مقابلة رئيس اتحاد نقابات العمال مع الإخبارية السورية تؤكد الأولويات وتبتعد عن الأساسيات
بمناسبة عيد العمال، أجرت الإخبارية السورية لقاءً مقتضباً مع رئيس اتحاد نقابات العمال السيد فواز الأحمد، تضمَّن العديد من المحاور التي عرَّجت على عدة قضايا. واكتسب اللقاء أهمية بالنسبة لحاملي الهم العمالي والنقابي لمحاولة رصد ومتابعة عقلية وآلية عمل المنظمة وتطور خطابها الملاحَظ منذ فترة قصيرة، خاصة أن بيان الاتحاد العام بمناسبة الأول من أيار لم يكن على مستوى المناسبة ولا على مستوى الأوضاع الكارثية التي تعيشها الطبقة العاملة في جوانب الحياة كافة، لكن اللقاء استدرك بعض ما غاب عن البيان من نقاط ومهام أساسية خاصة بالجوانب المعيشية والوظيفية والتنظيمية. وسنناقش في هذه المادة بعض الأجوبة الواردة في اللقاء التي نراها من مؤشرات تطور الخطاب النقابي التي ترفع مستوى مسؤولية التنظيم النقابي إلى المستوى المطلوب والملائم لدوره وللقضايا الكبرى التي أمامه.
تطرّق الأحمد إلى أن مرحلة التعافي الاقتصادي لم تتمّ بحكم عدة عوامل، أهمها الانعكاسات الاقتصادية الناتجة عن الحرب الدائرة في الخليج العربي والتي بدورها أثرت على العامل السوري، وتضاف إلى التحديات الكبيرة خاصة مع بقايا آثار العقوبات على سورية. وفي قضية الأجور، أوضح الأحمد أن أهم التحديات كانت موضوع الحد الأدنى من الأجور كونه يساهم في الاستقرار الوظيفي، ورغم الزيادتين اللتين أقرتهما الحكومة (الأولى 200% والثانية 50%) فقد بقيتا دون المأمول، وبما لا يتناسب مع المعيشة سواء للعمال في القطاع العام أو الخاص. كما أن عدم تثبيت العقود تسبَّب بغياب الأمان الوظيفي، وبأن هذا الملف ملحّ وعلى اتحاد العمال العمل عليه. وفي إجابته عن السؤال الخاص بالتنظيم النقابي ككيان ودور، أكد رئيس الاتحاد أن التنظيم الجهة الوحيدة المعنية بالدفاع عن حقوق العمال أمام الحكومة وأرباب العمل في كلا القطاعين، وتمثيلهم أمام الجهات العربية والدولية، وهو التنظيم الأضخم في سورية حيث يضم 166 نقابة وله أكثر من 2.5 مليون منتسب، ويمثل بقية العمال غير المنتسبين، وذلك بموجب الاتفاقيات الدولية الموقعة وأهمها الاتفاقية رقم 87 للعام 1948 التي تنص على حرية العمل النقابي. وبأن الإدارة الجديدة أعطت الاتحاد دوراً، وهو ممثَّل في أغلب مجالس الإدارة ويوصل صوت العمال فيها، لكن التحديات صعبة.
الحد الأدنى من الأجور:الهم الأكبر عند النقابات
وفي المحور الخاص بمساهمة الاتحاد في رسم ملامح البرنامج الوطني للأشغال العامة، تحدث الأحمد بأنه وفق الاتفاقيات الدولية المصدَّق عليها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الخارجية، تحدد أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومة وأرباب العمل والعمال) الذين يمثلهم الاتحاد فيها، وهذا ما يجعل الاتحاد حاضراً في كل نشاط أو فعالية تخص شؤون العمل في سورية كممثل عنهم. وفي تلخيصه لواقع العمال في سورية وأولويات الاتحاد، أوضح رئيس الاتحاد بأن القضايا كثيرة جداً، وكرتيب للأولويات يبرز في المقام الأول قضية رفع الحد الأدنى من الأجور الذي ما زال دون المطلوب، ولكن الظروف الاقتصادية في سورية صعبة، وكل مطالبنا تفعيل العمل بالاتفاقية رقم 137. ويأتي الاستقرار الوظيفي وتثبيت العقود ضمن الأولويات، وكذلك ملف المفصولين في زمن النظام البائد الذي ما زال شائكاً ونعمل عليه مع الحكومة، وملف التأمين الصحي الذي يعتبر ضعيفاً جداً، وكذلك دمج الموظفين الموجودين على القانون رقم 50 والقانون رقم 53، ونعمل مع وزارة المالية والتنمية الإدارية على دمج جميع الموظفين بقانون واحد، وننتظر انعقاد مجلس الشعب للمصادقة على قانون الخدمة المدنية الجديد. وهناك أيضاً موضوع السكن العمالي الذي ما زال متوقفاً. وبالنسبة لوضع عمال القطاع الخاص وشمولهم بأي زيادة على الأجور، أوضح الأحمد بأن العادة جرت أن ترتفع الأجور في القطاع الخاص طردياً مع الزيادة التي تطرأ في القطاع العام، وبأن الاتحاد شارك في الورشة التي أقامتها منظمة العمل الدولية، وتم طرح ضرورة تطبيق المادة 137 المعنية بالحد الأدنى للأجور المناسب للمعيشة، والمادة 100 التي تثبت العدالة في الأجور بين الجنسين في الوظيفة الواحدة، لأن الاتحاد يرصد هذا التباين ومظلومية المرأة العاملة في القطاع الخاص بما يخص هذه المسألة. وبأن التحديات الكبرى تبرز قضية عمال القطاع غير المنظم الذين هم خارج المظلة القانونية والتأمينية. وتطرق اللقاء أيضاً لموضوع الصحة والسلامة المهنية، وبأن الاتحاد العام يضعه ضمن مهامه وينشط فيه، وساهم بتحقيق بعض المطالب العمالية في ذلك في القطاع النفطي وغيرها.
الجانب المعيشي مرتبط بجميع الجوانب الأساسية الأخرى
إن ما جاء من قضايا ومطالب ملحّة في اللقاء إيجابي بالمجمل، وهي فعلاً ضمن الأولويات، وخاصة تلك المتعلقة بالأجور والاستقرار والأمان الوظيفي والصحة والسلامة والتأمين الصحي والسكن العمالي وغيرها. ونعلم بأن مدة اللقاء وحفنة الأسئلة ربما لم تتح توسيع دائرة الحوار، وبالتالي تناول محاور أخرى ليست أقل أهمية من التي طرحت، لكنها تعتبر بالنسبة للعمال والنقابات مصيرية الطابع وأساسية، ودونها لا يمكن الحصول على المطالب المذكورة. فالسياسات الاقتصادية التي تمضي بها الحكومة، وعلى رأسها الخصخصة وإنهاء الدعم مع ارتفاع أسعار الخدمات العامة من خبز وكهرباء ومحروقات واتصالات... إلخ، وحرية التدفق البضاعي المستورد، وإعاقة الإنتاج الوطني، وعدم التحكم بالتضخم، وفقدان القيمة الشرائية لليرة السورية، واستمرار هبوط سعر صرفها أمام الدولار، وغيرها من الانعكاسات السلبية للمسار الاقتصادي الحالي، يجعل من كلّ المطالب العمالية التي ذكرها رئيس الاتحاد مرتبطة أشد الارتباط بها. وهذا لا يعني انخفاض أهميتها، ولكن لكل فرع ساق، ولكل ساق جذر. وعليه، فإن النضال الطبقي للمنظمة النقابية لا يجب حصره في شأن دون آخر، خاصة إن كان المتروك أكبر من مجرد قضية معيشية أو خدمية. فالجوانب الاقتصادية المعيشية والسياسية والوطنية مرتبطة مع بعضها بعضاً، تؤثر وتتأثر. فانعدام الأمن والاستقرار الوظيفي ألا يؤدي إلى انعدام الأمن الاجتماعي، وبالتالي يهدد السلم الأهلي ويشكل خطراً على الوحدة الوطنية؟ وكذلك التخلي عن دور الدولة في دعم الطبقات الأكثر ضعفاً وتركها تحت رحمة الاستثمار الريعي ورأس المال، ألا ينهي أي آمال بالحريات السياسية والنقابية ويجعل مفهوم الحرية محصوراً برأس المال؟ وماذا عن الفساد بقديمه وحديثه، وعن تراجع الإنتاج الوطني الذي جعل السوريين مجرد مستهلكين لبضائع الخارج وهم أهل الزراعة والإنتاج؟ وكيف يمكن معالجة قضية الحد الأدنى من الأجور دون معالجة القضايا الأساسية؟ وهل يمكن ربطها بالأسعار والاحتياج المعيشي في ظل هذه السياسات؟
وإنْ غاب بعض ذلك عن بيان الأول من أيار الصادر عن الاتحاد أو اللقاء الإعلامي لرئيس المنظمة، فإنّ ذلك لا يعني غياب هذه القضايا عن عقلية المنظمة ووعيها. ولا بد من إعداد رؤية متكاملة للاتحاد العام تشمل برنامجه ومهامه، لتعرض على العمال عبر لجانهم النقابية وعلى وسائل الإعلام، لتكون وثائق توثِّق المسؤوليات ومرجعاً نضالياً لكل عمال سورية وكادحيها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1276
هاشم اليعقوبي