«اقتصاد السوق الاجتماعي»: تراجع أم تكرار لتجربة 2005؟
في 1 حزيران الجاري، انطلقت في قصر المؤتمرات بدمشق فعاليات «المؤتمر الوطني للقطاع الخاص السوري» بتنظيم من وزارة الاقتصاد والصناعة وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP وبدعم من الحكومة اليابانية. خلال المؤتمر، قدّم وزير الاقتصاد والصناعة، د. نضال الشعار، ملامح من الرؤية الرسمية لهوية الاقتصاد السوري، حيث قال إن «اقتصاد السوق الحر لا يعني غياب الدولة، بل حضورها كمنظم ومحفز وحام للمصالح الوطنية الاستراتيجية»، وأن «الدولة يجب أن تضع الرؤية وتبني المؤسسات وتحمي المنافسة العادلة بينما يقود القطاع الخاص الاستثمار والإنتاج والابتكار وخلق فرص العمل»، وأن «الخصخصة ليست الحل الوحيد للتحديات الاقتصادية»، وأن «الحوكمة الحديثة أهم من شكل الملكية ذاته». بعد ذلك، نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية عن المستشار الأول لشؤون السياسات الاقتصادية المحلية في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة قاضي، قوله إن المؤتمر «أزال اللبس» بشأن هوية الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة، وأنه «أقرب ما يكون لاقتصاد السوق الموجه، أو اقتصاد السوق الاجتماعي كما هو الحال في ألمانيا ومعظم أوروبا وكندا»، وأن القطاع الخاص يمثل «قاطرة التنمية الاقتصادية»، وأن القطاع العام لا يواجه مصير الخصخصة.
يمثل هذا الطرح تراجعاً - على صعيد التصريحات حتى الآن وليس على أرض الواقع - عن طروحات «اقتصاد السوق الحر والتنافسي» التي سادت تصريحات المسؤولين السوريين منذ سقوط سلطة الأسد وحتى اليوم. ويجري هذا التراجع عن طريق «خطوة إلى الوراء» تتمثل بإعادة طرح فكرة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي أعلنت عنها سلطة الأسد رسمياً عام 2005 خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، والتي مثلت آنذاك تراجعاً عن الدور القوي للدولة في الاقتصاد ومهدت الطريق لسياسات نيوليبرالية أفقرت الشعب السوري وكانت إحدى أهم محركات انفجاره الاجتماعي في عام 2011، فمنذ 2005 تم تسريع التوجه نحو انسحاب الدولة من لعب دورها في الاقتصاد، وتخفيض الإنفاق على الدعم الاجتماعي، وزيادة مساحة عمل القطاع الخاص الذي التهم حصة وازنة من دور الدولة عبر طروحات مثل التشاركية وغيرها.
جرى آنذاك إيهام الناس بأن سورية سوف تحذو حذو الدول الأوروبية التي تعمل وفقاً لمبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث يتاح المجال للقطاع الخاص مع احتفاظ الدولة بشبكات أمان اجتماعي حازمة وصارمة. لكن الواقع الاقتصادي كشف زيف هذه الوعود، إذ جرى تفكيك الدعم، وانسحبت الدولة من الإنتاج، وتُرك السوريون فريسة بين أنياب كبار الفاسدين والمحتكرين الذين نهبوا أصول الدولة بذريعة التشاركية. واليوم، يعاد إنتاج المشهد عينه، مما يستدعي تفكيكاً جذرياً لهذه الطروحات.
عودة مصطلح قديم إلى واجهة جديدة
حين تعود الحكومة السورية اليوم إلى الحديث عن اقتصاد السوق الاجتماعي، فإنها لا تستدعي مصطلحاً بريئاً ولا صفحة بيضاء في الذاكرة الاقتصادية السورية. فهذا المصطلح دخل القاموس الرسمي عام 2005، خلال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، حين أعلنت سلطة الأسد الانتقال إلى ما سمي زوراً آنذاك بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي». في الشكل، قدم الأمر بوصفه تحديثاً اقتصادياً ضرورياً، وفتحاً محسوباً للأسواق، وإدخالاً للقطاع الخاص إلى مجالات أوسع، مع احتفاظ الدولة بدورها الاجتماعي الحامي للسوريين الفقراء. أما في الواقع، فقد شكل ذلك الإعلان بداية مرحلة جديدة من الانسحاب المتسارع للدولة من مسؤولياتها الاقتصادية الاجتماعية، وتسريعاً لسياسات نيوليبرالية قُدمت تحت عنوان الإصلاح، لكنها انتهت إلى مزيد من الإفقار والتهميش وتركيز الثروة.
وبهدف تسويق الفكرة، اعتمد مسؤولو النظام آنذاك - وعلى رأسهم عبد الله الدردري، رمز السياسات الاقتصادية لبشار الأسد خلال العقد السابق لانفجار الأزمة في البلاد - على إعطاء انطباع زائف مفاده أننا سنعتمد نموذج «اقتصاد السوق الاجتماعي» وفقاً للنموذج الألماني والأوروبي عموماً، حيث السوق موجودة لكن الدولة قوية، والقطاع الخاص يعمل لكن منظومة الحماية الاجتماعية واسعة، والمنافسة قائمة لكن قوانين العمل والضرائب والضمان الصحي والتقاعدي والسكني تمنع تحول المواطنين إلى فرائس أمام تقلبات السوق. غير أن ما جرى في سورية كان عكس ذلك تماماً، حيث فُتحت قطاعات واسعة أمام مصالح خاصة كبرى، وتوسعت الشراكات المشبوهة بين المال والسلطة، وتراجع الدعم الاجتماعي الفعلي، وارتفعت تكاليف المعيشة، بينما بقيت الدولة قوية فقط في القمع السياسي والجباية من جيوب الفقراء.
هنا يجب التمييز بين أمرين: بين اقتصاد سوق اجتماعي حقيقي يفترض وجود دور قوي للدولة، وبين استخدام العبارة نفسها كغطاء أيديولوجي لتمرير سياسات السوق المنفلتة. في التجربة السورية بعد 2005، لم يكن «الاجتماعي» سوى ملحق لفظي، أما مصالح كبار الفاسدين فكانت هي جوهر التحول الذي جرى. ومع الوقت، نشأت طبقة من كبار المستفيدين من الانفتاح المزعوم ومن الاحتكارات والامتيازات. في المقابل، تآكلت قدرة الأجور على تغطية الحد الأدنى من المعيشة، وتراجعت الزراعة والصناعة، وازداد شعور قطاعات واسعة من السوريين بأن الدولة لم تعد تمثلهم اقتصادياً، بل تطلب منهم أن يتحملوا وحدهم كلفة «الإصلاح» المزعوم.
من هذه الزاوية، لا يمكن فصل الانفجار الاجتماعي والسياسي عام 2011 عن التراكم الاقتصادي السابق عليه. بطبيعة الحال، لا يعني ذلك تبسيط أسباب الانفجار الاجتماعي السوري في عامل واحد، لكنه يؤكد أن الإفقار، واتساع التناقضات الطبقية، وتراجع العدالة الاجتماعية، وانسداد الأفق أمام الشباب، وتحول الريف وأطراف المدن إلى خزانات غضب، كانت كلها جزءاً أساسياً من وقود الانفجار. ومن الخطأ اليوم أن يجري التعامل مع تلك التجربة كما لو أنها كانت مجرد سوء تطبيق يمكن تجاوزه بتجميل العبارات.
الجديد في التصريحات الأخيرة أنها تمثل تراجعاً (لفظياً فقط حتى الآن) عن خطاب أكثر سوءاً ساد المشهد الاقتصادي منذ سقوط السلطة السابقة، وكان يتحدث عن السوق الحر والتنافسية والقطاع الخاص بوصفها حلولاً شبه سحرية. لكن هذا التراجع لا يزال غامضاً ومحدوداً. فحين تقول الحكومة إن الدولة «يجب أن تضع الرؤية وتبني المؤسسات وتحمي المنافسة العادلة»، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن «القطاع الخاص يجب أن يقود الاستثمار والإنتاج والابتكار وخلق فرص العمل»، فإنها تضع الدولة في موقع المنظم العام والحارس القانوني لطريق يقوده الآخرون. ما يعني أن المطروح اليوم ليس عودة الدولة للعب دورها الاجتماعي، إنما إعادة تعريف لدورها بما يناسب اقتصاداً يعمل لمصلحة نخب الفساد.
الأخطر من ذلك هو القول إن الخصخصة «ليست الحل الوحيد». هذه العبارة تبدو معتدلة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في داخلها اعترافاً بأن الخصخصة ما تزال مطروحة كأحد الحلول. والسؤال هنا: خصخصة ماذا؟ ولمصلحة من؟ وهل يمكن الحديث عن خصخصة أصلاً في بلد خرج من حرب طويلة، وتعيش أغلبية ساحقة من شعبه في الفقر، وتحتاج مؤسساته العامة إلى إعادة بناء لا إلى تصفية؟ إن طرح الخصخصة، ولو «بخجل»، في لحظة اجتماعية كهذه، يعني أن الفقراء سيطلب منهم مرة أخرى دفع كلفة الأزمة والدمار، بينما يحصل الأقوياء على أصول وفرص وأسواق جديدة.
لذلك، فإن العودة إلى طرح «اقتصاد السوق الاجتماعي» ليست كافية كي يشعر السوري الفقير بالاطمئنان. بل تثير لديه ذاكرة مريرة، لأن العبارة نفسها استخدمت سابقاً لتسويق تحول انتهى إلى نتائج كارثية. والمطلوب اليوم ليس استبدال كلمة بكلمة، ولا الانتقال من «السوق الحر» إلى «السوق الاجتماعي» على مستوى الخطاب. المطلوب هو الاعتراف بأن النموذج الذي يجعل السوق مركز الاقتصاد، والقطاع الخاص قائده، والدولة مجرد منظم، قد جُرب بأشكال مختلفة، وكانت نتيجته في السياق السوري مزيداً من النهب والإفقار.
لماذا تتراجع التصريحات الآن؟
السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه ليس ماذا قالت الحكومة؟ بل لماذا قالت ذلك الآن؟ ولماذا يجري التراجع على صعيد التصريحات أصلاً؟ حيث أن لغة الخطاب الرسمي لا تتغير بلا سبب. وعندما ينتقل الخطاب الرسمي من الاحتفاء المباشر بالسوق الحر التنافسي إلى إعادة استدعاء «اقتصاد السوق الاجتماعي»، فهذا يعني أن هناك مش
كلة. والمشكلة، في جوهرها، أن النهج الاقتصادي الجاري، القائم على تسريع إلغاء الدعم الاجتماعي وتراجع الدولة عن دورها الاقتصادي الاجتماعي، بدأ يصطدم بحدود المجتمع نفسه. فالسوريون لم يعودوا يتعاملون مع السياسات الاقتصادية بوصفها نقاشاً نظرياً يجري من فوق، بل بوصفها خبزاً ودواءً وكهرباءً وأجوراً ومواصلات وتعليماً وسكناً.
بالقلب من هذا كله، أن تصاعد موجات الاحتجاج والرفض الشعبي للسياسات الاقتصادية الجائرة هو إنذار اجتماعي شديد الخطورة. فالناس الذين عاشوا الحرب والحصار والانهيار والتهجير لا يستطيعون احتمال جولة جديدة من «الإصلاح» المزعوم تعني عملياً رفع الأسعار وإلغاء الدعم تماماً وتحرير السوق وترك الأجور لمصيرها. فحين تكون الأغلبية الساحقة من السكان في الفقر، يصبح أي حديث عن إنهاء الدعم أو ترك الأسعار لقوى السوق حديثاً عن إعادة إنتاج الجوع.
لذلك يمكن فهم العودة إلى مصطلح «اقتصاد السوق الاجتماعي» بوصفها محاولة سطحية وخجولة جداً لامتصاص القلق الشعبي، أو لتخفيف حدة الانطباع بأن الحكومة تتجه نحو نموذج سوق قاسٍ. لكنها تبقى محاولة ترقيعية ما لم تترافق مع تحول فعلي في السياسات.

أن تقول الدولة إنها حاضرة، ثم تنسحب من الدعم، وأن تقول إنها تحمي المنافسة، ثم تترك الأسواق للمحتكرين، وأن تقول إنها ضد الخصخصة الشاملة، ثم تبقي الخصخصة كخيار، وأن تقول إن القطاع العام لن يواجه التصفية، ثم لا تقدم خطة جدية لإعادة بنائه وتمويله وتطويره، فهذا كله لا ينتج نموذجاً جديداً، بل يعيد إنتاج التناقض القديم بين خطاب «اجتماعي» وسياسات لا اجتماعية.
المطلوب هو حل جذر المشكلة، وجذرها أن الاقتصاد السوري لا يمكن أن يبنى على افتراض أن رأس المال الخاص، المحلي أو الخارجي، سيقود التنمية تلقائياً لمصلحة الفقراء. فالقطاع الخاص ليس كتلة واحدة. هناك حرفيون وصناعيون صغار وتجار متوسطون وفلاحون ومنتجون حقيقيون يحتاجون إلى حماية ودعم وأسواق عادلة. وهناك، في المقابل، رأسمال احتكاري كبير يبحث عن الربح السريع، وعن شراء الأصول العامة بـ«تراب المصاري». الخلط بين هذين المستويين يسمح لخطاب «دعم القطاع الخاص» بأن يخدم الأقوى داخل القطاع الخاص، لا المنتجين الحقيقيين.
وحتى حين يكون القطاع الخاص منتجاً وضرورياً، فإنه يحتاج إلى إطار وطني يحدد الأولويات لا إلى حرية مطلقة. إذ يجب أن يُسأل: هل يستثمر في الزراعة والصناعة والغذاء والدواء؟ أم يذهب إلى العقارات والمضاربة والتجارة السريعة؟ هل يلتزم بأجور لائقة وضمانات اجتماعية؟ أم ينتج فرص عمل هشة بلا حماية؟ هل يدفع ضرائب تصاعدية عادلة؟ هل يعيد استثمار أرباحه داخل الاقتصاد الوطني أم يحولها إلى الخارج عند أول فرصة؟
أما الدولة التي يختزل دورها في «وضع الرؤية»، فهي دولة ناقصة. الدولة في بلد محطم وفقير لا تملك ترف الاكتفاء بالتنظيم. عليها أن تنتج وتستثمر وتوظف وتدعم وتراقب وتخطط، وتعيد توزيع الثروة وتبني شبكات أمان واسعة وتضمن تأمين الحد الأدنى من المعيشة وتمنع الاحتكار وتجتث الفساد وتعيد الاعتبار للعمل. وإذا كان الفساد قد ضرب القطاع العام سابقاً، فالحل ليس التخلص من القطاع العام، بل تحريره من الفساد والزبائنية والنهب، وإخضاعه لرقابة شعبية حقيقية. فالقطاع العام الفاسد مشكلة، لكن تصفيته لصالح احتكارات خاصة كارثة.
لا يمكن لأي سلطة سورية أن تطلب من الناس الثقة بمجرد تغيير المصطلحات. فالثقة تبنى عبر سياسات اقتصادية ملموسة لمصلحة الناس: دعم الخبز والطاقة والنقل والصحة والتعليم، وأجور مرتبطة دورياً بتكاليف المعيشة، وضرائب تصاعدية على الثروة والأرباح، وحماية المنتجين الحقيقيين، وإعادة تشغيل المؤسسات العامة، ومنع بيع الأصول العامة، والمشاركة الشعبية في تقرير النموذج الاقتصادي القادم.
أي اقتصاد اجتماعي يحتاجه السوريون؟
حين يتم الاستشهاد بألمانيا أو أوروبا أو كندا لتبرير «اقتصاد السوق الاجتماعي» في سورية، ينبغي أن يقال للناس كل شيء لا نصف الحقيقة فقط. ففي تلك التجارب، لم ينشأ البعد الاجتماعي من حسن نية السوق، بل من توازنات سياسية ونقابية ومؤسسية، ومن ضرائب مرتفعة وتصاعدية، ومن إنفاق عام واسع، ومن أنظمة ضمان اجتماعي وصحي وتعليمي متجذرة، ومن قوة تفاوضية للعمال، ومن دولة قادرة على التدخل في السوق ولا تخجل من ذلك.
في ألمانيا، مثلاً، تصل نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى يقارب نصف الناتج، بل تجاوزت الخمسين بالمئة وفق بيانات حديثة. كما أن الإنفاق الاجتماعي يشكل كتلة ضخمة من الإنفاق العام، سواء عبر التقاعد والصحة والبطالة والرعاية والإعانات المختلفة. هذا يعني أن المقارنة الجدية مع ألمانيا لا تبدأ من القول إن القطاع الخاص مهم، بل من السؤال: هل نحن مستعدون في سورية لدولة تنفق بهذا الحجم؟ هل نحن مستعدون لضرائب عادلة على الأرباح الكبيرة والثروات والريوع؟ هل نحن مستعدون لتأمين صحي وتعليمي ونقلي وسكني واسع؟ هل نحن مستعدون لتقوية النقابات والعمال لا لإضعافهم؟ هل نحن مستعدون لقطاع عام يشكل رافعة إنتاجية وخدمية حقيقية؟
إن «اقتصاد السوق الاجتماعي» الموجود في بعض الدول الأوروبية يتناقض تناقضاً صارخاً مع النسخة التي جرى ويجري ترويجها في سورية. على سبيل المثال، ووفقاً للبيانات الرسمية عام 2025، تصل حصة القطاع العام من الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا إلى 49%، بينما تصل الحصة التقديرية للإنفاق على الدعم الاجتماعي من إجمالي النفقات في الموازنة إلى 46%، هل يريد المسؤولون السوريون الذي يروجون لاقتصاد السوق الاجتماعي أن تصل سورية إلى هذه الأرقام؟ سيكون ذلك بمثابة عيد بالنسبة للسوريين الذين لا تتجاوز حصة القطاع العام لديهم من الناتج المحلي الإجمالي سوى 18% وفقاً لتقديرات عام 2022 (لا توجد تقديرات حديثة)، بينما الحصة التقديرية للدعم الاجتماعي من إجمالي نفقات موازنة 2026 لا تتعدى 13% (هذا في حال أنفق فعلاً على الدعم الاجتماعي)!
من هنا، فإن المطلوب ليس العودة إلى اقتصاد السوق الاجتماعي كما طرح عام 2005، ولا الاكتفاء بنسخة مخففة من اقتصاد السوق الحر. المطلوب هو بناء نموذج اقتصادي جديد منحاز صراحة لفقراء الشعب السوري. والانحياز هنا يعني التزاماً جذرياً بإعادة توزيع الثروة لمصلحة المنهوبين من الشعب السوري.
يبدأ هذا النموذج الجديد من إعادة توحيد السوق السورية نفسها. فلا يمكن الحديث عن تنمية وطنية في ظل حواجز اقتصادية بين المناطق وتقطع سلاسل النقل والإنتاج وتحول الجغرافيا السورية إلى أسواق مجزأة. ولا يمكن توحيد السوق السورية بقرار من فوق أو بمنطق الغلبة، بل عبر مؤتمر وطني عام وشامل وكامل الصلاحيات يقرر السوريون من خلاله مصيرهم ومصير دولتهم ونموذجهم الاقتصادي المقبل.
هذا النموذج الاقتصادي الجديد يجب أن يجيب عن سؤال الحماية الاجتماعية. فالسوريون، حين تغيب الدولة الراعية لهم اجتماعياً، لا يعودون إلى فراغ، بل يلجؤون إلى منظومات حماية بديلة تنتمي إلى ما قبل الدولة الوطنية كالطائفة والعشيرة وغيرها. وكلما تراجعت الدولة عن دورها الاجتماعي، تقدمت هذه البدائل. لذلك، فإن إعادة بناء الحماية الاجتماعية هي مسألة وطنية بامتياز، فالدولة التي لا تؤمن منظومة حماية لمجتمعها، تترك المجتمع يتفتت إلى ولاءات ما قبل وطنية.
النموذج المطلوب يجب أن يقوم على مبادئ واضحة: القطاعات الاستراتيجية ملكية عامة اجتماعية لا يمكن خصخصتها جزئياً أو كلياً. في ظل عدم وجود منظومة أجور عادلة، فإن الدعم الاجتماعي حق وليس منة، ويجب أن يتوسع مع إصلاح آليات وصوله ومنع سرقته. ويجب أن ترتبط الأجور دورياً بتكاليف المعيشة الحقيقية. ويجب أن تكون الضرائب تصاعدية، تصيب بشكلٍ خاص الريوع والاحتكارات والثروات الكبيرة، لا جيوب الفقراء عبر الرسوم غير المباشرة ورفع الأسعار. والقطاع الخاص المنتج مرحب به حين يخلق قيمة مضافة وفرص عمل لائقة، لا حين يبتلع أصول الدولة ويحتكر حاجات الناس.
العودة إلى طرح «اقتصاد السوق الاجتماعي» تكشف أن الخطاب الاقتصادي الرسمي شعر ربما بضغط الواقع. لكن هذا لا يكفي. السوريون يريدون قطيعة كاملة مع النموذج الذي حمل الفقراء كلفة كل شيء، ولا يحتاجون اليوم إلى تسمية أقل قسوة لنموذج اقتصادي قاس ومتوحش.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281