«الزراعة التعاقدية»: اسم آخر لتحويلالفلاحين إلى أجراء و«مرابعين»؟
خلال الأسابيع الأخيرة، جرى توقيع العديد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات بين وزارة الزراعة السورية و«الصندوق السيادي» من جهة، وبين مجموعة من الشركات الخليجية من جهة أخرى، من بينها مجموعة «سلال» ومجموعة «مير» ومجموعة «البكراوي القابضة» من الإمارات، ومجموعة «المهيدب» من السعودية. وجاءت هذه التفاهمات على هامش معارض تجارية، وبتغطية إعلامية رسمية مكثفة، وبخطاب يصف كل اتفاق بأنه «نقلة نوعية» لمصلحة المزارع السوري والأمن الغذائي الوطني، بينما يقف في الخلفية مرسوم جديد أعاد صياغة قانون الاستثمار جذرياً، ومنح المستثمر الأجنبي، للمرة الأولى منذ عقود، حق التملك الكامل بنسبة 100% دون الحاجة إلى شريك محلي، إلى جانب إعفاءات ضريبية دائمة وكاملة على مشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني.
ما يجري تقديمه اليوم تحت عنوان «استثمار زراعي» ليس بالضرورة استثماراً بالمعنى الإنتاجي الذي يزيد من قدرة سورية على إطعام نفسها، بل هو، في صيغته الحالية، خطوة أولى في مسار أوسع من إعادة تشكيل ملكية الأرض والموارد الزراعية لمصلحة رساميل خارجية موجهة أساساً نحو التصدير وخدمة أسواقها الخاصة، في لحظة بالغة الهشاشة تفتقر فيها الدولة السورية إلى الأدوات الرقابية والتفاوضية الكفيلة بحماية المزارع الصغير والمستهلك الفقير من نتائج هذا الانفتاح غير المشروط.
خريطة الصفقات وإطارها القانوني
منذ مطلع الصيف الحالي، تسارعت وتيرة مذكرات التفاهم والاتفاقيات بين وزارة الزراعة السورية وشركات خليجية عاملة في قطاع الأغذية. ففي 23 حزيران، وقع وزير الزراعة السوري اتفاقيتين مع مجموعة «سلال» الإماراتية المتخصصة في الأمن الغذائي والمواد الزراعية، على هامش الدورة الحادية والعشرين من معرض «فود إكسبو» الدولي للصناعات الغذائية. وفي اليوم نفسه، وقعت الوزارة اتفاقية تعاون مع مجموعة «البكراوي» القابضة الإماراتية. وبعد أيام، أعلنت الوزارة عن مذكرة تفاهم مع مجموعة «مير» الإماراتية، المدرجة في سوق أبوظبي للأوراق المالية، والتي كانت تعرف سابقاً باسم «جمعية أبوظبي التعاونية»، وتدير عبر ذراعها العقاري أكثر من 12 مركزاً تجارياً في الإمارات ومئات المتاجر تحت علامتي «أدكووب» و«سبار». تصف مذكرة التفاهم مع «مير» هدفها بإقامة منظومة متكاملة تشمل التخطيط الزراعي، والزراعة التعاقدية، والتمويل الزراعي، والتجميع والفرز والتبريد، والتصدير الإقليمي والدولي، إضافة إلى منصة رقمية زراعية.
على الجانب السعودي، وقع «الصندوق السيادي» السوري مذكرة تفاهم مع مجموعة «المهيدب» الاستثمارية، التي تأسست عام 1946 وتعمل في قطاعات متعددة تشمل الصناعات الغذائية والعقارات والاستثمار المالي. وتركز هذه المذكرة على مشاريع تربية الأبقار وإنتاج الألبان والأجبان بالشراكة مع شركة أوروبية متخصصة (لم يتم تحديد هويتها)، وتتضمن وعوداً بإعادة تشغيل اثنين من أكبر مصانع الحليب في سورية وتشغيل أعداد كبيرة من اليد العاملة.
أهم معطى ملموس حتى الآن، لا يتعلق بشراء أو استئجار أراض واسعة كما قد يوحي الخطاب الإعلامي، بل بمرحلة أولى من الشراء المباشر من المزارعين، من ضمنها الحديث عن شراء ما لا يقل عن 16,000 طن من البطاطا لتصديرها إلى الإمارات عبر خط ترانزيت يمر بالعراق. وهذا التمييز مهم: فحتى الآن، لا تتحدث المصادر الرسمية عن نقل ملكية الأرض بشكل مباشر وواسع، بل عن نموذج من «الزراعة التعاقدية» الذي يربط المزارع بالشركة المستوردة عبر عقود توريد وتمويل مباشرة.
لكن هذا التمييز، على أهميته، لا يطمئن بقدر ما يدق ناقوس الخطر، لأن الإطار القانوني الذي يحكم هذه التفاهمات كلها يفتح الباب واسعاً أمام تطورها لاحقاً نحو أشكال أعمق من السيطرة على الأرض. فالمرسوم رقم 114 لعام 2025، الذي عدل قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 تعديلاً جذرياً، ألغى شرط الشراكة المحلية الإلزامية الذي كان يحدد سقف تملك المستثمر الأجنبي عند 49% مقابل 51% لشريك سوري. وبموجب القانون الجديد، وبحسب تصريحات رئيس هيئة الاستثمار السورية أيضاً، يحق للمستثمر الأجنبي اليوم تملك مشروعه داخل سورية بالكامل بنسبة 100% دون أي شريك محلي. كما يمنح القانون المستثمر الحق في تملك أو استئجار الأراضي والعقارات اللازمة للمشروع، مع إمكانية تعديل التصنيف العقاري للمناطق الاقتصادية الخاصة بقرار من «المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية»، وهي صلاحية فضفاضة تمنح جهة تنفيذية مركزية سلطة إعادة تصنيف الأراضي الزراعية دون ضوابط تشريعية واضحة منشورة.
الأخطر من ذلك أن القانون أقر إعفاء ضريبياً دائماً وكاملاً بنسبة 100% لمشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني، إلى جانب إعفاء كامل من الرسوم الجمركية على مستوردات الآلات وخطوط الإنتاج. وهذه الحوافز - وإن بدت مبررة كأداة لجذب رأس المال إلى بلد منهك - تعني عملياً أن الخزينة العامة السورية، التي تعاني عجزاً مزمناً وتحتاج إلى كل مورد ممكن لإعادة الإعمار والخدمات الأساسية، ستتنازل مسبقاً وبشكل دائم عن أي حصيلة ضريبية من هذا القطاع بالذات، في مقابل وعود بتشغيل يد عاملة ونقل خبرات لم يتم تحديد آلياتها ولا التزاماتها التعاقدية بدقة في أي نص منشور للعموم حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
المشكلة الأعمق هي غياب الشفافية الكامل حول تفاصيل هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. حيث توجد نصوص منشورة للعقود، ولا آليات تحديد الأسعار التي تشترى بها المحاصيل من الفلاحين، ولا نسبة الإنتاج المخصصة للتصدير مقابل المخصص للاستهلاك في السوق المحلي. كل ما هو متوفر يقتصر على تصريحات المسؤولين عقب حفلات التوقيع، وهي تصريحات ذات طابع ترويجي بطبيعتها، لا تصلح بديلاً عن نص قانوني أو تعاقدي قابل للمساءلة أمام أي جهة.
الأثر المتوقع على الاقتصاد الكلي في سورية
إن الأثر الاقتصادي- الاجتماعي لهذا النوع من الصفقات، ووفقاً للتجارب المماثلة العديدة في أفريقيا وآسيا خلال العقدين الماضيين، أعقد بكثير، وأخطر مما يوحي به الخطاب الرسمي.
النقطة الأولى تتعلق بتوجيه الإنتاج. حيث إن الصفقات الموقعة حتى الآن، وعلى رأسها مذكرة التفاهم مع «مير» ونموذج شراء البطاطا للتصدير مع «سلال»، مصممة أساساً حول محور التصدير إلى السوق الإماراتية عبر خط ترانزيت العراق، لا حول تعزيز الإمداد الغذائي المحلي.
صحيح أن الصادرات الزراعية تدر عملة صعبة تحتاجها سورية بشدة. لكن المشكلة تكمن أولاً في افتراض عدم قدرة الدولة السورية على تمويل هذا النمط من المشروعات نتيجة غياب الموارد (وهذا أمر غير صحيح وسبق أن عالجناه في قاسيون مرات عدة)، وفي غياب أي حصة إلزامية معلنة من الإنتاج يتم تخصيصها للسوق المحلية. وحسب تقديرات برنامج الأغذية العالمي في أيار 2026، ما يزال 7.2 مليون سوري يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، من بينهم 1.6 مليون يواجهون جوعاً شديداً، في وقت خفض فيه البرنامج مساعداته الطارئة من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً فقط بسبب نقص التمويل الدولي.
في بلدٍ بهذا المستوى من الهشاشة الغذائية، يغدو توجيه محاصيل استراتيجية كالبطاطا والخضار نحو التصدير، دون التزام تعاقدي بحصة دنيا للسوق المحلية بأسعار مضبوطة، يعني عملياً أن سورية قد تصدر غذاءها بينما يتضور مواطنوها جوعاً، وهو نمط شهدته دول أفريقية عدة وقعت اتفاقيات مشابهة مع مستثمرين خليجيين وآسيويين خلال أزمة الغذاء العالمية عام 2008 وما بعدها، وانتهى بها الأمر إلى تصدير محاصيل غذائية من أراض تعاني مجاعات محلية.
النقطة الثانية تتعلق بميزان المدفوعات وتحويل الأرباح. بموجب القانون الجديد الذي يسمح بالتملك الأجنبي الكامل دون شريك محلي، ودون أي إلزام معلن بإعادة استثمار جزء من الأرباح داخل سورية، فإن التدفقات الرأسمالية التي تدخل اليوم على شكل استثمار قد تخرج غداً على شكل أرباح محولة بالكامل إلى الخارج، بمجرد أن تصبح المشاريع مربحة.
وهذا نمط متكرر ومعروف في اقتصاديات العديد من الدول المتعثرة عالمياً، حيث تبدأ بدخول رأسمالي أجنبي أولي محدود، يليه استخراج مستمر للقيمة المضافة نحو الخارج، دون تراكم رأسمالي محلي حقيقي يبني قاعدة إنتاجية مستقلة. وبناءً عليه، فإن غياب شرط حد أدنى لإعادة الاستثمار في هذه المذكرات، مقارنة بما هو معتمد في تشريعات استثمار زراعي أكثر حذراً في دول أخرى، يجعل من السذاجة تصنيف هذه التدفقات كاستثمار تنموي، بقدر ما هي عمليات استحواذ على سلاسل قيمة زراعية قائمة بأقل التزام ممكن من جهة المستثمر الأجنبي.
النقطة الثالثة تتعلق ببنية الملكية والاحتكار. فمن المفارقات اللافتة أن الخطاب الرسمي يقدم قانون الاستثمار الجديد كقطيعة مع نمط احتكار الاستثمار الأجنبي الذي كانت تمثله شبكة رجال الأعمال التابعة للأسد في زمن السلطة السابقة. لكن الافتراض بأن إلغاء شرط الشريك المحلي سوف يفتح الباب أمام تعددية استثمارية واسعة هو ضرب من السذاجة، لأنه - ووفقاً للتجارب المشابهة - سوف ينتج في الواقع نمطاً جديداً من الاحتكار: احتكار أجنبي كبير الحجم يحل محل احتكار محلي ضيق، دون أن يتغير جوهر الاحتكار ذاته (هذا إذا افترضنا أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي يتم توقيعها حالياً لا تشمل أيضاً منافع لشبكات اقتصادية محلية من تحت الطاولة).
أثر «الزراعة التعاقدية» على حياة الفلاح والمستهلك
بعيداً عن حجم التدفقات الرأسمالية التي يتم الترويج لها، فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه: هل سيتحسن دخل الفلاح السوري، وهل سيخف عبء غلاء الغذاء عن المواطنين نتيجة هذه الاتفاقيات؟ الإجابة الممكنة، بناءً على الوقائع المتاحة حتى الآن، هي أن ذلك غير مضمون على الإطلاق، وأن هناك مخاطر جدية بأن يحدث العكس تماماً.
بالنسبة للفلاح الصغير، فإن النموذج المطروح هو «الزراعة التعاقدية»، حيث يرتبط المزارع بعقد توريد مع الشركة الخليجية، ستحدد له في الغالب وبشكل مسبق نوع المحصول وكميته ومواصفاته، مقابل التمويل وضمان الشراء. من الناحية النظرية، قد يحسن هذا النموذج دخل الفلاح عبر ضمان سوق التصريف وتقليص دور الوسطاء، وهو ما أكده فعلاً مسؤول في وزارة الزراعة السورية حين وصف الهدف من هذه الاتفاقيات بالتواصل المباشر مع المزارع دون وسيط. لكن التجربة العالمية مع الزراعة التعاقدية، وخصوصاً في الدول الضعيفة تفاوضياً مثل سورية اليوم، تظهر أن الطرف الأضعف في هذه العلاقة، أي الفلاح صاحب الحيازة الصغيرة، غالباً ما ينتهي به الأمر مقيداً بشروط تسعير تحددها الشركة المشترية من موقع قوة احتكارية، ومديناً لها عبر آليات التمويل المرتبطة بالعقد، مما سيفقده تدريجياً استقلالية قراره الزراعي وماذا يزرع ومتى وبأي مدخلات، حتى لو ظل الشكل القانوني للأرض باسمه. هذا النمط من «التبعية دون نزع الملكية الشكلي» وثّقته منظمات بحثية زراعية دولية في تجارب مشابهة في مصر وإثيوبيا وكمبوديا، حيث تحوَّل صغار الفلاحين فعلياً إلى عمال شبه مأجورين على أراضيهم التي يحملون صك ملكيتها شكلياً.
وتتفاقم المخاطر حين يضاف إليها أثر تدفق رساميل ضخمة على أسعار الأراضي الزراعية وإيجاراتها. فحين تدخل مجموعات بحجم «المهيدب» مثلاً، بقدرة تمويلية تفوق بأضعاف أي فلاح أو تاجر محلي، إلى سوق استئجار أو استثمار الأراضي الزراعية في مناطق مثل سهل الغاب أو ريف حماة وحمص، فإن المتوقع اقتصادياً هو ارتفاع تدريجي في قيمة إيجار الأرض الزراعية، بما يفوق قدرة صغار الفلاحين على المنافسة، وهو ما قد يدفع كثيرين منهم مع مرور الوقت إما إلى بيع حيازاتهم الصغيرة أو تأجيرها لصالح هذه المجموعات، أو إلى العمل كأجراء موسميين ضمن المشاريع ذاتها التي كانت أراضيهم جزءاً منها. وهذا التحول، وإن بدا تدريجياً وغير معلن كسياسة، هو بالضبط الآلية التي تحولت عبرها ملكية الأرض في سياقات مشابهة من ملكية فلاحية موزعة إلى ملكية مركزة لمصلحة رأس مال أجنبي كبير، دون الحاجة إلى قانون مصادرة صريح.
أما بالنسبة للمستهلك، فالخطر المباشر ترافق توسع الإنتاج الموجه للتصدير مع استمرار وتفاقم أزمة توفر الغذاء وأسعاره في السوق المحلية، خصوصاً في ظل غياب أي حصة إلزامية معلنة للسوق المحلي في هذه الاتفاقيات، وفي ظل استمرار تراجع المساعدات الإنسانية الدولية.
في مقابل هذه المخاطر، هناك مجموعة من الشروط البديلة التي تملك الحكومة السورية من حيث المبدأ القدرة على فرضها لو توفرت الإرادة السياسية لذلك (هذا إن لم نتحدث عن ضرورة أن تقوم الدولة ذاتها بتنظيم هذه العملية والاستثمار فيها)، وهي شروط ليست ابتكاراً بل معتمدة فعلياً في تشريعات استثمار زراعي في دول أخرى تعاملت مع تدفقات رأسمالية أجنبية مشابهة:
أولاً، إلزام كل مذكرة تفاهم أو عقد استثمار زراعي بحصة دنيا واضحة من الإنتاج تخصص للسوق المحلية بما يضمن تلبية الطلب المحلي بنسبة 100% وبأسعار مضبوطة، خصوصاً للمحاصيل الأساسية، قبل البدء بالتصدير.
ثانياً، اشتراط حد أدنى لإعادة استثمار الأرباح داخل سورية، بدل السماح بتحويلها الكامل إلى الخارج.
ثالثاً، نشر نصوص الاتفاقيات والعقود للعموم، بدل الاكتفاء بالتصريحات الترويجية عقب حفلات التوقيع.
رابعاً، إشراك ممثلين عن الفلاحين أنفسهم كطرف فعلي في التفاوض على شروط الزراعة التعاقدية.
خامساً، تقييد أي تعديل لتصنيف الأراضي الزراعية لصالح مشاريع استثمارية بموافقة تشريعية صريحة، لا بقرار إداري من جهة تنفيذية واحدة.
دون هذه الشروط، فإن موجة مذكرات التفاهم الحالية، رغم الحماس الإعلامي الذي يرافقها، ستتحول إلى نسخة جديدة من نمط استخراج الريع الذي عرفته سورية طويلاً، بثوب استثماري لامع هذه المرة، لكن بجوهر اجتماعي لا يختلف كثيراً: رأس مال كبير يدخل، وقيمة مضافة تخرج، بينما يبقى الفلاح الصغير والمستهلك الفقير في الموقع ذاته الذي كانا فيه دائماً وهو الفقر والغبن.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287