الاقتصاد الرقمي غير المنظم في سوريا بين الضرورة والاعتراف القانوني

الاقتصاد الرقمي غير المنظم في سوريا بين الضرورة والاعتراف القانوني

لم يعد الاقتصاد في سوريا محصوراً في الأطر التقليدية التي تنظمها الدولة، بل نشأ خلال السنوات الأخيرة نمط اقتصادي موازٍ، يمكن وصفه بـ«اقتصاد الضرورة»، وهو اقتصاد غير منظم، رقمي في أدواته، ومرن في بنيته، فرضته التحولات العميقة التي شهدها المجتمع السوري خلال أزمته.

من منظور اقتصادي، يمثل هذا النمط استجابة طبيعية لانكماش القطاع الرسمي وعجزه عن توليد فرص عمل كافية. فعندما تتراجع القدرة الشرائية، وتضعف الاستثمارات، وتنهار منظومات الإنتاج، يتجه الأفراد إلى خلق أسواقهم الخاصة. هذا الاقتصاد يتميز بانخفاض كلفة الدخول إليه، حيث لا يحتاج إلى رأس مال كبير أو بنية تحتية، بل يعتمد على وسائل بسيطة مثل وسائل التواصل الاجتماعي. كما يحقق كفاءة نسبية في تلبية الطلب المحلي، خاصة في السلع والخدمات اليومية. لكنه، في المقابل، يعاني من هشاشة عالية، إذ يفتقر إلى الاستقرار، ويتأثر بسرعة بالتقلبات، ولا يساهم في بناء قاعدة إنتاجية مستدامة أو في رفد الخزينة العامة بالإيرادات.

أما من الناحية القانونية، فإن هذا الاقتصاد يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بشرعية النشاط خارج الإطار التنظيمي. فغياب التسجيل والترخيص يحرم العاملين من الحماية القانونية، كما يضع المستهلك أمام مخاطر تتعلق بالجودة أو الغش أو انعدام الضمان. ومع ذلك، فإن تطبيق القوانين التقليدية بحزم على هذا القطاع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها خنق مصادر الدخل الهشة. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة لاعتماد مقاربة قانونية مرنة تقوم على «التنظيم التدريجي»، عبر تبسيط إجراءات الترخيص، وابتكار صيغ قانونية خفيفة (كالسجل المهني المبسّط أو التراخيص المؤقتة)، بما يسمح بإدماج هذه الأنشطة ضمن الاقتصاد الرسمي دون إقصائها.

ومن زاوية عمالية، يعكس هذا الاقتصاد تحولاً عميقاً في طبيعة العمل، فقد تراجع مفهوم الوظيفة المستقرة لصالح العمل الحر، والعمل الجزئي، والعمل القائم على الطلب. ورغم أن هذا التحول أتاح فرصاً واسعة لفئات كانت مهمشة سابقاً، كالنساء والشباب، إلا أنه في الوقت ذاته ألغى معظم أشكال الحماية الاجتماعية. فلا تأمين صحي، ولا ضمان اجتماعي، ولا حد أدنى للأجور، ما يجعل العامل عرضة للاستغلال وتقلب الدخل. وبالتالي، فإن التحدي العمالي لا يكمن في رفض هذا النمط، بل في تطوير آليات حماية مبتكرة، مثل أنظمة الضمان المرنة أو الصناديق التعاونية.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذا الاقتصاد بوصفه انحرافاً عن القاعدة، بل هو تعبير عن قدرة المجتمع على التكيف في ظل الأزمات. والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في القضاء عليه، بل في فهمه واحتوائه، عبر سياسات ذكية توازن بين التنظيم والحماية، وتحافظ في الوقت ذاته على دوره الحيوي كمصدر رزق لآلاف الأسر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276