نكسة... صدمة... يقظة
لا تنتقل المجتمعات فجأة من الاقتناع بسردية ما إلى نقيضها، وينطبق هذا الحال على الأفراد أيضاً، ولا تكفي التحولات الثقافية لتغيير القناعات وللانتقال من الرفض المطلق إلى القبول النسبي، إذ تسبقها تحولات جيوسياسية واقتصادية وفكرية عميقة.
كما لا يمكن لنضالات الشعوب ومقاوماتها أن تعيش في الفراغ، إذ تحتاج إلى سردية ثقافية وأخلاقية واجتماعية تمنحها معناها، وتطورها وهكذا تتغير السردية، وتتغير معها نظرة الناس ليس إلى هذه النضالات فقط، بل إلى مجمل أشكال الصراعات ومضامينها وإلى المستقبل أيضاً. ولهذا لا يمكن النقاش والتحولات في المواقف تجاه قضية شعب ما بمعزل عن التحولات العميقة التي أصابت بنية المنظومة المهيمنة خلال العقود الماضية.
ذكرى النكسة عبر العالم
قبل فترة قامت جماهير عديدة في بلدان مختلفة بإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية والتظاهر ضد الاحتلال وسياساته، واليوم يشارك كثيرون حول العالم في الذكرى 59 لنكسة الخامس من حزيران عام 1967، وضد العدو أيضاً، الكيان الصهيوني وجيش الاحتلال. في سابقة تلو الأخرى تثبت هذه الفعاليات تغيراً وتحولاً في المشهد الفكري والثقافي في العالم أجمع وبالخصوص في المجتمعات الغربية التي تتظاهر اليوم ضد سياسات حكوماتها تجاه قضية تتحول يوماً بعد آخر إلى قضية مركزية ليس في المنطقة وحدها بل في العالم أجمع إلى جانب قضايا أخرى هامة وحيوية.
من تظاهرات الشباب في المغرب الى تجمعات الطلبة في جامعات شيكاغو وكاليفورنيا مروراً باحتجاجات لندن وألمانيا والنمسا وغيرها. ثمة تغيّر أيضاً في أشكال التعبير عن هذا المزاج والتغيرات الحاصلة فيه. فقد صوتت جمعية طلابية في فيينا لصالح مقاطعة أكاديمية للمؤسسات التعليمية «الإسرائيلية» حسب ما نشرته جامعة فيينا من أجل فلسطين، وهذا مثال واحد، كما قام مجموعة من الناشطين بالكشف عن تمثال رمزي لمروان البرغوثي في ساحة البرلمان البريطاني وغيرها الكثير.
«مبتور... لكنه لا يزال صامداً»
ونال «حنظلة» ناجي العلي اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام الغربي بعد أن قامت الفنانة الإيرلندية بيلولوكا بتدشين تمثالاً في جزيرة إينيس أوير قبالة الساحل الغربي لإيرلندا، تكريماً لذكرى الأطفال الذين استشهدوا في قطاع غزة.
وقالت الفنانة إنّ إنجاز العمل كان حلماً راودها طويلاً، وخصوصاً في إيرلندا التي وصفتها بأنها «أرض تقف بثبات إلى جانب النضال الفلسطيني». وأوضحت أنّ عملية تنفيذ التمثال واجهت صعوبات عدة، من العثور على مكان للعمل إلى تحديات الطقس والنحت والحرق، إذ تضرّر أحد قدمي التمثال خلال العملية، لكنه بقي واقفاً.
وثُبّت «حنظلة» على قاعدة مصنوعة من ألواح قديمة
وصخور الجزيرة، ليقف الطفل حافي القدمين ناظراً شرقاً نحو فلسطين، في مشهد قالت الفنانة إنّه يحمل رمزية طفل «مبتور... لكنه لا يزال صامداً». وأهدت بيلولوكا العمل إلى أطفال غزة، مشيرةً إلى حجم الفقد الإنساني منذ بدء الإبادة الإسرائيلية في القطاع في تشرين الأول 2023
في حزيران عام 1967 تعرضت جماهير المنطقة إلى واحدة من أعنف الصدمات في تاريخها الحديث، فالهزيمة حينها لم عسكرية فقط، بل كانت هزيمة للرواية التي بشرت بها الأنظمة العربية طوال سنوات وشعاراتها وكشف الفجوة بين الخطابات والواقع. ولكن القضية الفلسطينية لم تسقط حينها، رغم الصدمة والشعور المرير بالهزيمة، بل جرى إعادة إنتاجها بصورة مختلفة. فقد تراجعت الثقة بالمؤسسات الرسمية، وبدأت المقاومة الفلسطينية تكتسب شرعية شعبية متزايدة. وتحولت من حركة تحرر فلسطينية إلى رمز وطني وإنساني عميق وواسع يعبر عن رفض الهزيمة والبحث عن بدائل للمشاريع المتعثرة كما ولدت عند الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة حافزاً لاستمرار النضال والصمود.
الحلم الكاذب
اليوم تتصاعد العنجهية والصلف الصهيوني بشكل واضح وخطِر ويستهدف جيش الاحتلال أراضي الجوار في لبنان وسورية وتتوغل قواته في مناطق في ريفي القنيطرة ودرعا وتقوم بتحركات عسكرية شملت عمليات تجريف وتوغلات ميدانية وقصفاً مدفعياً ورشقات نارية وتحليقاً جوياً مكثفاً، حسب ما تناقله الإعلام، كما ترافقت هذه التوغلات مع إقامة حواجز مؤقتة وعمليات تفتيش للمنازل والمارة، واعتقال لشبان سوريين. من جهة أخرى أظهر تقرير «إسرائيلي» رسمي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تفاقُم ظاهرة الهجرة من الكيان، وكشف التقرير الذي أُعدّ بناء على طلب رئيس «لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات» في «الكنيست»، غلعاد كاريف، أن عدد المغادرين خلال السنوات الأخيرة يفوق عدد العائدين، وأن نحو نصف الأوّلين ينتمون إلى الفئة الشابة التي تتراوح أعمار من ينتمون إليها بين 20 و44 عاماً. وأكد كاريف للصحيفة: «عندما توليتُ رئاسة اللجنة، طلبتُ معرفة الجهة المسؤولة في الوزارات الحكومية عن معالجة هذه الظاهرة». ووصف كاريف ما يجري في منشور له على منصة «إكس»، بأنه «موجة نزوح عارمة» إلى خارج الكيان، محذراً من أن تفاقم هذه الظاهرة «يشكّل تهديداً استراتيجياً لمستقبل إسرائيل»، ولا سيما في ظلّ غياب أيّ خطة حكومية جدّية لمواجهتها. وربط بين الهجرة وبين «الانقلاب القانوني» وسياسات الحكومة، معتبراً أن التدهور السياسي والاجتماعي والأمني يدفع مزيداً من الإسرائيليين إلى التفكير في مستقبلهم خارج الكيان. ويحاول الكيان تغطية الصدوع الداخلية والحقائق التي تصدر عن المراكز والمؤسسات الرسمية عبر الهروب إلى الأمام واستعراض القوة في المنطقة بينما يعاني في الواقع من حالة هي تاريخياً كائنة منذ نشوئه.
الأرقام تكذب نتنياهو
تثبت الوقائع اليومية عدم قدرة الكذب والتمسك بالأوهام على الصمود، حيث تُناقض معطيات التقرير ادعاءات رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذي قال في كانون الثاني الماضي، خلال نقاش في «الكنيست»، إن غالبية المغادرين هم «أوكرانيون وصلوا حديثاً إلى إسرائيل بسبب الحرب في أوكرانيا». إذ تُظهر الأرقام الجديدة أن «قسماً كبيراً من المغادرين هم إسرائيليون مولودون في الكيان، أو مهاجرون قدامى عاشوا فيه سنوات طويلة». ففي عام 2022، غادر «إسرائيل» 20,124 شخصاً خلال عامين فقط من هجرتهم إليها، في مقابل 39,241 شخصاً من مواليد «إسرائيل» أو من المقيمين فيها منذ خمس سنوات على الأقلّ. وفي سنة 2023، غادر 27,973 مهاجراً «جديداً»، في مقابل 54,791 من الإسرائيليين المولودين في الكيان أو المقيمين فيه منذ مدّة طويلة، وذلك بزيادة بلغت 53 في المئة مقارنة بعام 2021. أما في 2024، فكان 52 في المئة من المغادرين من مواليد «إسرائيل»، في مقابل 48 في المئة من مواليد الخارج.
كذلك، تكشف الأرقام اتساع ظاهرة «هجرة الأدمغة»؛ فمن بين المغادرين في 2022، بلغت نسبة الحاصلين على شهادة البكالوريوس 33.2 في المئة، كما شكّل الحاصلون على الماجستير 23.5 في المئة من المغادرين، أي نحو ضعف نسبتهم في المجتمع، فيما بلغت نسبة حملة الدكتوراه 3.7 في المئة، مقابل 0.8 في المئة فقط في المجتمع.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة على مستقبل الكيان، عند النظر إلى التخصّصات العلمية. فبحسب التقرير، يقيم في الخارج منذ، ثلاث سنوات على الأقل، كثير من الحاصلين على الدكتوراه في الرياضيات وعلوم الحاسوب، والمتخصصين في علم الوراثة، وكبار الفيزيائيين. وعلّق كاريف على ذلك قائلاً إن «علماء ورواد أعمال المستقبل يغادرون إسرائيل بمعدّل أعلى بكثير من
نسبتهم من السكان»، معتبراً أن «رأس المال البشري الإسرائيلي يهدر».
الكيان عبء مزمن
كما عرض موقع «كالكلست» الاقتصادي العبري مزيداً من التوضيح حول ظاهرة الهجرة المتزايدة، إذ تحوّل البقاء، داخل الكيان إلى عبء سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي. ويعزو التقرير تفاقم الظاهرة إلى شعور متراكم بالاختناق وفقدان الانتماء وانهيار الثقة بالدولة والخوف من المستقبل. كما ينقل عن «الإسرائيليين» الذين نشرت أحاديثهم أنهم يعانون اضطرابات مختلفة ومتعدّدة الجوانب، تبدأ من تراجع الشعور بالأمان، مروراً بتدهور الحوافز الاقتصادية، وصولاً إلى الضيق نتيجة التمييز، وخصوصاً في مسألة الخدمة الاحتياطية في جيش الاحتلال.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282