عتمة السياسات وقهر الفواتير: الكهرباءالسورية بوصفها أداة للإقصاء الاجتماعي

عتمة السياسات وقهر الفواتير: الكهرباءالسورية بوصفها أداة للإقصاء الاجتماعي

مع انتصاف شهر كانون الثاني الجاري، لم تكن برودة الشتاء القارس هي القسوة الوحيدة التي واجهت السوريين في منازلهم المفتقرة إلى العديد من أساسيات الحياة، بل كانت لسعة فواتير الكهرباء الصادرة عن شهري تشرين الثاني وكانون الأول هي الأشد إيلاماً. حيث كشفت هذه الفواتير (التي ترجمت فعلياً وفق هيكلية الأسعار الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الطاقة في الربع الأخير من عام 2025) عن وجه مخيف لسياسة إلغاء الدعم تمثّل في استيقاظ السوريين على واقع يفرض عليهم دفع مبالغ خيالية مقابل خدمة لا تكاد تضيء منازلهم إلا لساعات قليلة ومتقطعة، وذلك بعد أن اكتشفوا أن الادعاء الحكومي بالحفاظ على الدعم عبر وجود شريحة مدعومة لا تتجاوز 150 كيلو واط شهرياً ليس في جوهره سوى خدعة دعائية لذر الرماد في العيون، فالتجربة المباشرة أثبتت أن أدنى متطلبات تشغيل الكهرباء المنزلي في سورية تتجاوز هذا السقف الزهيد بكثير. ما يجعلنا أمام واقع معيشي جديد، تحولت فيه السياسات الاقتصادية الحالية - والتي تشكل امتداداً مباشراً للسياسات الاقتصادية للسلطة السابقة - إلى أداة إقصاء اجتماعي مباشر، تضع أولوية الجباية الحكومية فوق مصلحة المواطنين السوريين، وتقامر بالاستقرار الهش في سبيل تحقيق المزيد من الإيرادات التي نرى كيف يجري تبديد مصادرها الأخرى التي لا تشكل عبئاً على المواطنين بأشكالٍ شتى.

تجاوزت ردود الفعل الشعبية حدود الشكوى الصامتة المعتادة لتتحول إلى موجة سخط اجتماعي، وانتقلت من الهمس في الطوابير إلى الصراخ العلني عبر كل المنابر المتاحة. ولم تعد العبارات الملطفة والوعود الحكومية بتحسن قادم في منظومة الأجور تجدي نفعاً أمام هول الأرقام التي قضمت جزءاً واسعاً من المداخيل الشحيحة للمواطنين السوريين والتي تتآكل يومياً بفعل ارتفاعات الأسعار. وباتت جملة «ما رح ادفع، خليهن يجوا يفكوا عداد الكهربا» هي الشعار العفوي لرفض شعبي واسع، يعكس حالة من اليأس وفقدان الثقة المطلق بجدوى الحلول التي يجري تسويقها اليوم.
بطبيعة الحال، لا ينبع هذا السخط الاجتماعي الكامن وراء هذه الكلمات من رغبة في الفوضى، بل من عجز حقيقي عن تحمل تكاليف المعيشة المرتفعة، وينذر بانفجارات اجتماعية غير محسوبة المآلات، إذ إن الضغط المعيشي الذي يمارس على المواطن السوري اليوم تجاوز بكثير حدود طاقته على التحمل.


سحق الأجر السوري مجدداً تحت وطأة الكهرباء


تتكشف مأساة السوريين بشكل أكثر وضوحاً عند إخضاع الواقع للغة الأرقام والمقارنات التاريخية والدولية، حيث يظهر جلياً أن المواطن السوري بات يعيش بشكلٍ ما في جزيرة معزولة من الغلاء والفقر الطاقي. وفقاً للبيانات التاريخية للبنك الدولي، نجد مفارقة موجعة تعكس حجم الانهيار البنيوي في منظومة الرعاية والعدالة الاجتماعية، ففي منتصف السبعينيات من القرن الماضي، كان الحد الأدنى الرسمي للأجور (325 ليرة سورية) قادراً على شراء نحو 1,710 كيلو واط شهرياً بأسعار تلك الفترة. أما اليوم، ووفقاً للأسعار الجديدة، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور لن يستطيع أن يشتري سوى 707 كيلو واط فقط.
لا يمثل هذا التدهور مجرد انخفاض في القيمة الشرائية بنسبة تزيد عن 60%، بل هو في الجوهر تعبير عن تحول الكهرباء من حق طبيعي مكفول بالعمل والإنتاج إلى عبء يلتهم الجزء الأكبر من الراتب الشهري، مما يضطر العديد من الأسر السورية للمفاضلة فعلياً بين إضاءة غرفة أو تأمين المتطلبات الأخرى الأساسية للحياة.

عند النظر إلى دول الجوار، يتضح حجم الكارثة التي خلفها النهب المتراكم وسياسات إلغاء الدعم الاجتماعي. فبينما يشتري الحد الأدنى الرسمي للأجور في العراق نحو 23,225 كيلو واط، وفي تركيا 9,869 كيلو واط، وحتى في الأردن (الذي يعاني من ندرة الموارد الطاقية) 4,545 كيلو واط، يجد المواطن السوري نفسه في قاع القائمة بجانب لبنان (771 كيلو واط). تدحض هذه المقارنة زيف الخطاب الرسمي الذي لا يزال يدعي أن الأسعار في سورية لا تزال من الأرخص عالمياً، فهذا الادعاء يتجاهل العلاقة العضوية بين سعر السلعة والقدرة الشرائية للمستهلك، حيث أن فرض أسعار عالمية على أجور محلية منهارة هو وصفة صريحة للإفقار القسري.
إن رفع سعر الكهرباء قبل رفع القدرة الحقيقية للأجور هو خطوة كارثية تضع المواطنين أمام خيارات غير إنسانية يضطر السوريون معها إلى تقنين استهلاكهم إلى مستويات لا تليق بكرامة البشر، وهذا الضغط المالي يدفع الناس أيضاً نحو البحث عن خيارات بديلة بما في ذلك اللجوء إلى أساليب الاجترار غير المشروع للكهرباء هروباً من الفواتير المرتفعة.
العجز عن سداد الفواتير لن يكون فعلاً احتجاجياً فحسب، بل هو في العمق إعلان إفلاس رسمي للأسر السورية أمام تغول النخب صاحبة القرار والتي تصيغ القوانين من مكاتبها المكيفة بعيداً عن معاناة الشارع التي تتفاقم يومياً.


الكهرباء ركيزة إنتاج وليست مجرد سلعة


تكمن الخطيئة الكبرى في العقلية الاقتصادية التي تدار بها البلاد منذ عقود في النظر إلى الكهرباء بوصفها سلعة استهلاكية نهائية، وليست ركيزة أساسية للإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي. حيث تتجاهل قرارات رفع الأسعار التي تسوقها الحكومة تحت ستار «ضمان استدامة قطاع الطاقة» حقيقة أن هذه الاستدامة لا يمكن أن تتحقق قبل حل المواضيع الأكثر جوهرية، بما في ذلك طريقة توزيع الثروة في سورية ورفع الحصة الحقيقية لأصحاب الأجور.
تعتمد الصناعات السورية التي تعد العمود الفقري لإعادة التشغيل الاقتصادي بعد سنوات الحرب بشكل كلي على توفر الطاقة بأسعار معقولة لتتمكن من المنافسة والبقاء. وبشكل طبيعي، فإن إلغاء الدعم وفرض أسعار مرتفعة يؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما يضعف قدرة المشاريع المحلية على المنافسة أمام البضائع المستوردة، ويخفض بالتالي فرص التشغيل، ويزيد من معدلات البطالة والفقر.

إن ما تصفه الحكومة بالاستدامة هو في الحقيقة عملية استنزاف مالي جديد للمنتجين في سورية لصالح تغطية عجز ناتج بالدرجة الأولى عن سوء الإدارة والفساد الكبير، فالاستدامة الحقيقية لا تبنى على تحميل الفقراء أعباء فشل المنظومة الفنية، بل تبنى على كفاءة التشغيل. وهنا نضع اليد على المشكلة القديمة الجديدة في سورية وهي الفاقد الفني والتجاري للكهرباء الذي يتراوح وفقاً لتقديرات مختلفة بين 40% و50%، بينما يتراوح عالمياً بين 5 و15%. هذا يعني أن نحو نصف الطاقة المنتجة يضيع هباءً نتيجة ترهل الشبكات والسرقات الكبرى التي تتم غالباً بغطاء من نخب نافذة، وبدلاً من أن تقوم الوزارة بإصلاح الشبكات وضبط اللصوص الكبار، تذهب للحل الأسهل وهو جباية الثمن من جيوب السوريين الفقراء.

تعتبر الطاقة المدعومة في الدول الخارجة من الحروب أهم أداة من أدوات إعادة الإعمار والتعافي. فإعادة تشغيل المصانع والورش الصغيرة التي تضررت خلال الحرب تتطلب بيئة محفزة، وأي رفع للأسعار في هذه المرحلة هو بمثابة إعدام لفرص التعافي الوطني. والطاقة المدعومة ليست منة من الحكومة، بل هي حق، فكل ليرة تُدعم بها الكهرباء للقطاع الإنتاجي تعود على خزينة الدولة أضعافاً من خلال الضرائب وفرص العمل وتصدير المنتجات.
إن السياسات الحالية تكرس نموذج اقتصاد الجباية بدلاً من اقتصاد الإنتاج، مما يعزز هيمنة كبار المستوردين الذين يتربحون من استيراد الطاقة البديلة، بينما ينهار القطاع العام لصالح خصخصة مقنعة تُبنى على أنقاض قدرة المواطن الشرائية. ما يعني أننا فعلياً أمام عملية تدمير ممنهج لما تبقى من قدرة تنافسية للصناعة والزراعة السورية، وهو ما يخالف كل الشعارات الرنانة حول التنمية وإعادة الإعمار التي تطرح في المحافل الدولية.

turkiye-to-export-900-mw-electricity-to-syria-seeks-new-iraq-pi_p25395


الصندوق الأسود لوزارة الطاقة وغياب الشفافية


المسألة الأكثر إثارة للريبة والقلق في ملف الطاقة الكهربائية هي الضبابية المطلقة وانعدام الشفافية الذي يغلف عمل وزارة الطاقة والمؤسسات التابعة لها. حيث تعد هذه الوزارة الجهة الرسمية المسؤولة عن أهم عصب للحياة الاقتصادية في البلاد، ومع ذلك، فهي تتعامل مع تفاصيلها التشغيلية والفنية وكأنها أسرار عسكرية لا يجوز للشعب الاطلاع عليها.

إن سياسة عدم الإفصاح الكامل عن كميات حوامل الطاقة الموردة، وتكاليف التوليد الحقيقية، وعقود الصيانة، تثير تساؤلات مشروعة حول الأسباب الكامنة وراء هذا التعتيم. لماذا ترفض الوزارة نشر بيانات دقيقة حول أداء المحطات، بينما تتوفر هذه المعلومات في دول الجوار وحتى في أكثر النظم الاقتصادية انغلاقاً؟
يفتح غياب الشفافية الباب واسعاً أمام التكهنات بوجود عمليات فساد ضخمة في توليد الكهرباء، ويجعل من المواطن ضحية مغيبة تطالب بالدفع دون أن تعرف أين تذهب أموالها. وبناءً عليه، فإن مصلحة الشعب السوري تقتضي أن يكون قطاع الطاقة كتاباً مفتوحاً أمام الرأي العام والخبراء الاقتصاديين المستقلين. فالمواطن الذي يطلب منه التقنين والتضحية بلقمة عيشه من أجل الفاتورة، له الحق الكامل في معرفة كيف تدار هذه الموارد، ولماذا يفشل قطاع الكهرباء في تقليص الفاقد الفني والتجاري، واستمرار هذا النهج في الإدارة يعزز الشعور بالظلم الاجتماعي، ويؤكد أن القرارات تتخذ لخدمة نخب ضيقة لا تشعر بمعاناة المواطن العادي.

رفع أسعار الكهرباء بهذه الطريقة العشوائية والجائرة لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه ضربة معيشية كبيرة وموجعة تهدد أسس الاستقرار الاجتماعي. والسلطة مدعوة لإعادة النظر فوراً في هذه السياسات، والبدء بمكاشفة وطنية شاملة حول واقع قطاع الطاقة تبدأ بالاعتراف بأن الكهرباء هي حق إنساني وضرورة لا يمكن إخضاعها لمنطق الربح والخسارة الضيق. وإذا لم يتم تدارك هذا الوضع، فإن سورية مقبلة على تصعيد جديد في مستوى الاحتقان الاجتماعي الذي ربما لن تستطيع أي فواتير أو جبايات احتوائه.

syria_electricity_crisis_51989-large_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262