في استعادة لـ «التهديد الحضاري ومصير الإنسان» لدى تولياتي (1)

في استعادة لـ «التهديد الحضاري ومصير الإنسان» لدى تولياتي (1)

لن تخرج هذه المادة عن الخط العام للمواد السابقة، والتي تدور حول قضية الأزمة الحضارية للعالم الرأسمالي وما تحمله من تهديد للمنجز الحضاري للبشرية على مر التاريخ. وكون المرحلة تطرح تهديداً شاملاً للمنجز البشري التقدمي، فهي حكماً، ومن موقع نقيضها، تستدعي هذا المنجز للبناء عليه لمواجهة هذه الأزمة الحضارية وتهديدها. وكما استعدنا في المواد السابقة طروحات من ميدان آخر هو علم النفس، هنا استعادة لبعض طروحات بالميرو تولياتي النظرية والعمليّة.

بضع كلمات عن تولياتي

إن بالميرو تولياتي (1893-1964) لم يكن فقط قيادياً بارزاً في الحركة الشيوعية الإيطالية والأمين العام للحزب، بل كان أيضاً مكوناً أصيلاً من هذه الحركة منذ بداية تأسيسها وسلوكها المسار اللينيني. فهو الذي ساهم إلى جانب غرامشي- والذي كان قد تعرف عليه أيام الدراسة الجامعية، ومنذ تواجدهما في الحزب الاشتراكي الإيطالي أواخر العقد الثاني من القرن الماضي، في القيام بالـ«الانقلاب الشيوعي» ضمن الحزب الاشتراكي الإيطالي كمعارضَين لإصلاحيته، وطرحا قضية المجالس العمالية، وأسسا معاً جريدة «النظام الجديد»، ويقول غرامشي عن هذا الانقلاب    خططنا أنا وتولياتي لانقلاب في جهاز تحرير الصحيفة، وطرحت مشكلة اللجان الداخلية في المصانع بصراحة في العدد السابع من «النظام الجديد»《. وحتى بعد اعتقال غرامشي في 1926 بقي العمل المشترك بينهما، وشارك تولياتي في تجربة الحرب الأهلية الإسبانية كممثل عن الأممية الثالثة، وبقي خارج إيطاليا خلال الفترة الموسولينية الفاشية، وعاد إليها بعد تحرير جيوش الحلفاء لها في 1944، وبقي اسم تولياتي مرتبطاً بالحزب الشيوعي الإيطالي حتى وفاته في عام 1964. وفيما يلي من أفكار هي مجموعة من كلمات ومحاضرات ألقاها تولياتي مجمّعة في كتاب «النهج الإيطالي نحو الاشتراكية» الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية والتي نقلها مباشرة من الإيطالية إلى العربية عفيف الرزاز (طبعة أولى 1980).

في سياق الأفكار

نستعيد بعض أفكار تولياتي لعدة أسباب. أولاً، في كونها أساساً مصاغة تحت عنوانين مباشرين، الأول هو «من أجل اتفاق بين الشيوعيين والكاثوليك لإنقاذ الحضارة الإنسانية» وذلك في كلمة ألقيت أمام اللجنة المركزية للحزب يوم 12 نيسان 1956، والثاني هو «مصير الإنسان» وهي محاضرة ألقيت في مدينة بيرغامو يوم 20 آذار 1963 (أي قبل وفاة تولياتي بعام واحد فقط). أما السبب الثاني، فهو تضمنها ليس فقط قضايا نظرية حول طبيعة التهديد الذي يواجه الحضارة الإنسانية بشكل عام، بل في كون تولياتي يسكنه بشكل خاص الهم العملي في الاستجابة لهذا التهديد من موقع بناء الجبهة الواسعة التي تتخطى التقسيمات «الجامدة» للعلاقات بين القوى الاجتماعية دون التخلي عن الموقع المبدأي النظري والسياسي، بل انطلاقاً من الموقع الماركسي بالتحديد. وهذان السببان كافيان اليوم لكي تكون الأفكار المطروحة مادة إضافية لإغناء النقاش من جهة، وهذا هو الأهم، حول تطوير المواجهة الحالية في سياق الأزمة الحضارية. ومن جهة أخرى في الرد على القوى المسماة ثورية لناحية ضيق أفق لسانها «الطبقي»، وفي فراغ برنامجها من المهام الجديدة في نوعيتها. هذا اللسان الذي تستخدمه تلك القوى عادة للانعزال عن المهام الحقيقية الجبارة المطروحة على جدول أعمال التاريخ، وتستخدمه كذلك لاتهام غيرها بالتخلي عن اللغة «الكلاسيكية» حسب زعمها. وهكذا تكون هذه الأفكار مادة من موقع الحركة الشيوعية «الكلاسيكية» نفسها التي «يتمسك» بها هؤلاء، على لسان واحد من أهم رموزها، في مواجهة الفاشية والنازية، بالميرو تولياتي.

القضية الحضارية وقتها واليوم

ليس جديداً الكلام عن التهديد الذي تحمله الرأسمالية للبشرية بشكل عام، ولكن وصلنا اليوم إلى هذا التهديد بشكل عملي ليس فقط من خلال التهديد النووي الذي اعتبره تولياتي في مركز التهديد الوجودي للحضارة الإنسانية طالما هناك اندفاعة للجنون الإمبريالي الأمريكي بالتحديد، بل أيضاً من خلال تهديد مضاعف، واحد على مستوى الطبيعة والكارثة البيئية على مستوى الكوكب، والمستوى الثاني هو الكارثة العقلية-الاجتماعية التي لا تقل أهمية عن غيرها في التهديد الحضاري المذكور. ووصول التهديد الحضاري إلى مستويات حادة يجعل استعادة الكلمات-الأفكار المفتاحية، التي هي دليل على البصيرة المبكرة لبعض الثوريين، يجعل استعادتها من ضمن المهام والمواجهة الفكرية- السياسية كونها تصب في صالح رؤية للأزمة أعمق وأشمل مما لا يزال البعض يراه.

تطور القوى المنتجة علمياً وبشرياً تفرضان اتجاه الإدارة الجماعية

سنعتمد في الإشارة لأفكار تويالياتي الاقتباس المباشر من نص المادتين المذكورتين أعلاه، كتقرير يتحرك بكل رشاقة بين الدولي والداخلي، وبين التاريخي والنظري والمهام المباشرة. «من الواضح للجميع أن الأحداث الأهم اليوم هي تلك المتعلقة بالأوضاع الدولية...على أن هناك في الأوضاع الدولية عملية تجري في اتجاهين نقيضين. فمن جهة تم اتخاذ خطوات، وخطوات هامة، باتجاه الاسترخاء في العلاقات الدولية.. من أجل السلام )والتي يعتبر تولياتي أن الصين وروسيا الحامل الأساس لهذا الاتجاه التوازني(. ولكننا نجد أنفسنا من جهة أخرى- وهذا عنصر تناقض- في مواجهة تصعيد للمواقف العدوانية للإمبريالية الأمريكية» والتي وبسبب التهديد النووي «تضع الإنسانية أمام احتمال وقوع كارثة. وهي ليست كارثة كالكوارث التي كان يجري الحديث عنها حتى اليوم. أو تلك التي كان يمكن الكلام عنها عشية الحرب العالمية الأولى أو الثانية. بل كارثة شاملة... ومن السذاجة الاعتقاد بأن السير في هذا الطريق يكمن أن يوصل إلى الهدف الذي يريد الوصول إليه الإمبرياليون الأمريكيون، أي تغيير الوضع الدولي لصالهم وتحضير الشروط التي يمكن لهم من خلالها السيطرة على العالم كله بشكل أسهل... إن نتائج استخدام هذه الأنواع الحديثة جداً من وسائل الدمار الجماعي، في أية جهة من العالم، ستترجم إلى دمار شامل لأي مظهر حياتي..في حال الاستمرار في هذا الطريق وفي حال وصول النزاع الذي يتطلع إليه قادة السياسة الإمبريالية الأمريكية، أن يروا أمامهم احتمال كرة أرضية ذات مناطق معدمة دمرت فيها كل مظاهر الحياة، وغير صالحة للعيش فيها لعشرات وعشرات السنوات... تلك المناطق ذات الحضارة الأكثر تقدماً... والأجزاء الأكثر كثافة سكانية.. هكذا، وبكلمة واحدة، إن الأمر يمس مقارّ الحضارة الراهنة... توقعات تطال نهاية الحضارة الراهنة وبداية مرحلة جديدة لا نعرف حتى كيف يمكن تصنيفها ومن أين يمكن أن تبدأ... وهذا يعني الاختفاء الكامل أو شبه الكامل لحصيلة العمل والتطور المادي والروحي المنجزة خلال عشرات القرون، والتي أدت إلى إيجاد ذلك العالم الذي نعيش فيه كلّنا اليوم».

وفي مكان آخر (من مادته الثانية المذكورة أعلاه تحت عنوان «مصير الإنسان») يتطرق تولياتي إلى جانب صار اليوم أكثر تلبوراً من الأزمة الحضارية هو الجانب التقني والنفسي العقلي الاجتماعي، وهذا التطرق الذي استجد في طرح تولياتي يعود سببه إلى أن المدة الزمنية بين التقريرين هي حوالي 7 سنوات (منذ منتصف الخمسينيات وبداية الستينييات). هذه المدة التي بدأت تتطور فيها في الغرب ودول «الرفاه الاجتماعي» بشكل خاص الأزمة الروحية بشكل جماعي (وما روايات الماركسي ألبرتو مورافيا وقتها إلا الجانب الأدبي من تحليل هذه الأزمة) على قاعدة جدول الأعمال الليبرالي. وفي هذا الخصوص يقول تولياتي إن «مفهوم الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية أصبح يزدحم بمضمون جديد يشكل إدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ولكن هناك تأخّر كبير، فالبنى تطورت بأسرع من تطور عقول الناس. وهكذا خضع الجزء الأكبر من الحياة الاقتصادية لإدارة تلك المجموعات القليلة المميزة التي تديرها بما يتلاءم مع مصلحتها المطلقة وليس بما يتلاءم مع مصلحة الجماعة...مثلاً، إن هذا التقدم ]في قوى الإنتاج الصناعي[ ترافق باختلالات كبيرة وانقسامات حقيقية في ميادين أخرى، وبتركيز التناقضات بين الفئات الاجتماعية وبين طرف وآخر من أطراف البلاد... وبالتنقلات الفوضوية والكثيفة للسكان من مكان إلى آخر... كم أن التحولات الاقتصادية، من جهة أخرى، تتجه إلى أن تصبح أكثر سرعة بمرور الزمن وكذلك تصبح أكثر بروزاً السمة الاجتماعية لكل العملية الإنتاجية. فالضغط الديموغرافي الآخذ في الازدياد في كل أنحاء العالم، ونمو القوى المنتجة، والتقدم السريع والمدهش للتقنية، كلها عناصر تصب في هذه الاتجاه. وبالتالي فإن التدخل المنظم والواعي يفرض نفسه بصيغ أكثر إلحاحاً يوماً بعد يوم للسيطرة على هذه العملية وإدارتها لكي تتم بما فيه مصالح الجماعة».

وإضافة إلى عوارض الأزمة كاضطراب العائلة والأسواق وضمنا سوق العمل والبطالة يتلمس تولياتي تضخم الاتجاه السلعي في الحياة والتغريب الشامل فيقول إن «الحياة الاجتماعية منظمة بحيث يجب على الجميع التسابق إلى اقتناء هذه السلع. وانسجام التقنية يخلق انسجاماً مصطنعاً في حياة الناس، وهذا الانسجام يحتل تدريجياً حتى وعيهم وإدراكهم، ويسممهم، ويجعلهم غرباء عن أنفسهم، ويحدّ من مبادرتهم ويقمعها، كما يحد من حريتهم في الاختيار والتطور... ونحن نقول إن شخصية الإنسان هي التي تُبتر وتصبح معرضة للضياع... ونحن ندعو إلى مجتمع يدعو الجميع إلى العمل معاً والتعاون لضمان حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. ويدعو الجميع إلى المساهمة بعملهم لتقرير مصير الإنسانية جمعاء».

ويكمل تولياتي ليقول «اليوم تبرز بتردد متزايد يوماً بعد يوم، في الأدب وفي الأشكال الفنية الأخرى، إدانة الوحدة التي يعيشها الإنسان المعاصر، الذي حتى عندما يمتلك كل خيرات الأرض لم يعد ينجح في الاتصال بالناس الآخرين، إنه يشعر وكأنه في سجن مغلق لا يستيطع الخروج منه. هذا هو مصير الإنسان، كما أراه، في مجتمع يستبعده عن المشاركة في بناء اجتماعي يكون عاماً للجميع. والديمقراطيات البورجوازية لا تحل هذه المشكلة. فقط في المجتمع الاشتراكي لا يعود الإنسان وحيداً، وفيه تصبح الإنسانية وحدة حية حقاً من خلال تعدد نواحي تطور شخصية كافة الأفراد واستمرار مشاركتهم العضوية في الإبداع العام».

تعليقات عامة

وإذا ما قلنا إن التهديد الحضاري النووي (ومؤشره النقاش الدائر في سياق الأزمة الأوكرانية)، مضافاً إليه التهديد الطبيعي- البيئي الذي وصل اليوم إلى مستويات حادة، يتلاقى اليوم مع التهديد العقلي- النفسي- الاجتماعي الذي نحاول التشديد عليها في المواد السابقة كلها وهو ما حاول تولياتي الإضاءة عليه برنامجياً ليس كرد ثقافي بحت بل كرد عملي في تحويل نمط الحياة (وهو الذي أعاد الإشارة إليه أوليغ شينين في بداية التسعينات). وبالتالي نخلص إلى أن مسار التحليل التولياتي لا يخرج عن «الرؤية الحضارية» للأزمة والرد عليها. وفي المادة القادمة سنعالج طرح تولياتي للمهام العملية، مع الأخذ بظروف المرحلة الراهنة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1121
آخر تعديل على الثلاثاء, 09 أيار 2023 11:39