بين الألم والأمل: قراءة في واقع العمال السوريين بمناسبة عيد العمال
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

بين الألم والأمل: قراءة في واقع العمال السوريين بمناسبة عيد العمال

في كل عام، يأتي عيد العمال حاملاً معه معاني النضال والحقوق والعدالة الاجتماعية، لكنه بالنسبة للعمال السوريين لم يعد مجرد مناسبة احتفالية، بل تحوّل إلى لحظة تأمل عميقة في واقع بالغ القسوة، تختلط فيه معاناة الحياة اليومية بأسئلة الوجود والكرامة. ومن خلال ما ناقشناه سابقاً في مقالات متعددة حول أوضاع العمال، يمكن رسم صورة متكاملة لهذا الواقع، وربطه بدلالات هذه المناسبة التي يفترض أن تكون عيداً، لكنها باتت أقرب إلى وقفة احتجاج صامتة.

لقد بدأنا في مقالاتنا بتوصيف المشهد العام للعمال في سوريا، حيث لم يعد العامل يسأل عن مستوى دخله، بل عن كيفية البقاء على قيد الحياة. فالأجور فقدت قيمتها الفعلية بشكل شبه كامل أمام التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما جعل الفجوة بين الدخل والإنفاق فجوة مستحيلة الردم. وتحدثنا عن «سلة معيشية» تقديرية تتجاوز بأضعاف مضاعفة متوسط الأجور، وهو ما يعني عملياً أن العامل، حتى لو كان يعمل بدوام كامل، عاجز عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ثم انتقلنا إلى تحليل الفئات الأكثر ضعفاً ضمن الطبقة العاملة، فوجدنا أن العمال غير المنظمين، والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، والعمال الموسميين، هم الأكثر تضرراً. هؤلاء لا يتمتعون بأي حماية قانونية حقيقية، ولا يحصلون على تأمينات أو ضمانات، ويعيشون تحت رحمة تقلبات السوق والظروف الأمنية والاقتصادية. وهنا برزت فكرة «الاقتصاد الذي لم تُنشئه الدولة»، وهو اقتصاد رقمي وغير منظم أصبح ملاذاً لآلاف السوريين، لكنه في الوقت ذاته يعمّق الهشاشة ويكرّس غياب الحقوق.
وفي سياق آخر، ناقشنا سياسات الأجور التي تعتمدها السلطات، ولا سيما ما يسمى بـ«الزيادات النوعية»، التي تُمنح لفئات محددة دون غيرها. هذه السياسة، بدلاً من أن تعالج المشكلة، ساهمت في خلق تمايز داخل الطبقة العاملة نفسها، وزادت من شعور الظلم وعدم المساواة. فبدلاً من اعتماد زيادة شاملة تعيد التوازن النسبي للأجور، تم اللجوء إلى حلول جزئية تفتقر إلى العدالة وتثير الاحتقان.

كما تناولنا العلاقة بين الدولة وقوى السوق، حيث أشرنا إلى أن تراجع دور الدولة في ضبط الاقتصاد وتركه لقوى السوق أدى إلى نتائج كارثية على العمال. ففي أوقات الأزمات، لم تعد الدولة قادرة أو راغبة في حماية الفئات الأضعف، بل أصبحت في كثير من الأحيان منحازة لمصالح السوق، سواء عبر رفع الدعم أو خصخصة الخدمات أو تحرير الأسعار. وهذا التحول جعل العامل في مواجهة مباشرة مع قوى اقتصادية تفوقه بكثير من حيث القوة والتأثير.

ولم يكن الحراك الشعبي بعيداً عن هذا الواقع، فقد تطرقنا إلى الاعتصامات التي شهدتها بعض المناطق، حيث رفع المتظاهرون شعارات بسيطة لكنها عميقة الدلالة: «بدنا ناكل، بدنا نعيش». هذه الشعارات تختصر جوهر الأزمة، فهي ليست مطالب رفاهية، بل مطالب بديهية تتعلق بالحق في الحياة الكريمة. وربطنا بين هذه التحركات ومطالب العمال، باعتبارها تعبيراً صادقاً عن الاحتقان الاجتماعي المتراكم.
انطلاقاً من كل ما سبق، يمكن القول إن عيد العمال في السياق السوري لم يعد مناسبة للاحتفال بالإنجازات، بل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: أين يقف العامل اليوم؟ وما الذي تبقى من حقوقه؟ وما هو الدور المطلوب من الدولة والمجتمع لإعادة الاعتبار لهذه الفئة التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد؟

إن المعنى الحقيقي لعيد العمال يكمن في التذكير بأن الحقوق لم تُمنح يوماً طوعاً، بل انتُزعت عبر النضال. لكن في الحالة السورية، يبدو أن هذا النضال بات يواجه تحديات مضاعفة، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية، بل وبسبب غياب الأطر التنظيمية الفاعلة أيضاً، التي يمكن أن تعبر عن العمال وتدافع عن مصالحهم. فالنقابات، التي يفترض أن تكون صوت العمال، تعاني من ضعف شديد، سواء من حيث الاستقلالية أو القدرة على التأثير.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال وجود بذور أمل، ولو كانت صغيرة. فوعي العمال بحقوقهم، وتنامي النقاش العام حول العدالة الاجتماعية، وظهور مبادرات فردية وجماعية لمحاولة تحسين الظروف، كلها مؤشرات على أن هذا الواقع، رغم قسوته، ليس قدراً محتوماً. إنّ إعادة بناء الحركة العمالية، على أسس ديمقراطية ومستقلة، قد تكون الخطوة الأولى نحو استعادة التوازن المفقود.

في الختام، يأتي عيد العمال هذا العام ليذكرنا بأن العامل السوري لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى سياسات حقيقية تعيد له كرامته. يحتاج إلى أجر عادل، وحماية قانونية، وبيئة عمل إنسانية، ودولة تقف إلى جانبه لا ضده. وبين الألم الذي يعيشه اليوم، والأمل الذي يمكن أن يُبنى غداً، تبقى قضية العمال هي الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني يسعى للنهوض من تحت الركام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276