«سوق» أم «صحيفة»؟!

«سوق» أم «صحيفة»؟!

حملت الصحافة الرقمية منذ انطلاقها، أولى المؤشرات المخيفة لعمالقة الصحافة الورقية التقليدية، كان لمظهرها العصري ولسهولة استخدامها الأثر الأكبر في تخفيض أعداد المشتركين والمتابعين لكبرى الصحف والدوريات التقليدية، فمن يستطيع إلقاء اللوم عمن يستغني عن شراء جريدة الصباح مقابل متابعة أخبارها جميعها على صفحة إلكرتونية واحدة..


بدأت «ورطة» الصحف العالمية الكبرى تزداد تعقيداً، وأخذت الكثير منها تعلن من دون خجل عن ضائقة مالية لم يعد بالإمكان تحملها، رأى الكثيرون أن عليها البحث عن حلول أكثر فعالية في مواجهة تلك التحديات المستجدة جميعها، حتى ولو على حساب أثمن ما تقدم: أخبارها!
هناك على الدوام أنواع متعددة من الأخبار التي يراها المتابع على صفحات صحيفته المفضلة، قسم واضح للأخبار المستعجلة نراه جميعاً بالخط العريض في صدر الصفحة الأولى، تتبعها سلسة من التحقيقات الساخنة في الصفحات الداخلية، ربما نجد قسماً للأخبار الفنية «الخفيفة» أو مكاناً للتسلية وتمضية الوقت. لكن جميع الصحف احتوت من بعيد على قسم مخصص واضح للإعلانات، وهو القسم الذي تعتمد عليه لتغطية تكاليفها عوضاً عن الاعتماد على أموال المشتركين المتضائلة يومياً.


«الإعلانات المضمنة»

النموذج التقليدي هذا لم يعد كافياً للبقاء، تلاشى مفهوم «الخبر الحصري» أمام تطبيقات الهواتف الذكية التي تُعلمك بكل جديد فور حدوثه، وأصبحت «المواقع الإخبارية» أكثر من أن تحصى، وجد القيمون على الصحافة الورقية بالذات، أن هذا الواقع يحتاج إلى تغيير عميق، كان لا بد من زيادة نسبة الإعلانات دون إغراق المتابعين بالمزيد من الصفحات الفارغة، لا بد من تحقيق المزيد من الأرباح، لكن بشكل أكثر سلاسة وعصرية، عندها بدأت العديد من كبريات الصحف العالمية بتأسيس «واجهات رقمية»  لها على الأنترنت، وأخذت المواقع الإلكترونية الخاصة بتلك الصحف تجتذب وكالات الإعلان لاستخدام بعض زوايا صفحاتها، لم يحقق الأمر الغاية المرجوة له في البداية، إنها الإعلانات الورقية القديمة ذاتها على إحدى جوانب الصفحة، ولن تغري المشاهد للنقر عليها بالشكل المطلوب، إلى أن شهدت الصحف العالمية نموذجاً إعلانياً جديداً وجد الحل الأمثل لتلك المعضلة الأزلية: «الإعلانات المضمنة».


«هذا المقال برعاية»..

وجدت «الإعلانات المضمنة» طريقها إلى شاشاتنا قبل أن تأخذ اسمها الغريب هذا، وحرص الكثير من المستفيدين من عوائدها إلى إبقائها حبيسة المصطلحات العمومية الغامضة للمحافظة على قدرتها على التأثير، إنها ببساطة تحالف جديد بين الصحف، ووكالات الإعلان، عنوانه العريض: «سنقوم بتمويه إعلاناتكم كي تبدو وكأنها أخباراً حقيقية»، أي أن الحاجز العتيق بين الخبر والإعلان أصبح عرضة للزوال، ليتم استغلال توق الناس لقراءة الأخبار ومعرفة ما يحصل من حولهم، في تمرير ما يلزم من الرسائل الإعلانية المبطنة، حتى وإن تعارضت تلك الرسائل مع الطبيعة الواقعية للمادة الصحفية، وهو ما نتعرض له يومياً في الكثير من المواقع الصحفية الأمريكية والأوروبية على وجه الخصوص، ومن دون أن نشعر بذلك، فعلى سبيل المثال: يمكنكم اليوم متابعة العديد من المقالات الصحفية على مواقع تلك الصحف على شبكة الأنترنت، وهي تتحدث عن الأمور العشرة التي يتوجب القيام بها قبل البدء برحلة صيفية إلى شاطئ البحر، لا يعير المتابعون انتباها إلى سطر كتب بخط صغير للغاية تحت عنوان المقال، إنها جملة صغيرة تختصر الكثير: «هذا المقال برعاية» إحدى شركات التجميل التي تبيع مستحضراً واقياً من أشعة الشمس، كما إنك ستجد بأن استخدام مستحضرات الوقاية من أشعة الشمس يحتل المرتبة الأولى ضمن القائمة التي يتحدث عنها المقال! لا يستطيع أحد أن يجادل حتى في صحة ما يتم طرحه هنا، فاستخدام تلك المستحضرات ضروري أساساً، لكن الصحيفة لم تنشر تلك النصيحة لأنها تحرص على بشرة متابعيها فعلاً، إنها ببساطة شكل جديد للإعلان التقليدي الذي لم يكن أحد يريد متابعته.


«تلفيقات» فاقعة

يحاول البعض التخفيف من وقع تلك السياسة الجديدة على جمهور المتابعين،  يصرون أن لا ضرر هنا، إن تم تقديم العديد من الرسائل الإيجابية والمفيدة بالتعاون مع شركة ما، على أن يكسب الجميع القليل من الأموال دون أن يتأذى أحد، يبدو ذلك صحيحاً في بعض الأوقات، لكن العائدات الخيالية التي تحصل عليها تلك الصحف يومياً بالاستفادة من «الإعلانات المضمنة» أصبحت أكبر من أن يتم إهمالها، وخاصة حين تعلن بعض المواقع الاخبارية مثل««Buzzfeed، الموقع الأمريكي الشهير للأخبار المنوعة، بأنه سيبني سياسة النشر في السنوات القادمة لتعتمد كلياً على «الإعلانات المبطنة»، كما أعلنت مجلة «التايم» الأمريكية الشهيرة عن توظيف فريق كامل من الصحفيين والمعلنين للبدء بتضمين تلك الإعلانات على صفحاتها بأسرع ما يمكن، سارعت إدارة المجلة على الفور للتوضيح: «سيبقى الفارق بين الأخبار الحقيقة والأخبار الإعلانية واضحاً للقراء»، مع ذلك  نعلم جميعنا بأن ذلك غير صحيح على الإطلاق، لأنه ببساطة يتناقض مع مفهوم «الأخبار الضمنية» أساساً، وهذا بالطبع ما أكدته دراسة أمريكية حديثة أجرتها شركة «iab» حين صرحت بأن أكثر من نصف المتابعين لا يستطيعون التمييز بين النوعين، وهذا ما حدث مع قراء صحيفة «النيويورك تايمز» عند مطالعتهم للتقرير المعبر والجريء عن حياة النساء في السجون، إلى أن استطاع أحدهم قراءة السطر الصغير تحت العنوان، والذي يشير إلى أن هذا التقرير الشامل «مدفوع» من قبل مجموعة «نيت فليكس» التلفزيونية، بمناسبة إطلاق مسلسلهم الجديد: «البرتقالي هو الأسود الجديد» الذي يتحدث عن مجموعة من النساء في سجن أمريكي!

 

«الخط الأحمر».. أخضر!

بدأت العديد من الصحف في منطقتنا تستخدم هذا النموذج الإعلاني على صفحاتها اليومية، وربما ستتمكن من تمييزها لاحقاً بعد أن أصبح مفهوم «الإعلانات الضمنية» أكثر ألفة بالنسبة إليك، لكن الحديث عن مفاعيله السلبية لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب، وربما لن يحصل ذلك إن استمر تغلغل الشركات الإعلانية في أخبارنا اليومية، وتحكمها في «المعرفة اليومية» التي يتلقاها متابعو تلك الصحف والمواقع كل يوم، إنها ببساطة تعيد كتابة ما يحصل من دون أن يهتم أحد لذلك ليتحول الخط الأحمر الفاصل بين الحقيقة والفبركات إلى خط «أخضر» بامتياز ..

تابعونا على الشبكات التالية!

نظراً لتضييق فيسبوك انتشار صفحة قاسيون عقاباً لها على منشوراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ندعوكم لمتابعة قنواتنا وصفحاتنا الاخرى على تلغرام وتويتر وVK ويوتيوب وصفحتنا الاحتياطية على فيسبوك