النهضة التربوية الأخلاقية ضد «الدعشنة»: لبوس جديد للفكر الاستعماري

النهضة التربوية الأخلاقية ضد «الدعشنة»: لبوس جديد للفكر الاستعماري

ليس جديداً أن تتم معالجة الظواهر التي نعيشها من قبل البعض على أساس فكري يقوم بتجريد الظاهرة من واقعها المعقّد، ويُحيلها إمّا إلى أسباب متأصلة في وعي الشعوب التي تقوم بينها تلك الظاهرة، وإما إلى البنية الثابتة لتلك الشعوب، حيث يتم النظر فيها خارج تاريخها المادّي الاقتصادي- الاجتماعي. ومن بين الظواهر هي ظاهرة «الدعشنة» او السلوك الفاشي الذي انتشر في المنطقة مؤخراً، والتي يعتبرها البعض ظاهرة متأصلة في وعي وثقافة ودين (الإسلامي تحديداً) وتاريخ منطقتنا. وفي هذه المادة سنقوم بسرد بعض المقارنات التاريخية التي تظهر ضحالة هكذا مواقف غير علمية تلقى رواجاً اليوم، بدعم من تيار فكري غربي مركزي استعماري النزعة في جوهره.

الطاعة والسلطة

في العالم 2015 صدر فيلم «المُجّرّب» (Experimenter)، من إخراج مايكل ألميريدا. الفيلم يحكي قصة الباحث في علم النفس الاجتماعي ستانلي ميليغرام (الذي يقوم بدوره في الفيلم الممثل بيتر سارسغادر). ميليغرام (1933-1984)، الباحث في جامعة ييل، ومن ثم هارفرد، ومن ثم جامعة نييويروك، الذي قام في منذ بداية الستينات بتجارب على مواطنين لقياس مدى استعداد الخاضعين للتجربة للامتثال للأوامر. محاكياً بذلك التجارب النازية التي ظهرت سابقاً في تلك الفترة. التجربة تفترض على توجيه الشخص المتطوع للتجربة بتوجيه صعقات كهربائية متدرجة القوة إلى شخص موجود في غرفة أخرى لا يستطيع المتطوع رؤيته، في حال كانت إجابة الشخص الآخر خاطئة. وتصل تلك الصعقات (كما تظهر للمتطوع) حداً خطيراً على حياة الشخص الذي من المفترض أنه يجيب عن الأسئلة. طبعاً في الحقيقة لم تكن تلك الصعقات حقيقية، بل ما يصدره الشخص الذي يتلقى الصعقات الوهمية من أصوات هي تمثيل بالاشتراك مع معدّي التجربة. النتائج كانت صادمة، فغالبية المشاركين وبالرغم من إظهار بعضهم بعض التمنع والتردد، قد قاموا بتوجيه الصعقات بناء على أمر من معد التجربة، على الرغم من قدرة المتطوعين على الانسحاب. تركت تجارب ميلغرام أصداء متباينة في عالم الأكاديميا والمجتمع بشكل عام. وصدرت له عدة كتب في العالم. على الرغم من تفسيرات ميلغرام التي تظهر وحيدة الجانب، ولكنها تظهر كما عبر ميلغرام نفسه عن خاصية الظرف الذي يجد الإنسان نفسه فيه، فيقوم بالاستجابة على ذلك الأساس، على الرغم من تعارض قناعاته أو اتجاهه الأخلاقي. ويعلّق ميلغرام مكثفاُ تجاربه: «إن علم الاجتماع لهذا القرن يكشف عن درس أساس: غالباً ليست ماهية الشخص هي ما تحدد تصرفه، بل ما يحدد ذلك هو الظرف الذي يجد الإنسان نفسه فيه».
المثال أعلاه، الذي ينتمي إلى عالم الحياة الغربي، ويعتبر إلى حد اليوم من الشخصيات التي تركت أثراً في المجال، أظهر ميلاً للعنف والعدوانية حدّ القتل، عند شعوب لا تنتمي حسب الاعتقاد الدارج عندنا اليوم إلى ثقافة إسلامية متطرفة، ولا هي تعيش في منطقتنا. فما هو الأساس المادي لهذا الميل.

مجازر عبر التاريخ

شهد العالم عبر التاريخ مجازر لا حّد لها، في «الحروب الأوروبية المسيحية» حيث ذبح الناس في الشوارع، وسابقاً ظاهرة الصلب التي قام بها الرومان (قبل الرواية المسيحية التاريخية)، ثم ظاهرة الإبادة بحق الشعوب الأصلية للقارات التي استعمرت لاحقا في أستراليا والأمريكيتين، إلى الحروب اللاحقة العالمية الأولى والثانية، حيث تمت إبادة ملايين ومدن بكاملها خلال أيام معدودة (كما حصل في الصين على يد اليابانيين) أو الاتحاد السوفييتي وأوروبا على يد النازية، أو الجزائر وسورية على يد فرنسا (مع أنهم أحفاد ثقافة الثورة الفرنسية: الحرية والمساواة والإخاء!؟ حسب نظرية الأصالة الثقافية للسلوك الداعشي).. لذلك إن ظاهرة المذابح عبر التاريخ ليست حكراً على مجتمع دون آخر، وعلى مرحلة تاريخية دون أخرى. ولكن الفرق هو ما بين قضية الفاشية وقضية المجازر خلال الحروب نفسها. فالفاشية كظاهرة مرتبطة برأس المال العالمي الأكثر رجعية، لها توظيفات محددة، ولا تتحرك إلا ضمن آليات وقوة وهدف رأس المال ذلك.

في الظاهرة الأخيرة

إن الظاهرة الأخيرة لانتشار داعش في المنطقة ليست نابعة من ثقافة المنطقة «المتأصلة» ولا حتى نتاج خاص بأنظمة المنطقة دون غيرها، فلا اختلاف من حيث الجوهر بين هذه الأنظمة وبقية الأنظمة من حيث الممارسة القمعية وغياب العدالة والديمقراطية. هي ظاهرة تم تخليقها في إطار ممارسة رأس المال العالمي، كتعبير عن أزمته العميقة في هذه المرحلة التاريخية، التي تجاوز فيها تخليق ظاهرة النازية في الحرب العالمية الثانية. فاتخذت الظاهرة (الداعشية) أبعاداً عالمية، تم توسيع رقعة فعلها في المنطقة الأكثر اشتعالاً، والتي تشكّل بالنسبة للإمبريالية هدفاً للتفجير، عندما صار فقدان السيطرة ممكناً في شكله السابق. وتخليقها كان عبر التمويل والنقل والتنظيم والدعم التكنولوجي والعسكري والإداري والإعلامي والسياسي والدعائي... ولأن الأزمة عالمية ومتشابكة، شهد التوسع الداعشي حدود منطقة الشرق من الصين وروسيا حتى المتوسط، فطالت أوروبا وإفريقيا، وكانت في كل مكان تأخذ طابعا خاصاً نسبياً، ربطاً بظرف المجتمع الذي تم دعم تخليقها فيه. فالفاشية في الولايات المتحدة ليست إسلامية الطابع في السلوك الترامبي الداخلي، بل تقوم على الشروط الثقافية الاثنية والعرقية والاجتماعية للولايات المتحدة نفسها (وإن كانت حادثة تفجير برجي التجارة أخذت طابعاً بن لادنياً شكلاً). ولكن عودة إلى ميليغرام، إن الظرف الذي قَدرت فيه تلك الظاهرة على الفعل هو ظرف تاريخي اقتصادي- اجتماعي راهن، يتمثل في درجة حرمان مادي وروحيّ عالية لحاجات الشعوب. وهنا يمكن العودة إلى تحليل ظاهرة الفاشية في الحرب العالمية الأولى، من خلال نوعين من الكتابات: علمية نفسية مباشرة للباحث النمساوي «الماركسي» (المتخبط في اتجاهه السياسي كونه كان على خلاف مع الاتحاد السوفييتي باعتباره دولة إرهاب أحمر) الذي ترك أثراً كبيراً في علم النفس هو ويلهالم رايخ، في كتابه سيكولوجيا الجماهير الفاشية. والثاني: هو القائد الشيوعي الإيطالي بالميرو تولياتي، في محاضراته حول الفاشية. وكلاهما عبر تحليل اقتصادي اجتماعي نفسي أظهرا تعقيد الظاهرة (وأغلبنا شهد تحوّلاً لأشخاص «متنورين ومتعلمين ليبرالياً» أطباء وحتى فنانين ورسامين ومهندسين قد شاركوا في الحملة الداعشية ذبحاً وتقتيلاً ما أذهل معارفهم وأصدقائهم، وبعضهم عاد من موقعه الداعشي ندماً أيضاً)، وكيف أن الفاشية بالبداية ضمّت جماهيراً كان يجب أن تكون موضوعياً خزان الخط التغييري الثوري. فهذه الجماهير وجدت في الدعاية والخطاب والتنظيم الفاشي جاذباً تاريخياً لها، ربطاً بالحاجات الآنية المادية والمعنوية. ويشير تولياتي، كما رايخ أيضاً، كيف أن المنظمات الفاشية في إيطاليا نظمت في بداية صعودها الرحلات ومباريات الألعاب والسهرات واللقاءات الشبابية بغاية جذب الأفراد. وزياد الرحباني نفسه في العديد من مقابلاته يكرر كيف أنه في مراهقته انجذب إلى فاشية حزب الكتائب اللبنانية من خلال الزي والقبعة العسكرية! هذا هو زياد الذي صار لاحقاً من أبرز الكتاب المسرحيين والفنانين الموسييقيين على الرغم من أنه كان يمكن أن يكون فاشياً في ظروف غير تلك التي كان فيها (ربما للعائلة مثلا دور خاص كما يشير زياد). فها هو زياد لا يُظهر تأصلاً فاشياً مطلقاً بسبب ثقافته الإسلامية مثلا (وزياد يعتبر مسيحيّ الخلفية) بل إن الظاهرة المركبة والمعقدة هي اقتصادية سياسية تاريخية بامتياز تتخذ من الخاص في كل مجتمع وبعض رموزه - وليس كل رموزه- لبوساً خارجيا لهاً. فالعرق الألماني الآري الصافي كان لبوس النازية، والصفاء الأوروبي لبوس ممارسة التيار الفاشي في أوروبا، والعنصر الأبيض الأمريكي لبوس هذا التيار في أمريكا. ولبس في منطقتنا شكلاً مستوحى من خصوصية هذه المنطقة الإسلامية بغالبها.
ولكن حتى القول بأن كل تاريخنا كان داعشياً، فهو لظلم وتجنٍّ. فالرموز التي يقال إنها اغتيلت وذبحت عبر تاريخنا انتمت إلى هذه الثقافة وهذه البنية نفسها. فكل بنية فيها من التناقض بين اتجاهاتها. وربما من يريد أن يعمم فكرة داعشيتنا المتأصلة، فهو يعيد إنتاج الفكر الاستشراقي الاستعماري الغربي بلبوس جديد، فالحل حسب هؤلاء ليس تغييراً في القاعدة الاقتصادية السياسية للأنظمة (والنظام العالمي ككل) بل في عملية تروبوية مخففّة (Light) سريعة الهضم على وقع تسارع الأزمة وضيق وقت الجميع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1031
آخر تعديل على الإثنين, 16 آب/أغسطس 2021 23:11