أزمة شخص أم أزمة نموذج متراجع
إيمان الذياب إيمان الذياب

أزمة شخص أم أزمة نموذج متراجع

ثمة لحظة يصبح فيها فائض القوة مجرد قناع ضروري لإخفاء أزمة أعمق، لحظة يعلو فيها صخب شديد ولكنه يائس، يحاول تأجيل الاعتراف بحقيقة حدوث التغير وحدوده، وعلى إيقاع التغيير في العالم أجمع، لم يعد المركز الذي فرض شروطه طويلاً قادر على احتكار الإيقاع وضبطه.

تعكس شخصية ترامب، الرئيس الأمريكي، المثيرة للجدل بشكل غير مسبوق صورة التحول الذي أصاب الدولة «الأكثر قوة وتأثيراً في العالم» خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في القرن الماضي. وصورتها التي بدت، منذ عقود، أكبر من نزوات رؤسائها، يعكس ترامب، «الحاضر في كل مكان وزمان، وبشكل مباشر وتفصيلي، والذي يشخصن كل سياساته ومعاركه وعلاقاته، والمتقلب المزاج والأرعن، والمفرط في نرجسيته وجشعه والعنصري والكاره لأجناس وقوميات وشعوب وقارات بكاملها والمهووس بالسلطة والعظمة وصولاً إلى التماثل مع الأنبياء والمرسلين، والمتسلّط الذي لا يميّز بين نزواته وحقوق وحقائق التاريخ والجغرافيا. والكاذب والبذيء والبلطجي والمتنمر... إلخ» من الصفات التي يطلقها عليه كثيرون من الأمريكيين أو ممن يتتبعون سلوكياته من العالم، يعكس أزمة حقيقية لا يمكن اعتبارها مجرد أزمة رئيس، بل إنها أزمة نموذج، أزمة دولة بنت جزءاً كبيراً من مشروع هيمنتها على صورة «المؤسسية والانضباط والقدرة على القيادة»، أما اليوم وفي لحظة تاريخية فارقة، فتظهر كدولة، أسيرة رئيس يتعامل مع قضايا مركزية وهامة ومصيرية باستخفاف، ويطلق تغريداته كل صباح، تاركاً حلفاءه وخصومه في حالة من الارتباك، وتتناقض مواقفه الصباحية مع ما يصدر عنه في المساء في كثير من الأحيان مما يؤدي إلى استنتاج أن ما يحدث «للقوة الأعظم في العالم» ليس مجرد شكل من أشكال الارتباك السياسي، بل حالة تصدع في صورة المركز نفسه، يؤكدها بشكل خاص هذا القدر من التناقض اليومي بين الإشارة ونقيضها، وبين التهديد والتراجع عنه.


أصوات التصدع الداخلي


غالباً ما تبدأ التحولات الكبرى بهذا الشكل، عندما تسمع الإمبراطورية، في قلب مركزها، أصوات التصدع الصاعدة من داخلها، وليس حين يطرق الخصوم أبوابها فقط. ولقد قام جزء أساسي من هيبة الولايات المتحدة على أن قراراتها، حتى في أكثر لحظات الحساسية، تبدو صادرة عن جهاز دولة، لا عن نزوة فرد. وكان التعبير عن قوة الولايات المتحدة قائماً على فكرة مؤدّاها أنه قد يأتي رئيس ويرحل آخر، لكن الدولة تبقى أعمق وأهم من ساكن البيت الأبيض، وأرسخ من أهواء اللحظة، وأقدر على تحويل القوة إلى نظام، لا إلى فوضى. لكن ما يحدث اليوم مغاير لما عرفه العالم عن الصورة التي جرى ترسيخها في الأذهان عن أمريكا وعظمتها، فالدولة التي طالما قدمت نفسها بوصفها ذروة المؤسسية والنظام والقانون، باتت تتصرف أحياناً وكأنها تُدار على إيقاع المزاج الشخصي، لا على منطق المؤسسة.

وتراجعت صورة «الدولة التي تعرف ماذا تريد» لحساب صورة أخرى؛ دولة تملك فائض قوة، لكنها تفقد تدريجيًا انضباط هذه القوة ومعناها. رئيس يستيقظ صباحا، يطلق تغريدة فيها إشارة ومعنى محدد تتلقفه الأسواق وصناع السياسات والتحالفات، ثم لا يلبث بعد ساعات أن يرسل إشارة أخرى تناقض الأولى أو تفرغها من معناها، وكأن العالم كله صار رهينة بين انفعال الصباح ونزق المساء. يكشف هذا المشهد بفظاظة نادرة حالة التراجع وفقدان السيطرة، ويتجاوز في حقيقته، السياسة إلى ما يشبه العبث الموصوف في الأدب، في نصوص بيكت وآخرين، ولكنه عبثٌ من نوع آخر يصدر عن مركز الإمبراطورية، لا من أطرافها؛ عبثٌ لا يكتفي بإرباك الداخل الأمريكي، بل يربك الحلفاء والخصوم والأسواق وساحات الحرب في وقت واحد.
وهنا يكمن مأزق الإمبراطورية في مرحلة التراجع. فالإمبراطوريات لا تبدأ الانحدار حين تنكسر عسكريًا أو تُهزم على أيدي خصومها فقط، بل حين تعجز عن التحكم بنفسها وبصورتها التي صنعت به مجدها. حين يصبح استعراض القوة بديلاً من حسن توظيف مواردها، وحين يحلّ الضجيج محلّ الاتساق، وتتآكل المسافة بين الدولة والنخبة وصولاً إلى الفرد، ويصبح القرار الاستراتيجي أقرب إلى انفعال آني أو استجابة مزاجية لفرد بدلاً من أن يكون تعبيراً عن دولة، ويتحول الغرور والغطرسة من علامة هيمنة إلى علامة اختلال.


ثرثرة وتضليل


ورغم أن التضليل كان دائماً ركناً أساسياً في سياسات الولايات المتحدة، ولكن طريقة إدارة ترامب السياسية وخاصة في الحرب مثيرة للجدل، لم تشهدها أمريكا، في عهود الرؤساء السابقين، فمثلاً لم يستخدم ترامب وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسة، ليس لأنه لا يريد ذلك، وإنما لأنه لا يحتمل انتقادات هذا الإعلام الذي درج على تسميته بـ Fake news. ولذا، يلجأ إلى وسائل إعلام محددة والتي تساعده في بثّ دعايته، وتُعفيه من المُساءلة المُحرِجة؛ وهو يحصر تصريحاته خارج المؤتمرات الصحافية التي لا تخلو من صدامات بينه وبين صحافيين يوجّه إليهم كلاماً لاذعاً أمام الملأ، بمنصّات مُنتقاة من قِبله. تتولى وسائل إعلام مُحدّدة نقل تصريحاته، فيما يثير أسئلة ليس حول هذه الانتقائية فقط، وإنما عن سبب التماثل مع الثرثرة التي تميّز أسلوبه في إطلاق المواقف أيضاً.


سياسات الرجل المجنون


وكان ترامب قد صرح قبْل فوزه بالولاية الثانية علناً إنه سيكون غير متوقَّع في سياسته. ولذلك، تطغى على سياسته الخارجية ما يُسمّى عقيدة «عدم القابلية للتوقّع» التي تقتضي توظيف تكتيكات من اللَّا يقين وأحياناً اللَّا عقلانية للتفوّق في مواجهة الحلفاء
والخصوم على السواء. وغالباً ما يهدف هذا التوجه إلى إثارة أعصاب الأعداء، وتجنّب الكشف عن النوايا الحقيقية، فيما بات يوصف في بعض المحافل «بسياسة الرجل المجنون». يمكن لهذه السياسة أن تكون ذات آثار عكسية أيضاً إذ إنها يمكن أن تسمح للخصم بفرض شروطه أيضاً، ولكن ترامب لا يبدو معنيّاً بذلك، وسياسته لها منطلقات ترتبط بمصالحه الخاصة ومصلحة من يمثلهم فعلياً، ممن يملكون الثروات في العالم، والذين يمكن القول إنهم حزبه الحقيقي؛ وهؤلاء مرتبطون بالصهيونية العالمية ومصالح إسرائيل وليس بالمصلحة الأمريكية العامة.


مزاج متقلب واستثناء وحيد


معارك ترامب، ليس كشخص بل كواجهة لسياسة محددة، شملت العالم كله تقريباً، حيث قام بخلطُ أوراق شامل، وأطاح بمؤسسات وتحالفات وعلاقات كانت الولايات المتحدة هي من عمل على إقامتها وترسيخها واستغلالها، ولجأ الى حروب مختلفة...إلخ. وظهر دائماً متقلّب المزاج لا يكاد يستقر على موقف واضح، لكن الاستثناء شبه الوحيد، بالنسبة له، هو ثبات النهج والسياسات والعلاقات مع الكيان الصهيوني والذي تأكد من خلال وقائع وبراهين وسياسات تتكشّف وتمارس كل يوم! يمكن من هذه النتيجة فهم عمق السياسات الأمريكية وما يريده حكامها الفعليون واتجاهاتهم. تتحول أمريكا بهذا المعنى من دولة بمكان وتاريخ وجغرافيا محددة إلى مصالح يمكن لها أن تكون في أي مكان. وتتحول المواجهة مع هذه المصالح ومقاومتها إلى دفاع عن العالم كله والتغيير الذي يجتاحه ككل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275