاء العمال من جهة وتحميلها معاشاة تقاعدية من جهة أخرى.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.