مازن سعد الدين: «نساءاتنا» سهى بشارة وكوزيت ابراهيم والأخريات
منى مرعي منى مرعي

مازن سعد الدين: «نساءاتنا» سهى بشارة وكوزيت ابراهيم والأخريات

في عمله الثاني «نساءات»، اختار الشاب مازن سعد الدين الانطلاق من كتاب «أحلم بزنزانة من كرز» للمناضلتين اللبنانيتين سهى بشارة وكوزيت ابراهيم. الكتاب الذي صدر عام ٢٠١١، يوّثق تجارب نساء اعتُقلن لسنوات في «سجن الخيام» عبر فصول من المعاناة والصمود وشهادات روتها كوزيت وسهى. إنّها مذكرات سجن واعتقال تجسدها ٥ ممثلاتٍ وسجانان على الخشبة.

الخشبة التي نتحدث عنها ذات معالم واضحة: مع ذلك، لا نرى «سجن الخيام». نحن في فضاءٍ يلمّح في كل تفاصيله الى السجن، لكن النص يحيلنا على فضاءٍٍٍٍ غير مرئي وأكثر عمقاً هو فضاء «النساءات». أمام أوجاعهن، لا يعود مهماً ذكر المكان ولا يبقى منه سوى حبال وأسلاك شائكة أُبقي عليها لتكون منصة تجعل جبروتهن العنصر الأقوى والأكثر حضوراً في العرض. لم يأت النص على ذكر «سجن الخيام». بدأ العرض بأيدٍ تلامس بعضها كأنها تبحث عمن يطمئن عزلتها، ووجوه ملثّمة لا تلبث أن تظهر ملامحها. تسلسل كل معتقلة رقمها وتعلن أمام الجمهور موافقتها على سرد قصتها. هنا يبدأ فعل تواطؤ مع المشاهد الأول والأخير: تصريح القبول هذا، يضع المشاهد أمام مسؤولية ائتمانه على ذكرياتٍ موجعة.

ذكريات سرعان ما تتراكم في ايقاع يتسارع تارةً ويتباطأ طوراً. ذلك أنّ النص الذي تولتّه غنى سعد الدين ركزّ على التفاصيل الصغيرة للنساء كما حرص سعد الدين على تجريد كل الشخصيات من أسمائها وجعل صمود المرأة الشخصية الوحيدة والأساسية للعرض. كلهن كنّ في لحظة من اللحظات سهى وكوزيت وكفاح وسائر النساء اللواتي ذُكرن في الكتاب. هذا الانصهار في الأسلوب السردي كان مقصوداً في الكتاب تماماً كما سعى سعد الدين الى إلغاء كل مدلولات المكان واللهجة والزمان التي تشير الى هوية صاحبة تلك المعاناة: تحولت خماسية النساء المعتقلات الى جسد واحد، وانبرت ذكريات النساء اللواتي اعتقلن لتشكل فسيفساء واحدة لقهرهن وصمودهن معاً. ذاب المكان في تلك الفسيفساء. لذا لا نرى في سينوغرافيا السجن مجموعة زنازين فقط منمنمة تذكرنا ببعض عناصر تلك الزنزانات ومجموعة حبال تتدلى على حافة خشبة «غلبنكيان» الدائري جاعلة مساحة العرض محصورةً في زنزانة واحدة حتى بدا للمشاهد أنّ السجان الذي يتحرك في فضائه الخاص على منصة عالية وُجد أيضاً في زنزانة. وللمفارقة هي الزنزانة الأكبر حجماً وبالتالي توازنت قوى القمع مع صمود نساءاتنا. رغم كل العنف الذي مورس عليهنّ من قبل السجانَين، فقد ظهر الأخيران كأنهما الحلقة الأضعف أمام جبروت حكايا المعتقلات. وحده صاحب هذا الصوت (وائل الأسعد) كان يتحرك خارج فضاء الزنزانة الكبرى من دون أن يدخلها. كان يغني في قاعة العرض ويتنقل بين المشاهدين، مطلقاً العنان لجمل من أغنيات ملتزمة كـ«يا ظلام السجن خيّم» لسميح شقير أو «يا رايح صوب بلادي» لأحمد قعبور.

تميزت المعالجة بحميمية الحكايا، وكان أداء الممثلين جيداً رغم بعض اللحظات التي عانى فيها العرض من المغالاة في الأداء. رغم ذلك، يتفاعل المشاهد مع العمل، فوطأة مسؤولية تلك الذكريات التي ائتُمن عليها والرمزية المشتركة لنفحات الأغنيات لا تسمحان له بالتشديد على بعض الأخطاء العابرة.

 

المصدر: الأخبار

آخر تعديل على السبت, 19 تموز/يوليو 2014 22:09