صمتَ العالم عن غزة بعد أن تخفت العناوين الرئيسية

صمتَ العالم عن غزة بعد أن تخفت العناوين الرئيسية

تختفي بعض الكوارث لأنها تنتهي، وتختفي أخرى لأنها تطول حتى تصير أُلفتها أهون من وطأتها. فما كان يوماً حدثاً استثنائياً يقاطع برامج التلفاز، ويتصدر عناوين الصحف، يتحول إلى خلفية رتيبة للحياة اليومية؛ تعود الأسواق إلى معاملاتها، ويعود الدبلوماسيون إلى روتينهم، ويُطلب منهم وضع ملفات ذلك الموضوع الشاق جانباً. لكن الكارثة ذاتها لا تزول. فالإبادة الجماعية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في غزة لم تغب لأن سلاماً قد أطل، بل لأن استمرارها جعلها خارج دائرة الاهتمام الإعلامي القابل للتسويق.

فيجاي براشاد (عن مجلة معهد القارات الثلاث بتصرف)


كان لكل انفجار في غزة وقع الصاعقة على الشاشات، تنهال الصور المروعة لأطفال تنتشلهم أيادٍ مرتجفة من تحت الركام، وطواقم طبية تحاول إنقاذ الجرحى في مستشفى ينهار فوق رؤوسهم، وعائلات تذرف الحنظل، وهي ترى القنابل تمحو فروعاً كاملة من شجرتها النسبية. ما زالت الطائرات تحلق، وما زالت العائلات تتنقل من خراب إلى خراب، وما زال الأطفال يفتشون في الخرسانة المتناثرة عن بقايا بيوتهم. ولكن الأنظار انصرفت، والإبادة صارت روتيناً، وصرنا، نحن المشاهدين، مخدرين بارتياح مريب.
تُقدّر وزارة الصحة الفلسطينية، أن العنف «الإسرائيلي»، منذ أكتوبر 2023، قد أودى بحياة 73,221 فلسطينياً على الأقل، نصفهم من النساء والأطفال، وأصاب 173,654 آخرين. وبحلول شباط 2026، كان عدد الأطفال الذين قضوا نحبهم قد تجاوز 21 ألفاً، فيما أصيب 44,500 آخرون. وحتى بعد الاتفاق الهش الذي سُمّي «وقف إطلاق النار» في تشرين الأول 2025، لم تتوقف الخسائر، بل قُتل 1,100 فلسطيني، بينهم 260 طفلاً، وأصيب 3,546، بمعدل أربعة شهداء يومياً.


«وقف إطلاق النار»


في لحظات كهذه، تفقد الكلمات أوزارها. لا لأن اللغة تغيرت، بل لأن السلطة تفرغ المصطلحات من مضامينها. فقد تحولت عبارة «وقف إطلاق النار» في قاموس المسؤولين «الإسرائيليين» والأميركيين إلى مصطلح إداري لتبرير استمرار القصف، والتهجير، والحصار، والسيطرة العسكرية، تحت غطاء السلام. الأرقام تحاول حصر الفاجعة، لكنها عاجزة عن تصوير الغياب؛ فخلف كل رقم يقف طفل فقد طفولته، وأسرة مُحيت من سجل الأحياء، وتاريخ ممزق إلى أجزاء. حتى تقارير «الأونروا» لم تعد تُقرأ كنشرات طوارئ، بل كأرشيف دائم لكارثة لا تنقضي.
لكن العدوان لا يتوقف عند حدود غزة. ففي الضفة الغربية والقدس الشرقية، يُعاد رسم خريطة فلسطين يومياً تحت وطأة المصادرة والتوسع الاستيطاني، وهدم المنازل، وتفكيك النسيج الاجتماعي. ففي القدس المحتلة، صوّتت سلطات التخطيط «الإسرائيلية» على هدم 800 منزل في حي «أم ليسون»، لتحل محلها 450 وحدة استيطانية، في مشهد يتكرر كجزء من خريطة طريق للضم والطرد. إن ما يحدث في القدس والضفة ليس سوى الوجه الآخر للمشروع نفسه: إبادة الشعب واجتثاثه من أرضه باسم «إسرائيل الكبرى».
وفي الداخل «الإسرائيلي»، يكشف التحول الأخلاقي عن عمق الأزمة. فكاتبة «هآرتس» كارولينا لاندسمان، التي كتبت قبل عقد، أن الاحتلال ليس مجرد آلية عسكرية خفية، بل «المشروع الأكبر والأكثر مشاركة في المجتمع الإسرائيلي»، عادت لتلاحظ تحولاً أخطر: غياب الهوية «الإسرائيلية» المدنية لصالح الهوية «الصهيونية-العسكرية» الطاغية. المجتمع الذي ينظم حياته حول التسليح والتفوق لا يمكن أن يسلم من تداعيات العنف الذي يمارسه؛ فتقارير الصحة النفسية تشير إلى أن واحداً من كل أربعة «إسرائيليين» قد لجأ إلى المخدرات لمواجهة الضغط النفسي الناتج عن هذه البيئة المتوترة، وهي ظاهرة لا تخلق تكافؤاً مع معاناة الفلسطينيين، لكنها تكشف أن آلة القتل تلتهم جَلّادها أيضاً.


استعادة الزمن التاريخي


أما أصدقائي في غزة، فيحدّثونني عن يقينهم بأنهم سيعيدون بناء الحجر، لكنهم يعترفون بأن الأصعب هو إعادة بناء الثقة في العمل السياسي الجماعي، وفي أفق يلوح بالخلاص. التعليم المشظّى، والمرض المزمن، والتهجير المتكرر، والجوع المستشري، وفقدان الأصدقاء والجيران، كلها ندوب لا تندمل بسرعة. والأخطر من ذلك، ما يلحق بالأطفال من عنفٍ نفسي، إذ تشير تقديرات «اليونيسيف» إلى أن الغالبية العظمى منهم ستحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي لعقود طويلة. إن إعادة بناء غزة لا تقتضي إقامة الحجارة فحسب، بل استعادة الزمن التاريخي ذاته؛ زمن التعلم، والشفاء، والحداد، وإعادة تشكيل الأدوات السياسية التي تحوّل الأمل الجماعي إلى قوة مؤثرة.
وفي محاولة لقطع الطريق على مستقبل الفلسطينيين، تمضي «إسرائيل» في تدمير ماضيهم. تستهدف المخازن، والمقابر، والصور العائلية، والمتاحف، والمسارح؛ وكأنها تمحو الأسس المادية للذاكرة، وتجعل الإنكار التاريخي حقيقة قائمة. ليس هناك موتى وجرحى فحسب، بل هناك وعي يُقصف بقسوة مماثلة.
فلعل هذا هو جوهر الصمت الدولي المريب. ليس لأن العنف خفّ، بل لأن تداعياته مروعة لدرجة تجعل مواجهتها الصادقة مكلفة للضمير الغربي. إن التسليم بهذه الحقائق يعني الاعتراف بانهيار نظام أخلاقي كامل، وطرح أسئلة محرجة حول صفقات الأسلحة، والرقابة الإعلامية، والتحالفات العسكرية، وتفاوت قيمة الأرواح البشرية في ميزان السياسة الدولية. ولهذا السبب، يُنسى الدمار قبل أن ينتهي العشاء، وتُطوى الأخبار قبل أن تجف دموع المكلومين.


سلاح رفض النسيان


لكنّنا، نحن الكتّاب والفنانين، وإن كنا لا نملك آليات فرق الإنقاذ، نملك سلاحاً آخر هو رفض النسيان. الإصرار على ألّا يُقاس التاريخ بالمعاهدات والحملات العسكرية فحسب، بل بالتهويدات التي انقطعت، والقصائد التي بقيت ناقصة، والأصوات التي تواصل الغناء من بين الأنقاض. هذا هو الموقف الذي تبنّاه «معهد ثلاثية القارات» منذ عشر سنوات: أنّ العنف الممنهج ضد الفلسطينيين، وتواطؤ النسيان العالمي، أمران لا يمكن القبول بهما، وأن الذاكرة هي شرط النضال من أجل عالم أفضل.
في هذا السياق، يأتي الفيديو الموسيقي الجديد لصديقينا روجر ووترز ومنى ميعاري، بعنوان «مخدرون بارتياح – إعادة تخيل»، ليذكّرنا بأن الفن ليس مجرد عزاء، بل مقاومة للاعتياد. الأغنية لا تدّعي وقف القنابل، لكنها تنجز شيئاً لا يقل أهمية: ألا تدع معاناة غزة تصير أمراً عادياً. في قلب العمل، تتربع «تهويدة هند»، التي كتبتها ميعاري تخليداً لهند رجب، الطفلة ذات السنوات الست التي قُتلت وهي تتوسل النجدة. تلك التهويدة تحوّل الألم إلى وعد، وتجعل من ذكرى هند حجر زاوية في صرح الحرية:
أسمع صوت ملاكٍ
يناديني باسمي
أحرار باقين
أحرار.. باقين
لو من الأرض للسما.. طالعين
لا بد أن تتحرّر فلسطين
إننا، إذ نردّد هذه الكلمات، لا نقبل أن تكون إبادة غزة مجرد فقرة في أرشيف الأخبار، بل نؤكد: أن التحرير يبدأ حيث ينتهي النسيان. وكما يقول فيجاي في ختام رسالته، فإن الإمبريالية لا تسعى فقط إلى الطاعة، بل إلى طمس الذاكرة. ومن هنا، تظل مهمتنا واضحة: مواجهة صمت العالم برصاصة الكلمة، ومواجهة النسيان بإصرار الذاكرة، حتى يتحقق ما تؤكده التهويدة: أن فلسطين لا بد أن تتحرّر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289