فيلم «فلسطين 36»: مرآة تاريخية تعكس جذور المقاومة والمعاناة المعاصرة

فيلم «فلسطين 36»: مرآة تاريخية تعكس جذور المقاومة والمعاناة المعاصرة

يقدّم فيلم «فلسطين 36»، من إخراج آن ماري جاسر، لوحة سينمائية تاريخية غنية تعيد بناء لحظة مفصلية من تاريخ فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتحديداً في العامين 1936 و1937. لا يقتصر العمل على كونه دراما تاريخية فحسب، بل يمثّل بياناً بصرياً يربط بين ماضي الاستعمار وحاضره، مُظهراً كيف أن جذور المعاناة الفلسطينية المعاصرة تمتد إلى ما قبل النكبة بعقود.

عن مجلة مونثلي ريفيو
فيل باتلاند


افتتاحية داحضة للأساطير الاستعمارية


يبدأ الفيلم بلقطات أرشيفية وبالغة الجمال لفلسطين في ثلاثينيات القرن العشرين؛ أسواق القدس ويافا تعجّ بالحياة، والتجار يتبادلون البضائع، والرعاة يقودون مواشيهم، والعمّال يشتغلون في الموانئ. هذه المشاهد ليست مجرد ديكور تاريخي، بل هي ردّ بصري حاسم على الأسطورة الاستعمارية القائلة إن فلسطين كانت «أرضاً بلا شعب» قبل عام 1948. يُظهر الفيلم مجتمعاً حياً، مترابطاً، ومنتجاً، مما يدحض أي ادعاء بأن الأرض كانت خالية أو متخلفة، ويُعرّي من يروّج لهذه الأكاذيب سواء عن جهل أو عن سوء نية.


شخصيات تعكس تعقيدات المرحلة


تدور أحداث القصة حول مجموعة من الشخصيات المتشابكة التي تجسّد شرائح المجتمع الفلسطيني والسلطة الاستعمارية. نلتقي بيوسف، الشاب القادم من قرية البسام، الذي يمثل الجيل الشاب الذي لم يكن مهتماً بالسياسة في البداية، لكن الظروف ستجذبه حتماً إلى المقاومة. وتبرز خلود، الصحفية المثقفة الحاصلة على تعليم من أكسفورد، التي تضطر للكتابة تحت اسم مستعار ذكوري «أحمد كنعاني» بسبب قيود المجتمع والاحتلال، فتُجسّد نضال المرأة الفلسطينية على جبهتي التحرر الوطني والاجتماعي. أما زوجها أمير، صاحب الصحيفة الثرية، فيمثل النخبة التي تتردّد بين المعارضة والمساومة، مفضّلة الاستقرار على المواجهة.

على الجانب البريطاني، يرسم الفيلم ثلاث شخصيات تعكس أوجه الاستعمار المختلفة: السير آرثر واكهوب، المندوب السامي الأرستقراطي الذي يتعامل مع الفلسطينيين بتعالٍ أبوي، معتقداً أنه يحمل «الحضارة» إلى المنطقة؛ والكابتن أوردي وينغيت، العنصري الصريح الذي لا يرى في الفلسطينيين إلا أعداءً يجب قمعهم بالعنف؛ وتوماس هوبكنز، السكرتير الخاص الليبرالي الذي يفهم الثقافة العربية ويعترض على سياسات القمع، لكنه يبقى عاجزاً عن تغيير جوهر المشروع الاستعماري الذي يخدم مصالح إمبراطورية، لا حقوق شعب.


القمع الاستعماري: استمرارية التاريخ


يُظهر الفيلم بوضوح كيف أن أدوات القمع البريطانية في ثلاثينيات القرن الماضي – من نقاط تفتيش، وعقوبات جماعية، ومصادرة ممتلكات، وهدم منازل، ومنع للصحافة والتجمّع – هي نفسها التي تُمارس اليوم، وإن كان الاحتلال الإسرائيلي قد طوّرها وفاقَم من وحشيتها. يبرز المقال أن المشكلة ليست في «أفراد» سيئين ضمن الإدارة البريطانية، بل في طبيعة المشروع الاستعماري ذاته، الذي لا يمكن أن يتعايش مع تطلعات شعب في الحرية والكرامة. حتى الشخصيات «المعتدلة» مثل هوبكنز تدرك في النهاية عجزها، فتستقيل وتغادر، بينما تبقى خلود والفلسطينيون الآخرون، لأنهم – كما تقول – «ليسوا سيّاحاً» يمكنهم المغادرة حين تشتد الأزمات.


المقاومة... من الهامش إلى القلب


لا يقدّم الفيلم الفلسطينيين كضحايا سلبيين، بل كشعب يقاوم بطرق متنوعة. يبدأ النضال من المطالب الاقتصادية، كما يظهر في إضراب عمّال الموانئ الذين يطالبون بحقوقهم المالية، ثم يتحوّل إلى إضراب عام وطني. ويُبرز المقال أن الفيلم يتناول بذكاء ديناميكيات الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني، فبينما يخسر العمال والمزارعون كل شيء، تحاول بعض النخب التفاوض أو التعاون مع السلطات. كما يسلّط الضوء على دور النساء في المقاومة، من خلال مشاهد مثل تلك التي تخفي فيها النساء السلاح على حافلة بينما ينشغل الجنود البريطانيون بمضايقة الرجال، أو من خلال شخصيات مثل رباب وابنتها عفراء اللتين تجسّدان صمود الأجيال.


التطوّر السياسي للشخصيات...رحلة الوعي


يُتابع الفيلم تحوّل شخصيات مثل يوسف وخالد، العامل في الميناء، من اللا مبالاة السياسية إلى المشاركة الفاعلة في المقاومة. هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة للقمع اليومي، وفقدان الأهل والأرض، وإدراك أنه لا حلّ وسط مع مشروع استعماري يهدف إلى الإقصاء. وفي المقابل، تُظهر القصة كيف تحاول قوى استعمارية وأطراف محلية موالية لها، مثل «الجمعية الإسلامية» التي أنشأتها اللجنة الصهيونية، احتواء هذا الغضب وتوجيهه بعيداً عن المقاومة الحقيقية.


اللحظة التاريخية والاختيار الحتمي


مع إعلان لجنة بيل لتقسيم فلسطين عام 1937، تتبدّد آمال الشخصيات في عدالة بريطانية. تُغلق الصحف، وتُدمّر المطابع، ويُمنع الفلسطينيون من التعبير. عندها، تضطر الشخصيات التي كانت تحاول التوفيق بين طرفي النزاع إلى اتخاذ موقف حاسم؛ إما القبول بالواقع الاستعماري، أو الانضمام إلى المقاومة. يُشير المقال إلى أن الفيلم يضع الاستعمار البريطاني، وليس المستوطنين اليهود في تلك المرحلة، كعدو رئيسي، وهو منظور جذري يذكّر بأن الدعم الغربي للإمبريالية هو العامل الحاسم في استمرار المأساة الفلسطينية.


بيان المخرجة: التاريخ حاضرٌ في الراهن


تؤكد آن ماري جاسر في بيانها كمخرجة أن «فلسطين 36» ليس فيلماً عن الماضي فحسب، بل هو عمل «حاضر، ذو صلة، وحي». هذه الرؤية تتجسّد في الإهداءين الختاميين؛ الأول «لشعبنا في غزة في السنوات التي خذله فيها العالم»، والثاني الطريف «لم يُسكب زيت زيتون أثناء صنع هذا الفيلم»، مما يعكس قدرة المخرجة على الجمع بين الجدية السياسية وحسّ الدعابة. الأصوات الأخيرة التي نسمعها في الفيلم – هتافات «يسقط الاستعمار» و«ثورة» – تربط الماضي بالحاضر، وتذكّر بأن نضال الشعب الفلسطيني مستمر.


خاتمة: فيلم يتجاوز السرد التاريخي


يخلص المقال إلى أن «فلسطين 36» عمل سينمائي متميز لا يكتفي بإعادة بناء حقبة تاريخية، بل يقدّم تحليلاً نقدياً لجذور الصراع، ويُظهر استمرارية آليات القمع والمقاومة. من خلال شخصيات معقدة، وسرد متعدد الزوايا، وجماليات بصرية مؤثرة، ينجح الفيلم في نقل رسالة واضحة: إن فهم الحاضر الفلسطيني يستلزم العودة إلى جذوره الاستعمارية، وأن مقاومة الظلم، مهما طال أمده، تبقى خياراً أخلاقياً ووطنياً حتمياً. بهذا، لا يكون الفيلم مجرد تحفة فنية، بل وثيقة نضالية تُسهم في تعزيز التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية، وتذكّر العالم بأن «الأمر لم يبدأ في 7 أكتوبر»، ولا حتى في عام 1948، بل هو نضال متجذر في تاريخ طويل من الكرامة والمقاومة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276