المطلوب إلغاء قرار رفع أسعارالكهرباء من أساسه... لا الالتفاف عليه
مع اشتداد الأزمة المعيشية في سورية، وفي ذروة شتاء تعيش فيه العديد من العائلات تحت حد الكفاف، وجدت السلطات نفسها مضطرة لمواجهة موجة سخط شعبي كبيرة وصلت إلى حد الرفض العلني لدفع فواتير الكهرباء الجديدة التي ارتفعت بنسبٍ هائلة، فالأرقام الصادمة التي حملتها الفواتير في مطلع عام 2026، والمبنية على الهيكلية الجائرة التي أقرتها وزارة الطاقة في الربع الأخير من عام 2025، كشفت عن وجه مخيف لسياسات إلغاء الدعم، تحولت معه الكهرباء من حق للسوريين إلى أداة إقصاء اجتماعي تضع المواطن أمام خيارات شديدة الصعوبة ليستطيع تحمل الارتفاع الكبير في الأسعار. وفي محاولة لامتصاص هذا الاحتقان، بدأت تخرج «تسريبات» عن اجتماعات بين وزير الطاقة ومسؤولين آخرين لمناقشة تراجعات جزئية وتعديلات في شرائح الاستهلاك. وإن بدت هذه التحركات في ظاهرها استجابة للضغط، إلا أنها في العمق لا تزال تراوغ المطلب الأساسي، وهو التراجع الكامل عن نهج الجباية الذي يخدم نخباً ضيقة على حساب شعب منهك.
تأتي «التسريبات» الأخيرة لتقترح زيادة تجميلية على الشريحة المدعومة، من 300 إلى 400 كيلوواط ساعي في الدورة، مع «وعود» بزيادة الرواتب بنسبة 200%. ولكن، لمن يقرأ الواقع السوري بعين التجربة، يدرك أن هذه المسكنات ليست سوى محاولة لشرعنة الرفع الجائر للأسعار عبر تقديم فتات لا يسمن ولا يغني من جوع، حيث تقتضي مصلحة الشعب السوري اليوم التمسك بمبدأ لا يتجزأ: لا رفع للأسعار قبل رفع القدرة الشرائية الحقيقية للأجر بشكل يغطي تكاليف المعيشة.
إن رفع أسعار الكهرباء في بلد يتقاضى فيه الموظف أجراً شديد الانخفاض هو قمة الانفصال عن الواقع وذروة الظلم الاجتماعي. والمطلوب ليس مجرد «دراسة مقترحات» في لجان وزارية تعرف جيداً كيف تطيل من عمر أي قرار تعمل على إنجازه، بل إلغاء كامل لمنظومة الأسعار الحالية التي فرضت بذهنية المحاسب لا بذهنية الدولة الراعية لشعبها. وأي حل لا يضع معيشة السوريين وكرامتهم وقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية فوق مصلحة الجباية الحكومية هو حل فاشل، يرسخ هيمنة الفساد ويعمق الفجوة بين السلطة والشارع الذي لا يملك ما يخسره.
زيف الوعود التجميلية في ميزان العدالة
تتكشف مأساة السوريين بشكل أكثر وضوحاً عند إخضاع التسريبات الأخيرة للغة الأرقام والمقارنات المنطقية. يتحدث المقترح المسرب عن زيادة 100 كيلوواط ساعي على سقف الاستهلاك المدعوم ليصبح 400 كيلوواط في الدورة (كل شهرين)، بسعر 5 سنتات للكيلوواط (نحو 600 ليرة سورية). للوهلة الأولى، قد يظن البعض أن هذا تراجع إيجابي، لكن الحقيقة هي أن استهلاك معظم الأسر السورية يتجاوز هذا السقف. ووضع سقف 400 كيلوواط لدورة كاملة يعني منح المواطن نحو 6.5 كيلوواط يومياً، وهو رقم منخفض يعني أن معظم السوريين سيقعون حتماً في فخ الشرائح غير المدعومة.
تحاول الحكومة تسويق فكرة أن أسعار الكهرباء في سورية قريبة من الأسعار في دول الجوار، لكنها تتجاهل عمداً المقارنة بالأجور. فبينما يشتري الحد الأدنى للأجور في العراق أو تركيا أو الأردن آلاف الكيلوواطات، يجد الحد الأدنى الرسمي للأجور نفسه عاجزاً عن شراء ما يزيد على 707 كيلو واط.
إن التراجع الجزئي الذي تدرسه الوزارة حالياً يشرعن المبدأ الخطير وهو أن الدولة لم تعد معنية بدعم مواطنيها، بل هي وسيط تجاري يسعى لتحقيق الربح من سلع أساسية.
الأهم من ذلك، أن «وعد» الوزير بتشكيل لجنة للدراسة، مع التشديد على أنه «لم يقدم وعوداً ملزمة»، هو السلوك البيروقراطي المعتاد لتمييع المطالب الشعبية وانتظار هدوء العاصفة. لا يحتاج الشعب السوري اليوم إلى لجان تدرس معاناته، بل يحتاج إلى قرار يعترف بأن رفع أسعار الطاقة قبل إصلاح قدرة الرواتب هو فعل مدمّر لما تبقى من استقرار اجتماعي. والعدالة تقتضي التراجع الكامل عن القرار حتى يتم ردم الفجوة الهائلة بين تكاليف المعيشة الحقيقية والأجور، وأي محاولة للالتفاف على ذلك عبر زيادة 100 كيلوواط هنا أو هناك هي مجرد ذر للرماد في العيون، تهدف إلى تمرير المرحلة الصعبة وبقاء القبضة المالية للنخب الفاسدة على جيوب الفقراء.
المصلحة الوطنية تقتضي مكاشفة حقيقية: لماذا يطالب المواطن بدفع أثمان مرتفعة جداً للكهرباء بينما نرى جميعاً كيف تهدر ثروات البلاد في عقود لا يعرف عنها السوريون كثيراً؟ استمرار هذا النهج يعزز الشعور بالظلم الاجتماعي ويؤكد أن القرارات تُصاغ في مكاتب بعيدة كل البعد عن وجع الشارع، مما يدفع الناس نحو خيارات اليأس، من الهجرة إلى البحث عن أساليب غير مشروعة لتأمين متطلبات البقاء على قيد الحياة.
وهم رفع الأجور: الدفع باليمين والأخذ باليسار
تروج العديد من المواقع الصحفية السورية لزيادة مرتقبة في الرواتب بنسبة 200%، يتوقع صدورها مطلع شهر شباط المقبل، «كنوع من التعويض» عن ارتفاع الأسعار. لكن التدقيق في هذه الزيادة يكشف عن خلل بنيوي في التفكير الاقتصادي للسلطة. فالزيادة الاسمية في الراتب، مهما بلغت، تظل مجرد أرقام وهمية ما لم تقترن بقدرة شرائية حقيقية، فرفع الراتب بنسبة 200% في وقت ارتفعت فيه تكاليف الطاقة والعديد من تكاليف المعيشة الأخرى بنسب تتجاوز 500% يعني عملياً أن المواطن لا يزال يخسر من حصته الحقيقية في الثروة الوطنية. إنها عملية «إعطاء باليد اليمنى واسترداد مضاعف باليد اليسرى» عبر فواتير الكهرباء وغيرها من أساليب الجباية الجائرة من جيوب السوريين.
المشكلة الجوهرية تكمن في أن الطاقة هي محرك الأسعار في كل القطاعات. فعندما ترفع الحكومة سعر الكهرباء، فإنها لا ترفع فاتورة المنزل فقط، بل ترفع تكلفة إنتاج العديد من السلع والخدمات. وبالتالي، فإن زيادة الرواتب الموعودة سيتم امتصاصها في السوق قبل أن تصل إلى يد الموظف، لأن المصنعين والتجار سيقومون فوراً بتحميل تكاليف الطاقة الجديدة على السلع النهائية. وهذا الدوران العبثي في حلقة التضخم هو نتيجة مباشرة لقرار رفع أسعار الحوامل الطاقية قبل تأمين قاعدة اقتصادية متينة وقبل تأمين أجور تليق بالسوريين ومعيشتهم.
مرة أخرى، المطلب الوطني الملح هو التراجع الكامل عن قرارات الرفع الجائرة حتى يتم الوصول إلى مستوى أجور عادل قادر على تغطية تكاليف المعيشة الحقيقية وليس التقديرات العشوائية التي نسمعها هنا وهناك. القدرة الشرائية للأجر السوري اليوم هي في أدنى مستوياتها التاريخية، حيث لم يعد الراتب يكفي لتغطية فاتورة الكهرباء والماء والهاتف، فما بالك بالغذاء والدواء وإيجارات المنازل والنقل؟ السلطة مدعوة لإعادة النظر في مفهوم الدعم، فهو ليس منة أو إحساناً، بل هو آلية لإعادة توزيع الثروة وأحد أهم أشكال حماية السوريين في ظل الانخفاض المريع للأجور.
وأي زيادة في الرواتب لا تسبقها فرملة لارتفاع الأسعار، وتحديداً أسعار الطاقة، هي زيادة تضخمية بامتياز. مصلحة الشعب تقتضي أن تكون الكهرباء مدعومة بشكلٍ حقيقي للشرائح المنزلية والصغيرة إلى أن يتعافى الاقتصاد وتتعافى معه الأجور. الاستقرار الاجتماعي اليوم يتطلب أجراً كريماً مقابل خدمات أساسية بأسعار عادلة، وأي اختلال في هذا التوازن هو وصفة صريحة لانفجارات اجتماعية لا يمكن احتواؤها بالوعود المنقوصة.
مكافحة الفساد لا جيوب الفقراء
تكمن المشكلة الكبرى في الدفاع الحكومي عن رفع الأسعار في حجة عجز الميزانية وتكاليف الإنتاج المرتفعة. وهنا يجدر السؤال، لماذا يطلب من المواطن الفقير سداد هذا العجز بينما تتركه الحكومة يتفاقم؟ إن الفاقد الفني والتجاري في شبكة الكهرباء السورية، والذي يتراوح بين 40% و50%، هو الفضيحة الكبرى التي يتم التستر عليها، والتي تعني أن نحو نصف الطاقة المنتجة يضيع إما بسبب اهتراء الشبكات (سوء إدارة وصيانة) أو بسبب السرقات الكبرى التي تتم غالباً بغطاء من نخب نافذة ومشاريع محمية. بدلاً من أن تقوم وزارة الطاقة بضبط هؤلاء اللصوص الكبار وإصلاح الشبكات، تذهب للحل الأسهل وهو جباية الثمن من جيوب السوريين عبر رفع الأسعار.
المطلوب أيضاً تحويل قطاع الطاقة من صندوق أسود إلى كتاب مفتوح. نريد معرفة التكاليف الحقيقية، وعقود التوريد، فغياب الشفافية يغذي الشكوك بوجود فساد بنيوي يتربح من أزمة الكهرباء. كما أن التوجه نحو خصخصة قطاع الطاقة عبر الاستثمارات الخاصة المحصورة بأسماء معينة هو تدمير لما تبقى من القطاع العام لصالح نخب ضيقة.
يجدر التذكير مجدداً أن الكهرباء ليست مجرد سلعة استهلاكية، بل هي ركيزة الإنتاج. ورفع أسعارها على السوريين يعني تدمير الإنتاج المحلي لصالح كبار المستوردين الذين يغرقون السوق ببضائع خارجية. إننا أمام عملية تدمير ممنهج للقدرة التنافسية السورية، والتراجع الكامل عن قرار الرفع هو خطوة أولى نحو التعافي الوطني الحقيقي، إذ يجب أن يعامل قطاع الطاقة كأداة لإعادة الإعمار، حيث يتم توفير الطاقة بأسعار تشجيعية لتحريك عجلة الاقتصاد، مما يخلق فرص عمل ويرفع الدخل بشكل طبيعي، لا عبر «مكرمات» وزيادات رواتب يلتهمها التضخم.
القول بأن التراجع الجزئي هو «أفضل من لا شيء» هو قول حق يراد به باطل إذا استخدم لتمرير السياسة العامة الجائرة. المطلوب هو وقفة وطنية شاملة تضع مصالح الملايين فوق مصالح القلة المستفيدة، فالسوريون الذين صمدوا سنوات طويلة يستحقون أن يحظوا بمزيد من الدعم، لا أن يجري إعدام الدعم في سورية بحجة أنه من بقايا السلطة السابقة! السياسة الاقتصادية الحالية هي امتداد للسياسة الاقتصادية للسلطة السابقة، وتغييرها يبدأ بالاعتراف بأن حق المواطن في الطاقة هو حق إنساني غير قابل للتفاوض. وإذا لم يتم التراجع الكامل وربط الأسعار بقدرة شرائية حقيقية للأجر السوري، فإننا مقبلون على واقع سيزداد فيه يومياً شعور السوريين بالإحباط والخذلان.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263
