العمال يعانون بينما تتراكم الثروات

العمال يعانون بينما تتراكم الثروات

«أشياء بغيضة تحدث في هذه الأرض... يتباهى الأغنياء ويتفاخرون، بينما يمشي الفقراء ممزقي الثياب.» بهذه الكلمات التي أنشدها الناشط العمالي جون هاندكوك في ثلاثينيات القرن الماضي، يستهل فريد ماغدوف مقاله التحليلي الذي يرصد التحولات العميقة في المشهد الاقتصادي والاجتماعي الأمريكي بحلول عام 2026. فما يحدث ليس مجرد أزمة عابرة، بل تتويج لمسيرة نصف قرن من الهجمة الممنهجة لرأس المال على مكتسبات الطبقة العاملة.

فريد ماغدوف


المشهد الأمريكي في 2026: عودة «الأشياء البغيضة»


بحلول منتصف عام 2026، لم تعد معاناة العمال مجرد أخبار هامشية؛ فقد باتت تتصدر عناوين الصحف الكبرى مثل نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال وبلومبيرغ. فالواقع يعكس مجتمعاً تتسع فيه الفجوة بين فاحشي الثراء وملايين العمال الذين بالكاد يغطون احتياجاتهم الأساسية. مئات الآلاف بلا مأوى، وملايين يعانون من «انعدام الأمن الغذائي»، ونحو تسعة ملايين عامل يضطرون للعمل بوظائف إضافية لتغطية نفقاتهم.
هذه المعاناة ليست وليدة الصدفة؛ بل هي الوجه الآخر لعملة تراكم الثروات. فمنذ السبعينيات، شرعت النخب الاقتصادية وأصحاب الأعمال في حرب ممنهجة ضد الطبقة العاملة بهدف زيادة أرباحهم وثرواتهم على حساب أجور العمال وخدماتهم.


رأس المال مقابل العمل: تحول في ميزان القوى


شهدت العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية (ما يُعرف «بالعقود الذهبية») ازدهاراً نسبياً للعمال، خاصة المنتظمين في نقابات. كان بمقدور العامل أن يشتري منزلاً، وسيارة، ويتمتع بإجازة سنوية. لكن هذا النمو، الذي تجاوز 4% سنوياً، كان مدفوعاً بعوامل استثنائية؛ إعادة إعمار أوروبا، الطلب المكبوت بعد الحرب، بناء الطرق السريعة، وانتشار السيارات.
مع ضعف هذه المحركات في السبعينيات، بدأت هوامش الربح تتآكل، فسعت الشركات إلى استعادة قوتها عبر استراتيجيتين رئيسيتين؛ محاربة النقابات، ونقل الإنتاج إلى دول ذات أجور منخفضة. وقد نجحت هذه الاستراتيجيات بشكل كبير، لكن على حساب المستوى المعيشي للعمال.
يقدم الكاتب مثالاً من قطاع البناء الذي لم يستطع نقل إنتاجه للخارج. في السبعينيات، كان أجر العامل المنظم في البناء يزيد بنسبة 70% عن متوسط الأجر الأمريكي. لكن بحلول عام 2024، تراجعت هذه الميزة إلى 15% فقط، بينما انخفض أجر العمال غير المنظمين في القطاع إلى 14% أقل من المتوسط.
هذا التراجع يعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى. ففي الثمانينيات، كثفت الشركات، عبر منظمات مثل «بيزنيس راوند تيبل» (Business Roundtable)، ضغوطها لإضعاف قوانين العمل، وبلغت ذروتها بإضراب النجارين عام 1983 في كاليفورنيا الذي فشل في وقف زحف العمالة غير النقابية، مما كان إيذاناً بانهيار النقابات في القطاع.


الشركات العملاقة وأجور الفقر


تكشف دراسة لأكبر عشرين شركة تدفع أدنى الأجور أن متوسط الأجر الحقيقي فيها انخفض بين عامي 2019 و2024، وتشمل هذه الشركات عمالقة مثل فيديكس (FedEx) وكوستكو (Costco) ودولار تري (Dollar Tree). ومن المفارقات أن خمس عشرة من هذه الشركات تدفع أجوراً تقل عن الحد الأدنى المؤهل للحصول على مساعدات حكومية مثل ميديكيد والطوابع الغذائية، مما يعني أن دافعي الضرائب يتحملون فعلياً تكلفة دعم عمال هذه الشركات التي تجني أرباحاً طائلة. ففي عام 2024 وحده، حصل الرؤساء التنفيذيون لهذه الشركات على متوسط 19 مليون دولار، بينما يعيش عمالهم على الإعانات الغذائية.
نتيجة لذلك، تراجعت حصة العمال من الدخل القومي الإجمالي من نحو 58% عام 1980 إلى أقل من 52% عام 2025. لكن الوضع أكثر مأساوية بالنسبة لـ 80% من العمال في القطاع الخاص الذين يصنفون «كعمال إنتاج وإشراف»، إذ انخفضت حصتهم من الثلث إلى الخمس تقريباً.


الفقر المدقع وغياب الأمان المستقبلي


تشير التقديرات إلى أن نحو 36 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر في 2024 (أسرة مكونة من أربعة أفراد دخلها أقل من 32,130 دولاراً سنوياً). أما الذين يعيشون تحت ضعف هذا الخط، فيشكلون معاً نحو 40% من السكان. والأكثر إثارة للقلق، أن 20% من المواطنين فوق الخمسين لا يملكون أي مدّخرات تقاعدية، ومتوسط ما في حسابات التقاعد لجميع البالغين في سن العمل لا يتجاوز 955 دولاراً.
ويتحمل جيل «إكس» والأجيال الأصغر عبء فقدان المعاشات التقاعدية التقليدية، التي كانت توفر شبكة أمان، واستبدالها بحسابات ادخار فردية تتأثر بتقلبات السوق، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف السكن التي تلتهم أكثر من 30% من دخل ثلث الأسر المسنة.


ترامب و«الدوجي»: تفاقم الكارثة


مع وصول دونالد ترامب إلى ولاية ثانية، تفاقمت معاناة العمال بشكل غير مسبوق. فقد تسببت عمليات التسريح الفوضوية التي قادها إيلون ماسك عبر «دوجي» (DOGE) في زعزعة استقرار مئات الآلاف من موظفي الحكومة الفيدرالية، وإلغاء عقود نقابية لنحو مليون موظف متبقٍ. كما عين ترامب شخصيات موالية لرجال الأعمال في مجلس العلاقات العمالية الوطنية ووزارة العمل، وخفف العقوبات على انتهاكات السلامة.

أما قانون التخفيضات الضريبية الضخم لعام 2025، فقد منح الأغنياء تخفيضات هائلة، بينما أوقع تخفيضات قاسية على البرامج الحيوية: تريليون دولار من ميديكيد، و536 ملياراً من ميديكير، و186 ملياراً من برنامج المساعدات الغذائية. وهذا كله يأتي إضافة إلى آثار الحرب التجارية مع إيران وزيادة الرسوم الجمركية، مما رفع أسعار السلع اليومية وأثقل كاهل الطبقات الفقيرة.


زيادة أرباح الأعمال... استراتيجيات متعددة


تستخدم الشركات سبع استراتيجيات رئيسية لرفع أرباحها؛ زيادة المبيعات، إنتاج منتجات جديدة، رفع الأسعار، الاستحواذ على المنافسين، الدخول في أنشطة مالية، التأثير على الحكومة لتخفيف القيود، وأخيراً خفض أجور العمال.
أدت عمليات الاندماج إلى احتكار قطاعات بأكملها، مما مكن الشركات من فرض أسعار أعلى. وفي الوقت نفسه، تضاعف عدد المنتجات الاستهلاكية الجديدة من نحو ألف سنوياً في السبعينيات إلى أكثر من ثلاثين ألفاً في العقد الأول من الألفية الجديدة. لكن العامل الأهم كان الهجمة على النقابات، حيث انهارت كثافة العضوية النقابية من ثلث العمال في الخمسينيات إلى 10% فقط في 2026، ولم تتجاوز 6% في القطاع الخاص.
وحتى حين خُفضت ضرائب الشركات من 35% إلى 21% عام 2017، لم تذهب المدخرات إلى استثمارات جديدة أو رفع الأجور، بل إلى زيادة أرباح المساهمين وإعادة شراء الأسهم، مما زاد من الثروات دون أي تأثير إيجابي على العمال.

 

-----3_result


التفاوت الصارخ...تجاوز «العصر المذهب»


يمتلك أغنى 1% من الأسر الأمريكية ثلث الثروة الوطنية، بينما لا يمتلك النصف الأدنى سوى 2.5% من الثروة. هذا التفاوت يفوق حتى ما شهده «العصر المذهب» في أواخر القرن التاسع عشر. ففي عام 2024، امتلكت 19 أسرة فقط (أي ما نسبته 0.00001% من السكان) ثروة تعادل 1.8% من إجمالي الثروة، بزيادة 50% عن العام السابق.
ويعود جزء كبير من هذا التراكم إلى معدلات الضرائب المنخفضة بشكل استثنائي للأثرياء، الذين يستخدمون استراتيجية «اشترِ، اقترض، مت» لتجنب الضرائب العقارية. فهم يقترضون مقابل أصولهم لتغطية نفقاتهم، وعند وفاتهم تنتقل الثروة إلى الورثة دون ضرائب تذكر. وقد صرح غاري كوهن، المستشار الاقتصادي لترامب، بأنه «لا يدفع ضريبة التركات إلا المغفلون». في عام 2018، دفع أغنى 400 أسرة معدل ضريبة إجمالي (محلي، ولاية، وفيدرالي) بنسبة 23%، أي أقل من المعدل الذي يدفعه نصف السكان ذوو الدخل الأدنى!


المالية... الجشع دون إنتاج


شكل نمو القطاع المالي جزءاً كبيراً من التفاوت الصارخ. فبينما كان الاستثمار يُفهم تقليدياً كوسيلة لتمويل الإنتاج، تحول القطاع المالي إلى آلية لتحقيق أرباح من المال نفسه (M–M′) دون إنتاج أي سلعة. يشير الكاتب إلى أن أقل من 10% من إيرادات بنوك استثمار كبرى مثل غولدمان ساكس جاءت من مساعدة الشركات في جمع رأس المال، وأقل من 2% من أصولها كانت قروضاً للأعمال المنتجة. أما بقية النشاط فتمحور حول إعادة تمويل الديون، إعادة هيكلة الميزانيات، والاندماجات والاستحواذات.
هذا التحول ألحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الحقيقي؛ انخفاض الاستثمار في الأعمال الإنتاجية، فقدان وظائف التصنيع، وتآكل الأجور. والأسوأ أن هذا المنطق المالي تسلل إلى قطاعات حساسة مثل الرعاية الصحية، ودور المسنين، والخدمات الاجتماعية، حيث يتم شراء المؤسسات و«تحسين» أرباحها على حساب جودة الخدمات وحياة المرضى والعمال.


العودة إلى «الوضع الطبيعي» للرأسمالية؟


في منظور تاريخي، فإن المآسي التي يعيشها العمال اليوم ليست استثناءً، بل هي القاعدة في نظام رأسمالي لم يعرف الرفاهية الجماعية إلا في فترات قصيرة واستثنائية. فمنذ أيام أوليفر غولدسميث الذي كتب قبل 250 عاماً عن «القرية المهجورة» حيث «تتراكم الثروات ويتلاشى الرجال»، مروراً بهنري جورج الذي كتب قبل 150 عاماً عن «التقدم والفقر»، وصولاً إلى فرانكلين روزفلت الذي حارب «الملكيين الاقتصاديين» في الثلاثينيات.
كانت عقود ما بعد الحرب «شذوذاً تاريخياً»، لم تتكرر إلا بفضل قوة نقابية استثنائية، وإرث سياسي من «الصفقة الجديدة» فرضته أزمة الكساد الأعظم. أما اليوم، فمع عودة الأمور إلى «طبيعتها» الرأسمالية، يبدو أن الأثرياء استعادوا قوتهم بالكامل، بل وتفوقوا عليها.


مخرج من الأزمة؟


يكمن المخرج في استعادة العمال لقوتهم الجماعية لمواجهة القوة الطاغية لرأس المال. ولكن المطلوب ليس مجرد إصلاحات تجميلية داخل النظام الرأسمالي. فكما قالت الاقتصادية جوان روبنسون قبل تسعين عاماً: «أي حكومة تملك القوة والإرادة لمعالجة العيوب الرئيسية للنظام الرأسمالي، ستملك أيضاً الإرادة والقوة لإلغائه بالكامل».
الهدف النهائي يجب أن يتجاوز حدود النظام الاقتصادي القائم على الربح. فالحياة الكريمة – من غذاء صحي، مسكن، تعليم، رعاية صحية، ترفيه، وهواء وماء نظيفين – ينبغي أن تكون حقاً مكفولاً للجميع. وقرارات الإنتاج والتوزيع يجب أن تُتخذ بناءً على ما يخدم استدامة البشر والعالم الطبيعي، وليس بناءً على من يربح أكثر. هذه هي الرسالة الختامية لمقال ماغدوف، التي تدعو إلى إعادة تخيل العلاقة بين الاقتصاد والإنسانية، بعيداً عن منطق التراكم على حساب الرفاه.


الجذور النظامية للأزمة ومستقبل النضال الطبقي


إن تحليل فريد ماغدوف للواقع الأمريكي في 2026، بقدر ما يرصد تفاصيل هشاشة الأوضاع المعيشية وانهيار الحماية النقابية، فإنه يفضي بنا بالضرورة إلى التساؤل عن الجذور البنيوية لهذا الشرخ الاجتماعي. فتراكم الثروات في أيدي النخبة ليس مجرد خلل عابر في توزيع الدخل، بل هو نتيجة حتمية لمنطق رأسمالي يعيد إنتاج نفسه عبر استنزاف قوة العمل؛ فالعمل الإنساني هو المصدر الوحيد للقيمة، وعندما تضعف قدرة العمال على المساومة الجماعية، يتحول فائض قيمتهم دون عناء إلى أرباح مالية تخصب القلة. وما وثّقه المقال من تحول القطاع المالي من وسيلة لتمويل الإنتاج إلى أداة للمضاربة (M–M′) يكشف عن مرحلة نضجت فيها الرأسمالية المالية كطفيليات تستنزف النسيج الاقتصادي الحقيقي، وتحوّل الشركات المنتجة إلى مجرد أصول قابلة للتفكيك والبيع، كما تفعل صناديق الأسهم الخاصة «التي تشتري وتجرّد وتبيع»، بغض النظر عن تداعيات ذلك على حياة العمال والمجتمعات المحلية.

والأكثر إثارة للانتباه، أن هذه الآلية لا تقتصر على سلب الدخل، بل تمتد لتدمير شروط الإنتاج البيئية والاجتماعية ذاتها. فكما أشار ماغدوف في كتاباته السابقة حول «الرأسمالية والبيئة»، فإن السعي الدؤوب لتحقيق أقصى ربح يدفع بالشركات إلى تجاهل التكاليف الخارجية من تلوث واستنزاف للموارد، مما يلقي بعبء التدهور البيئي بشكل غير متناسب على الطبقات الفقيرة التي لا تملك وسائل الحماية. وهكذا تتشابك أزمة التوزيع مع أزمة المناخ والطاقة، ليشكلا معاً أزمة حضارية شاملة؛ إذ تتحول التنمية إلى تخريب، والنمو الاقتصادي إلى استنزاف لرأس المال الطبيعي والاجتماعي في آن واحد. وهذا يضع النقابات والحركات العمالية أمام تحدٍ غير مسبوق، يتجاوز المطالب التقليدية بالأجور والحماية الوظيفية، ليصل إلى المطالبة بإعادة هيكلة جذرية للعلاقات الاقتصادية، تضع السيطرة الشعبية على وسائل الإنتاج وقرارات الاستثمار في صلب أي مشروع تحرري.

في هذا السياق، يبدو أن العودة إلى «شرط ما بعد الحرب» ليست خياراً قابلاً للتحقق في ظل التحولات الهيكلية للرأسمالية العالمية؛ فالعولمة والرقمنة والذكاء الاصطناعي حوّلت نماذج التشغيل إلى أشكال أكثر مرونة وهشاشة، مما يستدعي تطوير أدوات نضال جديدة تتجاوز المصانع التقليدية إلى منصات العمل الرقمي وقطاعات الرعاية والخدمات. لكن الجوهر يبقى نفسه، لا يمكن مواجهة تركز الثروة دون استعادة «قوة المقاطعة» الجماعية التي تملكها الطبقة العاملة عندما تنظم صفوفها، ليس لتحسين شروط بيع قوة العمل فقط، بل لتحديد كيفية استخدام الفائض الاجتماعي ذاته. وهنا تحضُرنا العبرة التاريخية التي يشير إليها المقال: «فالصفقة الجديدة» في ثلاثينيات القرن الماضي لم تكن هبة من النخبة، بل انتزعت تحت وطأة احتقان اجتماعي هائل وتهديدات ثورية حقيقية. لذا، فإن المخرج من «العادي» الرأسمالي الجديد لا يكمن في إصلاحات تدريجية، بل في بناء كتلة تاريخية قادرة على فرض نموذج بديل، يُخضِع فيه المجال الاقتصادي للقرار الديمقراطي، وتُعاد فيه صياغة مفهوم الثروة نفسه ليكون مَقِيساً بالرفاه الإنساني والبيئي، لا بحجم رصيد الأثرياء في البنوك أو قوتهم السياسية. إنها دعوة إلى استعادة المستقبل من احتكار النخبة، عبر نقابات متجددة، وحركات بيئية طموحة، وأحزاب سياسية لا تخشى نقد جوهر النظام الرأسمالي، بل تسعى بوعي إلى تجاوزه نحو مجتمع العدالة المشتركة والاستدامة الحقيقية.

بتصرف عن مجلة المراجعة الشهرية... المجلد 78، العدد 02 (حزيران 2026)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1284